العنوان الأدب الإسلامي ودور الإنسان المسلم في العالم والاستخلاف «4»
الكاتب د. محمد عادل الهاشمي
تاريخ النشر الثلاثاء 30-أكتوبر-1984
مشاهدات 57
نشر في العدد 689
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 30-أكتوبر-1984
1- إن من مهمة استخلاف الإنسان عن الله في الأرض، واستكمالًا لعبوديته الشاملة لله؛ بناء الحياة وعمرانها حسب سنن الله وشرعه في الأرض.
﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾ (سورة الأنعام: 165) «1»
إن دور الإنسان المسلم في هذه الحياة، بمقتضى هذا هو دور الرائد لبني الأرض، في تقدم حياتهم وعمرانها، وفي ظل منهج الله الذي استخلف به في الأرض، وإنَّ تخليه عن هذا الدور شلل للحياة وأبناء الحياة، يتمثل في هذا الشلل فيما كنا قد عرضنا له من ظاهرة ضياع الهدف، وجهل المهمة عند عدد من أدبائنا المعاصرين الذين ساروا على طريق التغريب، فهناك من أثر طريق الغربة والانسحاب من الحياة فقيع في حدود العجز والانطواء على الذات «2» ، وهناك من حصر هدفه وغايته في حدود المادة والأرض كعبد الرحمن الشرقاوي ومحمود درويش.
فهي عند الأول مصدر القوت والحياة «3»، وهي الغاية الاجتماعية «4». وهي عند الثاني مصدر الوجود، وهي الغاية السياسية، ويقول أحد الباحثين مُبرزًا هذه الظاهرة:
«إنَّ فِكْرَةَ الأرْضِ والتَشَبُّثِ بِهَا قَدْ بَقِيَتْ المِحْوَر الأسَاسِي للأعْمَالِ الأدَبِيَةِ فِي الفَتْرَةِ الأخِيرَة عَلَى وَجْهِ الخصُوصِ فِي فلسْطِينِ، وقَد بَلْوَرَ مُعْظَمُ الكُتَّابِ تِلْكَ الفِكْرَةِ بِأشكَالٍ مُخْتَلِفَة، وبِأحْدَاثٍ مُتَغَايِرَةٍ، وإنْ كَان الجَوهَرُ الأدَبِي وَاحِدًا ومُتَّفَقًا» «5»
ويجلو دور الأرض بوصفها الملاذ الوحيد والمفهوم الواقعي الحقيقي في التصورات الجاهلية التي نعرض لها جبرا إبراهيم جبرا، الذي يرى فيها المنطلق الأساسي والمبعث الأول للوجود والحياة «6»
في روايته «السفينة» هي السبب في تمزق «عصام» وهروبه كما يبدو على لسان «وديع عساف»:
«الأرض، الأرض هي السر في حياتك مع «لمى» أو بغير لمى ستأخذك الأرض عودة إليها من جديد مهما فعلت أينما ذهبت لمى هي التراب، الزرع، الماء، إنها الأرض مهما تصورت، مهما فشلت في الإمساك بها بيديك، رغم كل فلسفاتها» «7»
وهكذا يفسر بها سر الوجود وغاية الحياة..
وهنا نتساءل، ونحن بصدد الحديث عن أداء المسلم أمانة الاستخلاف بعمرانه الأرض، ما الاختلاف بين نظرة الإسلام والنظرات الأخرى الأنفة؟
أولًا: أن الأرض في الإسلام جزء من الكون المسخر للإنسان يعمرها باستخلافه «8»، وما كانت غاية للوجود.
ثانيًا: إن حركة التحرير في الإسلام وكل فعاليات الإنسان ترتبط بمهمة الاستخلاف الربانية وبغاية الحياة العليا، لا تنفصل عنها، بينما نجدها عند الأدباء الذين عرضنا لهم منفصلة مبتوتة تقف عند حدود التراب والزرع والماء دون ربطها بغاية عليا.
