العنوان الأذربيجانيون يرفضون الحدود: هل يقطف المسلمون في روسيا ثمار التغيير؟
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 16-يناير-1990
مشاهدات 60
نشر في العدد 950
نشر في الصفحة 13
الثلاثاء 16-يناير-1990
الوتيرة المتسارعة التي تتحرك فيها
«بيرويسترويكا» الزعيم السوفياتي غورباتشوف والتي تترك آثارًا عميقة جدًا وشقوقًا
متزايدة في الجدار الحديدي تكاد تدفع إلى الأفق آمالًا جديدة لعشرات الملايين من
المسلمين الواقعين تحت الحكم الروسي بأن عهد الحرية والاستقلال بات قريبًا.
فبالرغم
من أن الأحداث الدولية وتحركات القوى العظمى في العالم كانت بصورة دائمة تسير على
غير ما يشتهي المسلمون ويريدون، إلا أن الانقلاب العظيم داخل العالم الشيوعي والذي
أذن بخروج كثير من الشعوب في أوروبا الشرقية من ليل الهيمنة الشيوعية الطويل ربما
يحمل في طياته وفي احتمالات نتائجه بعيدة المدى بصيصًا من نور لأكثر من 50 مليون
مسلم خضعوا وراء جدار القهر لأكثر من 70 عامًا.
وإن أول مؤشرات هذا الانفراج المأمول
قد تمثل في الأحداث التي تمت مؤخرًا -ولم تنته بعد- في جمهورية أذربيجان
السوفياتية في إقليم القوقاز الذي تسكنه أغلبية مسلمة، وهي الأحداث التي عبر من
خلالها المسلمون صراحة ولأول مرة في تاريخ الهيمنة الروسية عن رغبتهم في العودة
إلى الجسم الإسلامي الكبير، وهم وإن كان التعبير عن هذا الانتماء يتم بلهجة قومية
بحتة على لسان بعض الحزبين الأذربيجانيين إلا أن مدلولاته الدينية والحضارية
واضحة، فالأذربيجانيون بعد 80 عامًا من دخول الجندي الروسي أراضيهم وبرغم الأجيال
المتعاقبة من الشباب التي تربت في مدارس الفكر الشيوعي الخاضع لموسكو لا يزالون
يحملون في قلوبهم جاذبية نحو ديار الإسلام جنوبًا وراء الأسلاك الشائكة.
- حريق في الجدار الحديدي:
في مطلع العام الميلادي الجديد
انتشرت -وبصورة مفاجئة- أعمال احتجاجات ومظاهرات جماهيرية كبيرة على حدود الاتحاد
السوفياتي مع إيران في أذربيجان وقد أفادت برقيات الأنباء والمعلومات التي أفرجت
عنها الرقابة السوفياتية أن آلافًا من المواطنين الأذربيجانيين هاجموا مراكز
حدودية تفصل الإقليم عن إيران وقاموا بحرق وتدمير أجزاء واسعة من سور الحدود حيث
أكدت وكالة تاس الرسمية في موسكو أن أعمال الشغب التي جرت هناك أسفرت عن إحراق
وتدمير المنشآت الهندسية وخطوط الإشارة والأبراج والعلامات الحدودية حتى امتداد
أكثر من 137 كيلو مترًا من الحدود.
وقالت الوكالة إن «المتطرفين» هددوا
بإحراق المخافر الحدودية والتنكيل بأفرادها وبأعضاء عائلات العسكريين العاملين ضمن
قوات الحدود كما نوهت الوكالة إلى محاولات مستمرة من بعض السكان لعبور الحدود إلى
الأراضي الإيرانية ولم توضح تاس دوافع هذه الأحداث لكنها قالت إن أعمال الشغب هذه
استهدفت تعقيد «العلاقات العرقية» في هذه المنطقة، ولم توضح الوكالة ما تقصده بهذه
العبارة والتي يبدو أنها تشير إلى حقيقة وجود أذربيجانيين يستوطنون الجانب
الإيراني من الحدود.
وجدير بالذكر أن وسائل الإعلام
الرسمية في الاتحاد السوفياتي تتحفظ دائمًا من الإشارة إلى وجود امتدادات للقوميات
الإسلامية خارج إطار الحدود وذلك لتعزيز سياسة العزل الحضاري.
ولكن مثل هذه السياسة قد نالها
التغيير كذلك، ففي خلال أيام من بدء الاضطرابات تحدثت صحيفة «أزفستيا» قائلة إن
المتظاهرين الأذربيجانيين يطالبون بتوحيد أذربيجان السوفياتية مع أذربيجان
الإيرانية وهددوا بإزالة كل الحواجز الحدودية ما لم تزلها السلطات السوفياتية.
وقال متحدث رسمي باسم وزارة الخارجية
السوفياتية إن هناك «متطرفين» يعتقدون أن الحدود مع إيران ليست ضرورية.
وكانت مصادر محلية جرى الاتصال بها
هاتفيًا من قبل وكالة أنباء غربية أفادت أن فصيلًا في «الجبهة الشعبية
الأذربيجانية» ذات التوجه القومي يخوض حملة من أجل حدود مفتوحة بهدف توحيد
الأذربيجانيين على جانبي الحدود السوفياتة – الإيرانية.
وقالت مصادر صحفية محلية في الإقليم
إن آلافًا من الأذربيجانيين مكدسون على طول الحدود منذ شهر أملًا في السماح لهم
برؤية أقارب لهم في إيران.
وقد تطورت الأحداث إلى وقوع مظاهرات
ضخمة في مدينة باكو عاصمة أذربيجان أعلنت وزارة الخارجية السوفياتية بعدها عن
إغلاق المدينة والمنطقة الحدودية في وجه الصحفيين الأجانب.
- لا يوجد أصوليون!
وعلى إثر هذه الأحداث وتزامنها مع
الانشقاق الخطير في جمهورية لاتوانيا في شمال الاتحاد السوفياتي قام الرئيس
غورباتشوف بإلغاء جميع الالتزامات الخارجية لديه الأمر الذي فسره مراقبون بأنه
إعلان للطوارئ.
وفي تعليق رسمي في موسكو على أحداث
أذربيجان رفض المتحدث باسم الخارجية السوفياتية «غينادي غيراسيموف» بشدة أي محاولة
لتدويل الحوادث الأخيرة على الحدود بين أذربيجان السوفياتية وإيران وقال بأنها
تمثل بالنسبة للكرملين مسألة داخلية بحتة لا تعني طهران أو باقي العالم الإسلامي
بشيء!
وقال المتحدث: إن الاضطرابات على طول
الحدود لا تتسم بأي طابع أصولي، وهو الأمر الذي حاولت صحف موسكو تأكيده مرارًا،
كما اندفع بعض القوميين الأذربيجانيين لتهدئة خاطر موسكو بالتأكيد على أن التحرك
الذي تم ليس له طابع ديني ولا يهدف إلا إلى الاحتجاج على تقسيم الشعب الأذربيجاني
الموزع بين الاتحاد السوفياتي وإيران.
ومثل هذه التأكيدات الرسمية وشبه
الرسمية على إبعاد العنصر الديني عن جوهر التحرك الأذربيجاني مع القبول بالمبدأ
القومي أمر يشير بوضوح إلى هاجس الخوف من الانبعاث الإسلامي في تلك القوميات وهو
الأمر الذي لو تم فإنه يهدد موسكو بفقدان أجزاء واسعة وهامة من أراضي الاتحاد
السوفياتي خارج نطاق السيطرة.