وهذا الانفصال في رأينا هو ما بدد الجهود وأضاع الطاقات؛ لأن العمل المنبت عن مهمة الاستخلاف وعن الغاية العليا للحياة يعوزه الضبط والدوام والارتباط، لذا وصف الله تعالى هذه الأعمال المنبتة في كتابه:
﴿مَّثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ ۖ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ ۖ لَّا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَىٰ شَيْءٍ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ﴾ (سورة إبراهيم: 18) «9»
وكانت الحضارات الإنسانية في رقيها وانحدارها تسير في دورات مرتبطة بمعنى الامتثال لأمانة الخلافة المنوطة ببني الإنسان أو النكوص عنها «10».
وقد عرض الأدب الإسلامي لما عرا البشرية من فقدان الطريق وجهل الغاية نتيجة تخلي الإنسان المسلم عن مهمته في عمارة الحياة؛ يقول صالح آدم بيلو مهيبًا بالإنسان المسلم أن يستأنف دوره الفاعل في عمران الحياة:
أيها السالك درب الصاعدين***يا أخا الإسلام، يا بن الخالدين
قم بنا، فالكون مشلول اليقين ***قم بنا، فالأرض أوحال وطين
واحمل الزاد ونورًا باليمين***نغرس الدرب بزيتون وتين «11»
2- لقد هيأ الله تبارك الأرض وذللها للإنسان ليستوطئها في مهمة استخلافه عن الله في الارض:
﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ ۖ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ (سورة الملك: 15)
فالمسلم مطالب، بمقتضى مهمته بإعمار الأرض وتطويرها بالعمل والإبداع وصنع الحضارة، وقد عبر الأدب الإسلامي عن هذه الآفاق الريادية للإنسان المسلم في مهمته العمرانية التي هي جزء أصيل من استخلافه؛ فقال مصطفى صادق الرافعي نادبًا المسلمين إلى مهمتهم الأصيلة:
«كيف يستوطئ المسلمون العجز وفي أول دينهم تسخيرًا للطبيعة؟ كيف يستمهدون الراحة وفي صدر تاريخه عمل المعجزة الكبرى؟ كيف يركنون إلى الجهل، وأول أمرهم آخر غايات العلم؟
كيف لا يحملون النور للعالم ونبيهم هو الكائن النوراني العظيم؟ «13»
3- المعرفة المهتدية بهدي الله سبيل إلى قيام الإنسان باستخلافه عن الله بإعمار الأرض وبناء الحياة، ولذلك كان الإنسان المسلم منتديًا إلى هذه المعرفة بأوسع مجاليها وأشمل ميادينها لتسعفه على أداء مهمته.
لذا حث القرآن على استخدام العقل والحواس على مستوى المسئولية، وندبه إلى إدراك النواميس «15»، وأوضح عليه الصلاة والسلام أهمية طلب العلم، وجلا مكانة طالب العلم وأفاقه وثوابه، لما يمنحه علمه من ارتقاء في مهمته، ويكشف عن نواميس ربه في كونه وخلقه «16».
وقد ترجم الصحابي الجليل معاذ بن جبل هذه المعاني والآفاق فعبر في ترسله الأدبي عن دور العلم في مهمة استخلاف الإنسان عن ربه، من خلال إيحاءات تجعل من العلم دعوة ربانية مقدسة تمد من آفاق الحياة امتداد مهمة الإنسان:
«تعلموا العلم فإن تعلمه لله تعالى خشية، وطلبه عبادة، ومذاكرته تسبيح، والبحث عنه جهاد، وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة، وبذله لأهله قربة. لأنه معالم الحلال والحرام، ومنار أهل الجنة، والأنس في الوحشة، والصاحب في الغربة، والمحدث في الخلوة والدليل على السراء والضراء، والسلاح على الأعداء، والدين عند الأجلاء، يرفع الله تعالى به أقوامًا ويجعلهم في الخير قادة وأئمة تقتبس أثارهم، ويقتدى بفعالهم، وينتهي إلى رأيهم؛ ترغب الملائكة في خلتهم، وبأجنحتها تمسحهم، ستغفر لهم كل رطب ويابس، يبلغ بالعلم منازل الاختيار والدرجة العليا في الدنيا والآخرة والتفكير فيه يعدل بالصيام، ومدارسته بالقيام يلهمه السعداء، ويحرمه الأشقياء» «17»