وفي محاولة لتطويق الاضطرابات وجذب
السكان المحليين أعلن نائب وزير الخارجية السوفياتي أن عبور الحدود بين جمهورية
أذربيجان السوفياتية وإيران سيبسط ويصبح حرًا بالنسبة للأذربيجانيين السوفيات
الذين لهم أقارب في المنطقة الحدودية الإيرانية، لكنه قال إن إدخال تعديلات على
الحدود ليس مقبولًا.
وبالرغم من النفي الرسمي لوجود
العنصر الديني في الأحداث فإن مسؤولًا رفيعًا في مجلس القوميات السوفيات أشار إلى
أن مناطق الحدود تضم منابر وأضرحة لا يستطيع الأهالي زيارتها إلا بصعوبة بالغة
وقال إن «عناصر متطرفة» استغلت غيظ السكان من الصعوبات التي يواجهونها في الانتقال
إلى الجانب الإيراني من الحدود في دفعهم لتلك الممارسات.
وفي إطار محاولات الاسترضاء وعدت
السلطات الرسمية في الإقليم بإعادة استغلال مساحات زراعية خصبة على امتداد الحدود
كانت قد غصبت من الأهالي في السباق بدعوى كونها أراضي فاصلة عن الأراضي الإيرانية.
- ما الجديد في أحداث
أذربيجان؟
مثل هذا الحدث أمر جديد جدًا على
الجسم الداخلي للاتحاد السوفييتي، إذ إن كافة محاولات الخروج على سيطرة الحكومة
المركزية في السابق كانت تواجه بالقوة والحزم وتخضع لتعتيم إعلامي تام بحيث لا
يكاد يسمع بها العالم الخارجي.
أما ما وقع على حدود أذربيجان مع
إيران فهو خروج تام على هذه القاعدة، فقد تمكن أكثر من 8 آلاف أذربيجاني من التجمع
والخروج لتحطيم عشرات الكيلومترات من خط الحدود والاشتباك مع أفراد من الحرس
الحدودي دون أن تقع أي عمليات قمع عسكرية من النوع الذي يهلك فيه المئات تحت سلاسل
الدبابات وهو ما كان مألوفًا في العالم الشيوعي قديمًا.
كذلك فإن حرس الحدود السوفياتي وهو
في الواقع جيش مستقل يضم أكثر من 450 ألف جندي قد تعامل مع ثورة الأذربيجانيين
وأعمال تدمير الأسوار الحديدية بطريقة هادئة ومهذبة نسبيًا قياسًا لما كان من
الممكن أن يحدث.
من ناحية أخرى فإن التغطية الإعلامية
لهذه الأحداث كانت متاحة نسبيًا، إذ برزت تفاصيل الأحداث وصورها في الصحافة
العالمية خلال أيام من وقوعها وتمكن صحافيون غربيون من الاتصال بسكان محليين ونقل
تصريحاتهم إلى وكالات الأنباء الغربية، ومثل هذه التغطية لأعمال العنف داخل
الاتحاد السوفياتي كانت شبه مستحيلة في السابق ولطالما اتخذت السلطة في موسكو خلال
الخمسينيات والستينيات إجراءات قمع ضد آلاف الأشخاص لم يسمع بهم العالم إلا بعد
سنوات.
مثل هذه الحيثيات تؤكد أن
«البيروسترويكا» أو حركة إعادة البناء التي بدأها الرئيس غورباتويف قد تركت
بصماتها على أسلوب السلطة المركزية في موسكو في التعامل مع القوميات غير الروسية،
وهذا الأمر يحمل في طياته -إذا نجح أو اكتمل- مكاسب حقيقية للمسلمين سواء كانوا
أذربيجانيين أو تركستانيين أو أوزبكيين.
وإذا تحركت سياسة الرئيس السوفياتي
في تجاه تحقيق مجال أوسع من حرية التعبير والممارسات الديمقراطية الفعلية في صفوف
الشعوب الداخلة تحت حكم موسكو فإن هذا يعين قدرة القوميات الإسلامية على إعادة
التعبير عن أنفسهم كمسلمين وسيكون الباب مفتوحًا لدخول الثقافة الإسلامية والعلوم
الشرعية إلى مسلمين عانوا لأحقاب طويلة من الجهل الشديد بدينهم والضعف في ممارسة
الإسلام الصحيح والحاجة إلى إعادة تكوين الهوية الحضارية المفقودة.
وربما تسمح تلك التغييرات بفتح
الحدود أمام أولئك المسلمين للاتصال بحرية بالمسلمين في العالم الإسلامي جنوبًا
وهو أمر سيعزز إلى حد كبير كل ما سبق من جوانب النقص عند مسلمي الاتحاد السوفياتي.
ولعلنا لا نكون قد أفرطنا في عقد
الآمال على الأحداث الأخيرة في أذربيجان.. ولكن ما هو مؤكد أن ما شهده العالم
الشيوعي من هزات عنيفة وعودة إلى عالم الحرية ونبذ الدكتاتورية والاستعباد أمر
سيلقي بظلاله بإذن الله على المنطق الإسلامية تحت الحكم السوفياتي.. والله غالب
على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
·
أذربيجان
تمثل أذربيجان حاليًا جمهورية ضمن
الجمهوريات الداخلية للاتحاد السوفياتي والتي تتبع الحكم القائم في موسكو.. وهي من
الناحية الجغرافية تشغل الجزء الجنوبي الشرقي من إقليم القوقاز حيث يحدها من الشرق
بحر قزوين ومن الشمال سلسلة جبال القوقاز ومن الغرب جمهورية أرمينيا السوفياتية
والحدود مع تركيا، أما من الجنوب فتشترك أذربيجان مع إيران بـ 740 كيلومترا من
الحدود المشتركة. وتبلغ مساحتها 86 ألف كيلومتر وعاصمتها مدينة «باكو» وهي ميناء
مشهور على بحر قزوين.
يبلغ عدد سكان الجمهورية 6,8 ملايين
نسمة منهم 5,5 ملايين من عرق الأذربيجان المسلمين ومعظمهم على المذهب الإمامي
الشيعي، وهناك 3 ملايين أذربيجاني آخر يقطنون في إيران عبر الحدود جنوبًا.
تتمتع أذربيجان بأهمية اقتصادية إذ
تضم بعض الحقول الغنية بالنفط كما أن معادن الحديد والكوبالت متوفرة بكثرة، وتشكل
الجمهورية مصدرًا صناعيًا للحديد الصلب والأسمنت، والمخصبات الزراعية والمعدات
الكهربائية والكيماوية.
كما أنها إقليم زراعي هام إذ تتميز
بقدرتها على زراعة الحبوب بكميات كبيرة في فصل الشتاء حين يكون الصقيع سائدًا في
معظم الأجزاء الأخرى للاتحاد السوفياتي.
ومن الناحية التاريخية كانت المنطقة
تدين قبل الإسلام بالمجوسية واليهودية والنصرانية قبل أن تصلها طلائع الفتح
الإسلامي أيام الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ثم أصبحت إقليمًا هاما في دولة
الخلافة وهاجر إليها عدد كبير من أهالي الشام ومصر، وشهدت المنطقة اضطرابات شديدة
خلال العصور الإسلامية التالية الأمر الذي حال دون تطورها وتعرضت لتدمير كبير خلال
الغزو المغولي ثم استقر أمر حكمها للأتراك العثمانيين خلال القرون الأخيرة.
وقد دخلها جنود الجيوش القيصرية
الروسية عام 1908 وأخضعوها لحكمهم بالقوة وأصبحت تحت الحكم الشيوعي منذ عام 1917.
واللغة التي يتحدثها الأذربيجانيون هي فرع من اللغة التركية وكانت تكتب بالحروف العربية حتى عام 1929 وقد تقلص عدد المساجد في أذربيجان من الآلاف قبل الحكم الروسي إلى 16 مسجدًا فقط.