إن هذه الإيحاءات والمستلهمات لمهمة الإنسان فتحت أبواب العلم على مصاريعها لبناء الحياة وإعمارها من خلال حضارة إسلامية كان لها من النتاج الإنساني والتقني ما زود البشرية بأصول الخير الذي ترفل فيه الآن «18»، يطوف بنا بعض رحابها من خلال المنجزات الحديثة الشاعر محمد الحسناوي في حوار يديره بين كتاب تراث ألقى في دجلة إبان فتنة التتار، وبين قمر صناعي، وأصلًا بينهما الرحم حتى لكأن القمر الصناعي وريث منجزات الحضارة الإسلامية:
يا كتابًا على جناح الهواء ***طائرًا، طائرًا لأعلى سماء
طائرًا سابحًا بطرف حديد***وبإذن رهيفة الأصداء
كيف تنسى وأنت جرم خبير***يتقصى مخابئ الجوزاء؟
بعيون من لؤلؤ الفكر صيغت***وفؤاد من بارقات الذكاء
كيف تنسى في المجد.. أندلس الأمـ ***س ... وبر البنين بالآباء
أنت مني، وإن سكنت الدراري***وأنا منك في قرار الماء
كيف تنسى مسراك نقطة نور ***«هيثمي» في «الغرفة السوداء»
كيف تنسى «ابن ماجد» يمخر البحـ***ــر على هدي نجمك الوضاء
أنت من أمتي حفيد زكي ***سامق القرع، وأرف الأفياء
فيك من «جابر» شمائل غر ***و «ابن سينا» ما شئت من سيماء
فكان الإله صاغك بدرًا***من بدور الجزيرة العرباء
يصطفى الوقد من سنا الشرق فجرًا***بعد فجر، فكان أصفى الصفاء
وكان الإله شاء عذابي***فرماني لغالة الأرزاء «19»
4- لقد بلغ الإنسان المعاصر من التقدم المادي ونماء المخترعات ما كان كفيلًا ببناء الحياة على أرقى وجه، وبإحاطة الإنسان في كل مكان بالرفاه والحياة المتقدمة، ولكن هذا التقدم الهائل كله هل نراه موجهًا لخير العالم وبناء حياته؟
هناك طريقان، طريق الإسلام، وطريق الجاهلية.
إننا نجد العمران مرتبطًا في الحياة الجاهلية بتثمير الحياة المادية وجلب الرفاه المادي، بعيدًا عن الغاية الأصيلة، وهذا ما كان سببًا في اختلال توازن الحياة، ومجلبة للعثرات التي يعاني منها العالم اليوم، من ذلك ما نراه اليوم من ازدواج الرقي في العلم المادي والتدني في المشاعر الإنسانية، بما أورث الإنسان الشقاء والشذوذ والضياع.
ويعبر الأدب الإسلامي عن هذه المفارقات التي يعيشها إنسان الغرب على لسان الشاعر عمر بهاء الأميري حيث يقول:
أيها الصحب إنها دورة الدهـ***ــــر كفانا في تيهنا دورانا
نخر «الهيرويين» إنسان غرب الـــ***ــــعصر نخرًا فلم يعد إنسانًا
هو طورًا «تقنية» تنطح النجــــــ***ــــــم، وطورًا يقارب الحيوانا
والدنا اليوم في رحى من شقاء ***ضل إنسانها وشذ وهانا
أين روح الإله فيه؟ أما استخـــ***ـــــلف حتى يسير الأكوانا
بسداد وحكمة وجهاد؟ *** ضاع ويلاه ضيع الإيمانا «20»
هذا البعد عن الغاية العليا جر الإنسان إلى الاستزادة من المال والسيطرة والنفوذ، التي أصبحت هي قيم الحياة السائدة، بعيدًا عن قيم الحب والتكافل والتعاون الإنسانية، وهذا ما نمى الشره في اقتسام النفوذ والسيطرة على مقدرات العالم، حتى أصبح العالم، وسط هذا الصراع المادي، مهددًا بين لحظة وأخرى بالحرب المدمرة بوسائل العلم المتقدمة نفسها، يعبر الأدب الإسلامي عن هذا الاختلال في عالمنا الحافل بالمنجزات الحضارية الذي قد تطوح به في أية لحظة كف مجنون، بسبب من غياب الغاية الهادية... يقول الدكتور نجيب الكيلاني:
وطئت أقدامنا سطح القمر ***وتحدى العلم سلطان القدر
وهدير الآلة الصخاب قد ***عانق الأفاق في شتى الصور
عالم لم يحلم العقل به ***مفعم بالعجب والاي الكبر
وأفانين تراءت عجبًا ***فيه لم تخطر على قلب بشر
وأرى في كل أرض بدعًا ***تذهل العقل، وتلهو بالنظر
أي سر يحفل الكون به؟ ***كل يوم في جديد تنصهر
• • • •
يا رفيقي لم يزل عالمنا ***في متاهات المأسي والغير
غارق في يأسه محترق***ونداءات الضحايا تستعر
شبح الموت على أفاقنا***يبذر الرعب فنونًا والعبر
ظله الأسود يجتاح الدنا ***هادرًا بالحرب يلقي بالنذر
إنما العلم بلا روح ردى ***علمنا العملاق بالروح كفر
ويحنا إن جن فينا فاجر ***ورمى «بالذر» في يوم كدر
فلنضع كل مهارات النهى ***ولتمدد في تهاويل الحفر «21»
هذا طريق الجاهلية، قد يسخر فيها علم الإنسان وإبداعه لشقائه أو دماره، لأنه لم يتعرف غاية الحياة العليا.
أما طريق الإسلام، فمفرق الطريق، بين نظرته لعمران الحياة والنظرات الأخرى، إن الإسلام يربط عمران الأرض بمهمة الإنسان المستخلف عن الله في الأرض، فعمران الحياة فيه مرتبط بغاية الحياة وناموس الوجود في ظل العبودية لله... وليس فلتة عابرة منقطعة عن الناموس «22».
(1) الأنعام: 165
(2) انظر الاتجاه الإنساني في الشعر: 395
(3) ربما كانت أصول التشبث بالأرض مأخوذة عن الكاتب الصيني بيرل باك في رواية «الأرض الطيبة» وقد نماه عندنا الكتاب والشعراء الاشتراكيون.
(4) انظر الأرض «رواية» لعبد الرحمن الشرقاوي، مصر 1954
(5) الفن القصصي في فلسطين نصر محمد إبراهيم عباس، الرياض 1402 - 1982 ص 213
(6) نفسه: 278 - 279
(7) السفينة «رواية»: جبرا إبراهيم جبرا، بيروت 1970 ص 180
(8) انظر الفصل الأول من هذا الباب: موقف الإنسان من الكون.
(9) إبراهيم: 18
(10) انظر في فلسفة الإسلام الحضارية: دكتور عفت الشرقاوي، بيروت 1979 ص 291
(11) ديوان الزيتون: صالح آدم بيلو، القاهرة 1381 - 1962 ص 13.
(12) سورة الملك: آية 15.
(13) وحي القلم: 2/31.
(14) الإسراء: 36 ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾.
(15) ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ (سورة فصلت: 53).
(16) من حديث أبي الدرداء قوله: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من سلك طريقًا يطلب فيه علمًا. سلك الله به طريقًا من طرق الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضا لطالب العلم، وإن العالم ليستغفر له من في السموات ومن في الأرض والحيتان في جوف الماء، وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر واكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر»، رواه أبو داود رقم 3641 و3642 في العلم والترمذي رقم 2683 - 2684 وهو حديث حسن.
(17) حلية الأولياء: 1/239.
(18) انظر: المسلمون والعلم الحديث: عبد الرزاق نوفل مصر، ط أولى 1979 – 1980.
(19) عودة الغائب: 76 – 79.
(20) المجلة العربية: السنة الثانية: ع /1 ص 97.
(21) عصر الشهداء دكتور نجيب الكيلاني، بيروت 1391 - 1971، ص 18.
(22) انظر في ظلال القرآن: 17/2397 – 2398.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل