; الأذن الكبيرة | مجلة المجتمع

العنوان الأذن الكبيرة

الكاتب أورخان محمد علي

تاريخ النشر الثلاثاء 06-أبريل-1999

مشاهدات 67

نشر في العدد 1344

نشر في الصفحة 18

الثلاثاء 06-أبريل-1999

موضوع الغلاف

الأذن الكبيرة

وكالة الأمن القومي الأمريكي NSA تتنصت على أحاديث العالم

أروخان محمد علي

* النشاط التجسسي لـ NSA .... تضمه 100 مليون وثيقة .... كل عام و40 طنًا من الوثائق يتم التخلص منها كل يوم

* عقول إلكترونية ضخمة تفرز المكالمات التي تحوي ألفاظًا خاصة سبق تحديدها ليتم تسلميها لأجهزة الفحص.

* بعد أمريكا.. ألمانيا وروسيا ثم الاتحاد الأوروبي تدخل سوق التنصت على أحاديث العالم.

* وصلنا إلى ما توقعه الروائي البريطاني جورج أوورل حيث الجميع مراقبون.. وتحت الأنظار.. فهل تطيق البشرية ذلك؟

* ميكرفون الليزر يسمع ما يدور في الغرفات المغلقة وجهاز TX  يدخل على أي خط هاتف ولو كان متوقفا على العمل 

هل فكرت وأنت تجري مكالمة هاتفية أو ترسل رسالة بالفاكس أو عبر الإنترنت أن هناك أجهزة على بعد آلاف الكيلو مترات تلتقط كلماتك وتسجلها وأن هناك جيوشًا من آلاف الموظفين تنتظر هذه الكلمات على مدار الساعة لتحلل وتقرر.

وقد تقول: ما قيمة كلماتي حتى ينشغل بها الآخرون وقد يظن البعض أنه أصبح «الرجل المهم» الذي تتبعه أجهزة التنصت الدولية.

والأمر بالتأكيد ليس على هذا النحو أو ذاك، ولكن وكالة الأمن القومي الأمريكي قررت أن تقوم بدور الأذن الكبيرة التي تتنصت على العالم أجمع.

الأذن الكبيرة الذي يستحق أن ... به أخطر جهاز أمني في الولايات المتحدة وأكثرها سرية. وهو «وكالة الأمن القومي NSA» ووظيفته القيام بالتنصت على جميع المحادثات والمخابرات والاتصالات بين جميع الدول والمؤسسات، عدد العاملين في هذا الجهاز كان عام 1975م مائة وعشرين ألفًا، أما الآن فلا أحد يعرف عددهمٍ، وإن كان من المؤكد أن العدد في تضاعف ربما أكثر من مرة، ولكي يأخذ القارئ فكرة تقريبية عن مدى أهمية هذا الجهاز، نقول إنه يأخذ ٨٠% من الميزانية التي تخصصها الولايات المتحدة الأمريكية لمختلف أنشطتها الاستخبارية والتي ... .

وكمثال على ما يقوم به هذا الجهاز فقد تبين أنه كان يتنصت على الأميرة ديانا التي قتلت في حادثة سيارة سنة 1997م في باريس، وأنه يملك إضبارة حول محادثاتها ومكالماتها واتصالاتها مؤلفة من 1056 صفحة وتحوي معلومات في غاية السرية والشخصية، وذكرت صحيفتا «The Miror» و«The Dail Record» البريطانيتان أن هذا الجهاز الاستخباري  تنصت على جميع مكالمات الأميرة مدة سنوات عديدة وحتى وفاتها، ولم تظهر هذه الحقيقة للملأ إلا بعد تقدم وكالة لأنباء الإنترنت- تعمل في مدينة نيويورك- بطلب رسمي إلى«NSA» حول تزويدها بملف ديانًا كاملًا، استنادا إلى قانون أمريكي حول حرية الحصول على المعلومات.

قامت الوكالة بدراسة الطلب وخلصت إلى نتيجة مفادها أن إجابة مثل هذا الطلب ستضر بالأمن وبمصالح الولايات المتحدة ضررًا بالغًا، إذا قامت برد الطلب، ولكنها اعترفت رسميًا في جواب الرد بوجود الملف وأنه مؤلف من 1056 صفحة. وذكر أحد المسؤولين في هذه الوكالة أن ديانًا لم تكن هدفًا مقصودًا للوكالة، وأن هذه المعلومات تجمعت لديها بشكل عرضي وغير مقصود، ترى لو كانت الأميرة هدفًا مقصودًا ما عدد الصفحات التي كان الملف سيبلغه آنذاك؟!

ولكي نعطي بعض المعلومات المختصرة عن هذا الجهاز الأمني علينا أن نرجع إلى الوراء قليلًا:يوجد في الولايات المتحدة ثلاثة أجهزة للمخابرات تقوم بعملية التنصت داخل الولايات المتحدة وخارجها وهي: وكالة الأمن القومي «NSA»، ومكتب التحقيقات الفيدرالية «FBI» والمخابرات المركزية الأمريكية «CIA»، ولكن أكبر هذه الأجهزة في موضوع التنصت هو «NSA» دون شك.تم تشكيل هذا الجهاز الأمني في 24/ 10 بأمر من هاري ترومان- رئيس الولايات المتحدة الأمريكية- آنذاك، ولم يعرف بأمر تشكيل هذا الجاهز لا الرأي العام الأمريكي ولا حتى الكونجرس، وكانت تعليمات الرئيس هي قيام هذا الجهاز بالتنصت على نطاق عالمي.قام الجهاز في بداية الأمر بالتنصت على المخابرات التي تتم بالشفرات بين الدبلوماسيين، وكذلك بين الضباط من الرتب العالية في جميع أنحاء العالم، ثم شمل نشاط تنصت جميع المخابرات والاتصالات الجارية في العالم «سواء أكانت بالهاتف الاعتيادي أم الهاتف النقال أم بالفاكس أم بالبريد الإلكتروني، أم بالإنترنت»، ولا سيما للأشخاص المهمين من رؤساء الدول والحكومات، والوزراء والضباط ورؤساء الأحزاب، ورجال الأعمال المهمين... إلخ، وهو يستخدم في هذا السبيل محطات التنصت المبثوثة في جميع أنحاء العالم «في القواعد والمطارات العسكرية، وفي السفن الحربية، والغواصات، والطائرات العسكرية والأقمار الصناعية».بعد مدة قصيرة من تشكيل «NSA» عام 1952م صدر تعميم سري يحدد مجال عمل وحدود نشاط كل من: «NSA» و «CIA» لكي لا يكون هناك أي تصادم أو تداخل بينهما، وبعد عام واحد جرى الشيء نفسه بين «CIA» وبين «FBI»، حيث سمح لـ «CIA» باستعمال الأجهزة الإلكترونية للتنصت بشرط عدم التصادم مع نشاط «FBI».وبعد أن قام ترومان بإصدار تعليمات أعطت الـ «FBI» صلاحية التنصت على أي شخص فيما يتعلق بأمن البلد دون أخذ إذن من أحد أو من أي جهة، سرعان ما أدى استعمال هذه الصلاحية الواسعة إلى مشكلات كبيرة، كما استغلت استغلالا سيئًا في العهد «المكارثي» ضد العديد من المثقفين والكتاب والفنانين، الذين اتهموا بمساعدة الشيوعية، كما استغلت ضد معارضي حرب فيتنام، لذا قامت المحكمة العليا الأمريكية عام 1972م بإصدار قرار أبطلت بموجبه هذه الصلاحية، ومنعت التنصت دون إذن من المحكمة- على أي مواطن أمريكي ليست له علاقة مع القوى الخارجية.ولكن هذا القرار لم يستطع أن يكون سدًا ومانعًا لعمليات التنصت، فقد تبين عام 1973م أنه تم التنصت على ستمائة مواطن أمريكي، وعلى ستة آلاف أجنبي يعيشون في الولايات المتحدة، وكان ضمن هذه المكالمات المسجلة مكالمات للسيناتور روبرت كندي- الذي قتل عام 1988م مع سوم جينكانا، وكان من أكبر رؤساء المافيا آنذاك.

تنصت حتى على الدول الحليفة

ومع أن الجهاز الأمني أو الوكالة الأمنية تتعاون مع وكالات مشابهة لها في إنجلترا وكندا، ونيوزيلندا، وأستراليا ضمن نظام استخباري ضخم يدعى «Echelon» إلا أن نشاطها وفاعلياتها لم تقتصر على التنصت على الاتحاد السوفييتي ودول حلف «وارسو»، تبين في عام 1960م أنها تنصتت على محادثات ومكالمات دول صديقة مثل فرنسا وإيطاليا.ولم ينكشف بعض فاعليات هذه الوكالة في الولايات المتحدة إلا عام 1975م عندما اعترف رئيس هذه الوكالة الجنرال «لوي آلن» أمام  في الكونجرس بأنهم قاموا خلال أعوام 1967م و 1973م بالتنصت على مخابرات الآلاف من المواطنين الأمريكيين، كما أورد الكاتب الأمريكي جيمس بامفورد حقائق مثيرة عن الوكالة في كتابه المعنون «قصر اللغز Puzzle Palace» حيث ذكر قيام الوكالة بالتنصت على المكالمات الشفرية للسياسيين والعسكريين، وقال: إن معدل الوثائق التي تصل إلى هذه الوكالة نتيجة نشاطها التجسسي يتراوح بين (50- 100» مليون وثيقة كل عام، وأنه يتم حرق 40 طنًا من الوثائق السرية يوميًا، وأنها تقوم بواسطة الكمبيوترات الضخمة بحل الشفرات، وبمراقبة الأرقام التجسسية، وبالتنصت على رؤساء الدول، ورؤساء الوزراء، والوزراء، ورؤساء الأركان للدول الأخرى، وأن عدد المكالمات التي تسجلها يتجاوز الملايين.وفي عام 1957م أي في أواخر حكم إيزنهاور بدأت لأول مرة عمليات التنصت والتجسس بواسطة الغواصات التي جهزت بالأجهزة الإلكترونية المعقدة التي تستطيع تسجيل المكالمات والإشارات اللاسلكية، وأخذ الصور الدقيقة للأهداف الأرضية، وكان أهم إنجاز حققته هذه الأجهزة الموضوعة في الغواصات هو الحصول على الإشارات التي تطلقها العقول الإلكترونية الروسية قبل أو أثناء إطلاق الصواريخ، أي تم التوصل إلى إمكان متابعة مراحل إطلاق الصواريخ وتعيين مسارها، ومواضع أهدافها، فوصلت بذلك إلى إمكان التدخل في مراحل هذه العمليات، وهناك احتمال كبير بأن السفن والغواصات الأمريكية لا تزال تقوم بهذا المهمة.وعندما أرسلت الولايات المتحدة أول قمر صناعي للتنصت في نهاية عام 1976م زادت قدرة وإمكانات وكالة «NSA» في عمليات التنصت على جميع الأجهزة السلكية واللاسلكية للاتحاد السوفييت، وبلدان أوروبا الشرقية، أما في التسعينيات فقد بلغ عدد الأقمار عدة مئات.وهذه الزيادة في عدد الأقمار التجسسية كان ضروريًا لمواكبة الزيادة الكبيرة، بل الانفجار في عدد الهواتف ووسائل الاتصال الحديثة، ففي عام 1987م كان عدد الهواتف الموجودة في العالم كله يبلغ 447 مليون هاتف، ولكن هذا العدد طفر في تسع سنوات فقط إلى 741 مليون هاتف، هذا عدا وسائل الاتصالات الأخرى، وبلغ مجموع المكالمات الهاتفية بين الولايات المتحدة وكندا وحدها في عام 1996م رقمًا خياليًا وهو خمس مليارات ومائة وسبعة ملايين دقيقة، والخط الثاني من ناحية كثافة الاتصالات الهاتفية هو خط «الصين- وهونج كونج»، إذ بلغ مليارين وسبعمائة وستة وخمسين مليون دقيقة.

نشاطات CIA

وبينما يتركز نشاط وكالة «NSA» على التنصت الإلكتروني نرى أن وكالة المخابرات الأمريكية «CIA» إضافة إلى قيامها بالتنصت ولكن دون نشاط «NSA» بكثير تقوم بنشاطات وفاعليات تجسسية تعتمد على الأفراد، لذا يتم تدريب الجواسيس عندها على جميع الأنشطة التجسسية من أخذ الصور، وعمليات التزوير «تزوير التواقيع والأختام.. إلخ»، وفتح الرسائل، والكتابة بالحبر السري.. إلخ، ولكن أهم نشاط لها وأهم مصدر للمعلومات عندها هو التسلل إلى مخابرات الدول الأخرى، وتصيد عملاء لها من بين أفراد تلك المخابرات، كما تقوم بتبادل المعلومات الاستخبارية مع الدول الصديقة.لنك أهم درس تلقته هذه الوكالة في عدم الاعتماد على معلومات المخابرات الصديقة كان في موضع الثورة الإيرانية، إذ اعتمدت على المعلومات والتقييمات الآتية إليها من المخابرات الإيرانية «سافاك» وكانت تقلل كثيرًا من دور «الخميني» وتستبعد منه القائم بأي حركة مؤثرة وتصوره رجلًا هرمًا ضعيفًا لا يستطيع القيام بقيادة أي حركة قوية ومؤثرة ضد نظام الشاه.. وكان هذا درسًا قاسيًا لها.

المجموعة الخاصة

في السبعينيات طورت وكالة NSA ووكالة CIA تكنولوجيا إلكترونية عالية أطلقت عليها اسم «المجموعة الخاصة Special collection» وأصبحت الأجهزة الصغيرة جدًا تقوم بمهمات كبيرة، مما يسر عمليات التنصت والتجسس بشكل كبير.من هذه الأجهزة «ميكرفون الليزر» الذي يستعمل حتى الآن في التنصت على المكالمات الجارية في الغرف المقفلة، إذ يتم توجيه أشعة ليزر إلى نافذة من نوافذ تلك الغرفة، وعندما ترتد هذه الأشعة تحمل معها الذبذبات الحاصلة في زجاج تلك النافذة نتيجة الأحاديث الجارية في الغرفة، وتسجل هذه الذبذبات ثم يسهل تحويلها إلى أصوات واضحة هي أصوات المتحدثين في تلك الغرفة، ولا تقتصر فاعلية هذا الميكرفون الليزري على تسجيل الحوار الدائر في الغرفة، بل تستطيع اقتناص أي إشارة صادرة من أي جهاز إلكتروني فيها.ومن الأجهزة الأخرى المهمة في هذه «المجموعة الخاصة» جهاز أطلق عليه اسم (TX)... بفضل هذا الجهاز لم يعد هناك ضرورة للمخاطرة لزرع جهاز إرسال صغير داخل الهاتب المراد التنصت عليه، فقد أصبح ممكنًا بواسطة هذا الجهاز الدخول إلى خط ذلك الهتف من بعدي دون أن يشعر أحد بذلك، كما يستطيع هذا الجهاز تحويل الهاتف الموجود في الغرفة إلى جهاز إرسال ينقل جميع المكالمات والأحاديث التي تجري داخلها، وحتى لو كان الهاتف مقفولًا يستطيع الجهاز تكبير وتضخيم الذبذبات الضعيفة التي يرسلها الهاتف في حالته الاعتيادية «أي في حالة عدم استعماله» فيسجل جميع المحادثات الجارية في الغرفة، ولكي دخل هذا الجهاز إلى خط أي هاتف يكفي إدارة رقم- ذلك الهاتف وعندما ترفع السماعة يعتذر بأن الرقم خطأ.. وعندها يتم كل شيء.وقد يتساءل القارئ: كيف يمكن مراجعة ودراسة وتقييم ملايين المحادثات والاتصالات الجارية كل يوم في العالم؟ وأين الكادر الذي يستطيع القيام بهذا؟هذا سؤال وجيه، ولكن التكنولوجيا المعاصرة حلت هذا الأمر، وذلك بوضع قاموس للكلمات التي يجب مراقبتها... فمثلًا.. إن كان المطلوب مراقبة الحركات الإسلامية، فهناك معجم خاص من الكلمات التي يجب مراقبتها مثلًا: «الإسلام» الحركة الإسلامية، قرآن، محمد صلى الله عليه وسلم، جهاد، فقه، سيرة، حديث... إلخ»، وكذلك أسماء رجال الإسلام السابقين والمعاصرين، وأسماء الحركات الإسلامية وزعماؤها «مثلًا: الغزالي، الشافعي، الحنفي، ابن تيمية، حسن البنا، المودودي، سعيد النورسي، الإخوان المسلمون، الجاهد.. الجماعة الإسلامية، طلبة النور... إلخ»، فهناك عقول إلكترونية ضخمة تقوم بفرز المكالمات التي ترد فيها هذه الكلمات وتسجلها ثم تسلمها إلى الكادر الفني المتخصص، وهو يضم كما قلنا عشرات الآلاف من الفنيين.ولم تبق المخابرات الألمانية (BND) متفرجة في هذا الموضوع، إذ قامت بتحديث نظام أطلقت عليه اسم «AUSTIN»، وهو نظام متقدم يستطيع التقاط الإشارات اللاسلكية في الهواء، وفرز الكلمات الواردة فيها حسب معجم الكلمات التي يجب مراقبتها ثم إعطاؤها للمتخصصين للتقييم، وقد استعملت المخابرات الألمانية هذا لنظام الإلكتروني الحديث في مراقبة ومطاردة تجارة المخدرات وتجارة الأسلحة.

الهواتف النقالة

عند انتشار الهواتف النقالة «الخلوية» بعد عام 1990م، كان الاعتقاد الشائع أنه يستحيل مراقبتها والتنصت عليها، لأنها كانت تستعمل نظام (GSM)، وأمام هذه الصعوبة في المراقبة طلبت وكالة CIA وضع رقائق صغيرة داخل هذه الهواتف لكل تتيسر لها مراقبة المحادثات الجارية خلالها، وبينما كان النقاش يدور حول هذا الأمر، ومدى مشروعيته، استطاعت إحدى الشركات الألمانية وهي شركة «Rode & Schwarz» تطوير نظام أطلقت عليه اسم «IMSI- catcher» وهو اختصار لـ «Internationl Mibile Scbscriber Identity» استطاعت من خلاله التغلب على هذه الصعوبة واصطياد جميع الإشارات الصادرة من هذه الهواتف وقلبها إلى كلمات مسموعة.ولم تكتف المخابرات الألمانية باختراق المكالمات الجارية بالهواتف النقالة، بل توصلت لمعرفة مكان المتحدثين أيضًا، كما طورت جهازًا إلكترونيًا تستطيع بواسطته استخدام الميكروفون الموجود في الهاتف النقال لكي ينقل جميع الأصوات والمحادثات الجارية حوله، وسرعان ما انتقل هذا النظام الإلكتروني إلى وكالة NSA وإلى وكالة CIA الأمريكيتين، وكان هذا التقدم التكنولوجي المذهل هو السبب في إتيال الرئيس الشيشاني السابق دوداييف، لأنه من خلال استعمال لهاتفه النقال، ووقع «أوجلان» في الخطأ القاتل نفسه، عندما قام بالاتصال بمؤتمر البرلمانيين الأكراد في أوروبا، فتمت معرفة مكانه، وبعدها صرح «بانكالوس» وزير الخارجية اليوناني السابق غاضبًا: «كم قلنا لهذا الأحمق ألا يستعمل هاتفه النقال»، والحقيقة أن السبب الكامن وراء فش جميع أجهزة المخابرات الأمريكية في معرفة مكان الجنرال الصومالي «عيديد» هو أنه لم يستعمل أي جهاز إلكتروني مطلقًا في أثناء الأزمة الصومالية «وهذه إحدى مزايا التخلف التكنولوجي».

الحاسبات الإلكترونية

بعد انتشار استعمال الكمبيوترات اعتبارا من أواسط الثمانينيات وما جلبه هذا الاستعمال من تغيير وتجديد في حياة الناس لم يكن من المنتظر ألا تقوم أجهزة المخابرات في الدول المتقدمة بإهمال هذا الأمر، فبعد ظهور أي جهاز جديد، وبعد حدوث أي تطور تكنولوجي يجب على مثل هذه المخابرات تطوير أجهزة أو نظم جديدة تستطيع الاتصال إلى هذه الأجهزة ومراقبتها، بل أحيانًا يسبق تطوير المراقبة تطوير الجهاز نفسه، فهذا ما حدث مثلًا في موضوع الكمبيوترات، إذ بدأت وكالة NSA بتطوير نظم مراقبة الكمبيوترات في السبعينيات، وكان أشهر أخصائي في هذا الموضوع هو «وليام هاملتون» الذي استحدث نظاما جديدًا أطلق عليه اسم إدارة نظام المعلومات للنائب العام، ويعف باسمه المختصر «PRIMIS» ويستطيع هذا النظام تقييم المعلومات المستقاة من مصدرين مختلفين إلكترونيًا، وبعد أ، ترك «هاملتون» وكالة NSAk  وأصبح مديرًا لشركة INSLAW قام بتطوير هذا النظام إلى نظام أفضل أطلق عليه اسم PRONSS- VAX، ولكن تمت سرقة هذا النظام من قبل المخابرات الإسرائيلية التي أضافت إليه نظام «الباب المصيدة»، وسرعان ما تم عرض هذا النظام للبيع للمخابرات في كثير من الدول، وإلى البنوك والشركات العالمية الكبيرة، وظهرت هذه الحقائق أو القسم الكبير منها في الكتاب الذي كتبه تاجر الأسلحة اليهودي «بن مناشا» المقرب من الموساد تحت عنوان «أرباح الحرب Prodfits of War»، وكان الكتاب يشير إلى الفاعليات الأخطبوطية لوكالتي CIA وNSA، وكيف تقوم هذه الوكالات بالتنصت على جميع الإشارات والمكالمات في العالم، وعندما قام الصحفي الأمريكي «دني كاسولارو» مع أحد المحامين بالتحري في هذا الموضوع الشائك بمعونة أحد أفراد NSA تم اغتيالهم، ولكن ذلك لم يثن صحفيين ألمانيين من إجراء التحريات في هذا الأمر وكتبا ما تجمع لديهما من معلومات في كتاب أصدراه عام 1990م بعنوان «مافيا المعلومات Die Daten- mafia»أثار صدى واسعًا.والشيء الجديد في الموضوع أن دول الإتحاد الأوروبي تنوي الدخول في هذه الساحة بمشروع مشترك وكبير، وقد قامت مجلة للإنترنت في ألمانيا بذكر هذا الخبر أول مرة، ثم تناولته جريدة «The Obaerver» البريطانية المعروفة وقالت إن المشروع يرمي للتنصت على جميع الاتصالات التي تتم بواسطة الإنترنت، أو الهواتف، أو الهواتف النقالة، أو الفاكسات. والاسم المختصر لهذا المشروع الاستخباري الأوروبي هو «Enfo- pol 98» وينتظر أن تشترك الولايات المتحدة، وكندا، وأستراليا في هذا المشروع أيضًا، وسيتم البدء فيه بعد الحصول على الموافقات اللازمة من برلمانات هذه الدول، وعند إكمال المشروع تبدأ عمليات التنصت، وكذلك مراقبة عمليات الشراء التي تتم بالإنترنت وبواسطة البطاقات.روسيا من جانبها لم تقف مكتوفي الأيدي، فوكالة الأمن الروسية «FSB» تعمل منذ مدة على مشروع مماثل يدعى مشروع «SORM». وحتى بلد مثل الصين يقل فيه التخابر الإلكتروني نراه مهتمًا كل الاهتمام بتتبع المخابرات التي تتم عن طريق الإنترنت، ففي أواخر السنة الماضية قدم رجل أعملا يدعى «لين هاي» إلى محكمة في شنغهاي بتهمة إرسال عناوين البريد الإلكتروني لثلاثين ألفًا من مستخدمي الإنترنت في الصين إلى مجموعة معارضة للحكومة الصينية في الخارج.والسؤال هنا: هل الإنسانية سائرة اليوم نحو المجتمع الذي وصفه الروائي البريطاني المعروف «جورج أورول» في روايته المشهورة «1984م» حيث الأفراد مراقبين وتحت الأنظار على الدوام، وهناك من يطلع على جميع أسرارهم الشخصية؟وهل يطيقون ذلك؟

موضوع الغلاف

المسلمون في مواجهة ثورة المعلومات

* ليس كل المعلومات مفيد على الرغم من أنها قد تكون صحيحة.. فالانشغال بها سيكون على حساب أشياء أخرى.

* ثورة المعلومات تستخدم لقهر الثقافات الأخرى- غير الغربية- ومن الخطأ النظر إلى المعلومات على أنها شيء محايد.. فعملية اختيار المعلومة وطريقة صياغتها وبثها فيها نوع من التحيز.

التجسس والتنصت والاستطلاع.. كلها أدوات هدفها الحصول على المعلومات.. ولكن هل كل المعلومات مفيد؟ وهل تؤسس المعلومات وحدها الثقافة؟

د. جلال أمين- أستاذ الاقتصاد بالجامعة الأمريكية بالقاهرة- يناقش معنى ثورة المعلومات، وأسباب القلق العربي منها في محاضرة له مؤخرًا بالقاهرة تحت عنوان: «الثقافة العربية في مواجهة ثورة المعلومات».

ويلاحظ أنه في الآونة الأخيرة يقف موقفًا صلبًا ضد الهجوم العلماني الضاري على ثوابت الأمة العقيدية والقيمية، ويرى أن هذا الهجوم جزء من إضعاف حصانة الأمة وفاعليتها في مواجهة الغزو الخارجي.

ما ثورة المعلومات؟: أفهم عن الثورة المعلوماتية أنها ذلك التقدم الذي عرفه العالم في الخمسين سنة الماضية- وخاصة في العشرين أو الثلاثين سنة الأخيرة- على أساس أن هناك تسارعًا في معدل التقدم فيما يسمى ثورة المعلومات، هذا التقدم هدفه تسهيل وتخفيض نفقات، وزيادة سرعة جمع المعلومات، وتخزينها وتحليلها ونقلها.

إذن فقد حدث في الثلاثين أو الخمسين سنة الأخيرة تقدم مذهل في حجم المعلومات وتخزينها وتحليلها ونقلها، وما أكثر ما نقابل تقريرات من نوع أن كمية المعلومات وحجم المعرفة التي حصلها الإنسان خلال الخمسين عامًا الماضية تفوق أضعافًا مضاعفة كمية المعلومات والمعرفة التي حصلها الإنسان خلال تاريخه كله، وربما كان هذا صحيحًا، فما أكثر ما يتردد على أسماعنا مثل هذا التقرير، وغني عن البيان طبعًا أن مركز الإشعاع في هذه الثورة هو الغرب، وأن دور العرب فيها هو دور المتلقي أو المستهلك في الأساس، دور المتلقي وليس دور المبدع، ودور المستهلك وليس دور المنتج، وبالطبع فإن العرب هم مادة للمعلومات ولكن دورهم في صنع ثورة المعلومات ضعيف.

كذلك تجد من العرب كأفراد من يساهم في ثورة المعلومات وبدور متميز، لكنهم يشتغلون فيها كالبروليتاريا، يعني يمكن أن تجد عقلًا عربيًا مهمًا يؤدي عملية مهمة في شركة من شركات الكمبيوتر أو في شبكة الـ CNN، بينما لا يكاد يوجد من العرب من يشترك في صنع القرارات الخاصة عن أي المعلومات تجمع؟ وأيها يبث؟ وعلى أي صورة؟ ... إلخ.

ومن ثم فالعرب ليسوا المستفيدين من هذه الثورة، ولكن في حياتنا الثقافية والإعلامية نجد حماسًا كبيرًا لثورة المعلومات يتردد بشدة لدرجة أصبحت مملة وتدعو إلى الجزع.

أسباب الحماس لثورة المعلومات: هناك طبعًا أسباب للحماس لثورة المعلومات:

أولها: محض الانبهار الذي تنطوي عليه، فهي دليل على بعض القدرات الخلاقة عند الإنسان وهذا يبهر أي شخص، فثورة المعلومات دليل ساطع على ذكاء الإنسان وعبقريته وطموحه واتساع خياله... إلخ.

ثانيها: الاستخدامات التي وظفت فيها الثورة والتي يمكن أن توظف فيها، انظر مثلًا استخدامها في الطب وتشخيص الأمراض وعلاجها، وفي تنمية الغذاء أضعافًا مضاعفة، وفي الترفيه، وكذلك في التوحيد بين البشر بزيادة الاتصال بينهم، ولو أن المرء يستغرب في عصر ثورة المعلومات أن المعلومات التي تأتي عن السودان أقل مما كان يأتي منها منذ عشر سنوات، فالمسألة فيها اختيار واضح. ثورة المعلومات هي جزء أساسي من ظاهرة العولمة ولعلها أهم جزء فيها.

المتحمسون لثورة المعلومات من العرب عادة يضيفون تعبيرًا آخر بعد التعبير عن حماسهم وهو حسرتهم على تخلفنا عن ثورة المعلومات، ولا يكفون عن تذكيرنا بما كان يمكن لنا إنجازه لو لم نتخلف عن ثورة المعلومات، وما يهددنا من ضياع وتهميش لو استمررنا في التخلف عنها أنا لا أنكر أن أسباب الحماس لثورة المعلومات ذات وجاهة، ولكني سأتجاوز ذلك للتعبير عن أربعة مصادر للقلق من ثورة المعلومات سأستعرضها، وبعدها سأطرح شعوري واعتقادي أن الجزع الذي يجب أن يصيب العرب والمسلمين من هذه الثورة مفروض أن يكون أكثر من الجزع الذي يجب أن يصيب غيرهم، يعني لو كانت الأمة لا تمر بحالة التبلد التي تمر بها الآن لكان من الواجب أن يكون العرب والمسلمون أكثر خوفًا وقلقًا لهذه الأسباب الأربعة من غيرهم.

الأسباب الأربعة للقلق من ثورة المعلومات

السبب الأول: يتعلق بنوع المعلومات التي يجري جمعها وتخزينها وتحليلها ونقلها، ذلك أنني أميل للاعتقاد أن الإنسان الغربي- ونحن جاريناه في ذلك للأسف- قد سيطر عليه وهم- ربما يرجع لأربعة قرون مضت- مؤداه أن أي معلومة جديدة ما دامت صحيحة فلابد أن تكون مفيدة، وأنا أسمي هذا وهمًا فليس بالضرورة أن المعلومة حتى لو كانت صحيحة يكون جمعها ونقلها عملية مفيدة، أعتقد أن هذا الوهم استقر في الذهن الغربي بسبب النجاح الباهر الذي حققته الحضارة الغربية- بداية من جاليليو أو نحو هذا الوقت- في استخدام المعلومات لتحقيق الثورة التكنولوجية التي نعرفها، ومن ثم تقرر الاعتقاد أن كل معلومة جديدة يتوصل إليها الإنسان من المفيد جمعها وبثها... إلخ.

إنني أعتبر أن هذا خطأ لسبب بسيط، هو أن من طبيعة الذهن الإنسان أن ينشغل بما يعلم، فالعقل الإنساني لحسن الحظ ليس آلة كمبيوتر، فمن الممكن أن تخزن معلومة في الكمبيوتر دون أن تضر به، إنما من الممكن جدًا أن تخزن معلومة في العقل الإنساني على نحو يضر به، لأن الإنسان كائن حي خلاياه متصلة ببعضها، ويمكن أن ينشغل بالأمر أكثر مما يكون في مصلحته، فإذا كانت المعلومات تافهة أو حقيرة- ولو كانت صحيحة- فلابد أن يترتب على تلقيها والانشغال بها أن أصبح أيضًا بدرجة أو بأخرى تافهًا أو حقيرًا، والمثل الحديث جدًا المتداول الآن هو انشغال الناس بقضايا كلينتون ومونيكا، صحيح يمكن أن تكون المعلمات صحيحة ولكن من المضر أن ينشغل الناس بها لأن هذا سيكون على حساب شيء آخر.

ومن الأمثلة على ذلك أيضًا ما حدث في الولايات المتحدة منذ سنة أو أكثر، قضية شخص يدعى جي سيمبسون الذي اتهم بقتل زوجته وعشيقها وشغل الرأي الأمريكي بها بين مؤيد ومعارض حوالي تسعة أشهر، برغم أن هذا الرجل ليس مهمًا، لا هو ولا زوجته ولا عشيقها حتى يلقوا هذا الاهتمام.

نحن للأسف تابعنا هذا الموضوع مع وجود- ما أعتقد أنه- قاعدة مستقرة في ثقافتنا، وهي التمييز بين علم ينفع الناس وعلم لا ينفعهم، وأنا أعتقد أن هذا التمييز مهم جدًا وحكيم للغاية، فأصحبنا نتباهى بقوة ما نملكه من أجهزة الدش وما ننشئه من قنوات فضائية وعدد ساعات الإرسال، وكأنه كلما زادت هذه الأشياء كان هذا مظهرًا من مظاهر التقدم، مع أن الجزء الأكبر مما نذيعه على الناس من معلومات هو من هذا النوع الذي وصفته بالتفاهة.

إذن المصدر الأول للقلق أنه ليست كل المعلومات مفيدة على الرغم من أنها قد تكون صحيحة.

السبب الثاني: حتى بفرض أن كل معلومة في حد ذاتها مفيدة فأنا أزعم أن كمية المعلومات التي تبث للناس من الممكن أن تزيد على الحد النافع، يعني أن المصدر الثاني للقلق يتعلق بكيمة المعلومات، فهي يمكن أن تتجاوز الحد، ذلك أنه ما دام الإنسان لا يستطيع أن يتلقى معلومة دون أن ينشغل بها، ففي اعتقادي أيضًا أن الإنسان لديه قدرة محدودة على تلقي المعلومات لا يمكن بعدها تزويده بكمية أكثر دون أن تلحق ضررًا به.

المثل البسيط الذي أضربه: عندما نسمع في نشرة الأخبار كمية من المعلومات تلقى عليك في دقيقتين أو ثلاث وتتضمن حريقًا في غابة في شرق أفريقيا، وتدهور أسعار الأسهم طوكيو، وغرق سفينة في المحيط الهادي، وفيضان بنجلاديش، وإليزابيت تايلور تزوجت من فلان، أعتقد أن ذهن الإنسان لا يمكن أن يستفيد الفائدة المرجوة من هذه المعلومات، على أساس أن الإنسان كان لا يستفيد من الغذاء إلا بهضمه فإنه لا يستفيد من المعلومات إلا بهضمها، وهذا يتطلب الفهم، ثم الربط بين المعلومات، فإذا زادت على الحد فسنكون بإزاء أحد أمرين: إما الفهم القاصر أو تشويه وقصور عملية الربط بين المعلومات.

وأظن أن هذا هو الفرق بين المعلومات والمعرفة، فمن الممكن أن يكون لديك معلومات كثيرة جدًا، ولكن درجة المعرفة محدودة وأحد أشهر الفلاسفة البريطانيين ألفريد وايريد يقول بالنص إنه «يجمع المعلومات، ولكنه فقير في المعرفة».

في طفولتنا كنا نسخر أحيانًا من الطالب «الصمام»، أي الذي يجمع كمية من المعلومات لماذا نجد المفكر الكبير شارد الذهن، وعملية شرود الذهن هي في الواقع استعادة كمية من المعلومات التي هي في اعتقاده مفيدة للعملية التي هو منشغل بها.

وذات مرة كنت أقرأ كتابًا عن تاريخ الصحافة في أمريكا وكان فيه أن أول صحيفة صدرت في أمريكا منذ ما يقرب من 250 سنة كان مكتوبًا عليها في الصفحة الأولى أنها ليست جريدة يومية أو أسبوعية أو شهرية، ولكنها تصدر عند الحاجة، يعين حينما تكون هناك أخبار تستحق النقل.

في اعتقادي أن موقفنا الخاطئ- الشغوف بجمع المعلومات أو الذي يظن أنه كلما كانت هناك معلومات أكثر كان ذلك أفضل يشبه موقف الاقتصاديين من التنمية الاقتصادية، حيث يرون أنه كلما زاد حجم السلع والخدمات زاد هذا من رفاهية الإنسان، فهما خطآن متشابهان في الربط.

المصدر الثالث للقلق هنا لا يتعلق بنوع المعلومات ولا بكميتها وإنما باستخدامها، أي فيم تستخدم المعلومات.. فكما أن المعلومات قد تستخدم لتحرير الإنسان كما في استخدام المعلومات المفيدة في مكافحة الجراثيم والتطعيم وإطالة عمر الإنسان.. إلخ، فإنها يمكن أن تستخدم لقهر الإنسان واستعباده، وللأسف فالحضارة الغربية حافلة بالأمثلة على استخدام المعلومات في قهر الإنسان، والنازية والفاشية والستالينية مثلًا يرجع بعض أسباب شهرتها إلى هذا الفعل، فكانوا يستخدمون المعلومات في قهر الناس والتجسس عليهم وتقييد حرياتهم.

ويلاحظ أنه في استهلاكنا للمعلومات والأجهزة الواردة من الغرب أننا استخدمناها في قهر الإنسان أكثر من تحريره، فأكثر بنود الإنفاق على المعلومات وأجهزتها هي إما على السلاح الذي نستخدمه في قهر بعضنا البعض أكثر من استخدامه في ردع العدو، وإما في وسائل الاستخبارات حيث استخدمناها أيضًا في التجسس على بعضنا البعض أكثر من معرفة أخبار العدو، أو في وسائل غسيل المخ والتي استخدمناها سلبيًا أكثر من استخدامها في التعريف بعدالة قضيتنا للرأي العام العالمي مثلًا.

وعندما أنظر إلى جريدة يومية مثل الأهرام وأقارن حالتها الآن بحالتها منذ ثلاثين أو أربعين عامًا أجد أن قدرتها على جمع المعلومات وبثها بسرعة أكفأ بكثير مما كانت عليه، ولكن نجد أن دور الجريدة في التنوير، أقل كثيرًا جدًا مما كان حتى في الثلاثينيات مع كل الإمكانات المحدودة في جمع المعلومات ونقلها وضعف السرعة.

المسألة إذن واضحة، فالتنوير وتحرير الإنسان لا يمكن أن يقاس بسرعة نقل المعلومات بقدر ما تقاس بطبيعة الذي تنقله وفي أي الأشياء تستخدمه.

السبب الرابع والأخير للقلق من ثورة المعلومات يتعلق بقهر ثقافة الغرب للثقافات الأخرى، إن ثورة المعلومات تستخدم- أحيانًا عمدًا وأحيانًا لا شعوريًا- في قهر ثقافات الأمم الأخرى، ذلك أن من الخطأ في اعتقادي النظر إلى المعلومات على أنها شيء محايد، لأن عملية اختيار المعلومة وطريقة صياغتها وبثها دائمًا يكون فيها نوع من التحيز، دائمًا المسألة في ذهني أشبه بالمادة الكيماوية التي من أجل أن تعطيها للجسم يلزم أن تخلطها بأشياء أخرى، كذلك المعلومة من أجل أن تنتقل من ثقافة إلى ثقافة أخرى يلزم أن تختلط بالثقافة التي تصدرها مثلًا، المعلومات المتعلقة بالقضية الفلسطينية كلها أو جزء كبير منها يبث بغرض التضليل، فبصرف النظر عن القضايا التي هي مثار عراك بيننا وبين الغرب، نجد أنه لا يمكن أن تتلقى معلومة من الغرب سواء في نشرات أخبار أو برامج أو مسلسلات إلا وأنت تتلقى الثقافة الغربية في الوقت نفسه، يعين مثلًا عندما تذاع مسابقة ملكة الجمال فإنها واقعة حدثت بالفعل، لكنها أبعد ما تكون عن الحياد، حيث ينقل للمشاهد العربي أو المسلم ما يتجاوزر الواقعة، وذلك لأن الهدف المطلوب أن يستق  في الذهن أن من طبيعة الأمور أن تتسابق الفتيات لانتخاب أجملهن، وهكذا لا تنقل خبرًا، وإنما ثقافة وأنماطًا حياتية.

هناك حادثة لفتت نظري جدًا رواها الأستاذ إدوارد سعيد، قال: إنه لما حصل انفجار أوكلاهوما منذ ثلاث سنوات ومات عدد كبير من الأبرياء اتصل به مراسل في نيويورك بمجرد وقوع الانفجار وقبل معرفة أي شيء عن شخصية الفاعل؛ اتصل المراسل بإدوارد سعيد في نيويورك وقال له ما تعليقك على الحادث؟ هذا يبدو لأول وهلة عمل مشروع جدًا إنه شخص يريد الاستطلاع عن حادثة حصلت، إنما إدوارد سعيد «شتمه» وقال له لماذا تسألني أنا؟ إن مجرد قيامك بسؤالي معناه أن الأرجح أن يكون المرتكب للحادثة عربي أو مسلم، فمجرد أن تقول صرح إدوارد سعيد فمن الطبيعي أن يظن المتلقي أن للعرب علاقة بالحادث، الواقعة يبدو أنها بريئة، ولكنها في الحقيقة تتضمن تحيزًا.

وفي واقعة كلينتون عندما يقول استطلاع الرأي العام إن الشعب الأمريكي يرى أن كلينتون أخطأ خطأً أخلاقيًا ولكن سياسته الاقتصادية جيدة، فبالتدريج يقبل المستمع العربي أن المسألة تقبل الفصل بين الأخلاق والسياسة الاقتصادية، وأن العمل الصالح بالاقتصاد يلغي الجريمة الأخلاقية، أو يقول مثلًا أن هيلاري سيدة عظيمة جدًا لأنها غفرت لزوجها- بصرف النظر عن أن سلوكها وتصرفاتها هذه لا علاقة لها بأنها زوجة عظيمة، ولكنها مصالح معينة- فهكذا يستقر في ذهن المتلقي أن هذا هو الموقف السليم من الزوجة إذا فعل زوجها مثل هذه الأعمال.

فالمسألة ليست أنهم يعرضون علينا أقلامًا إباحية، ولكن في الواقع أنهم ينقلون قيمًا أخلاقية باستمرار وأنماطًا حياتية، حتى لو كان الفيلم لا يحمل أي مشاهد للإباحية أو العنف.

وأذكر مرة وأنا في لوس أنجلوس وكنت أحاضر هناك لمدة سنة أنني وجدت «سيركًا» للطيور وشاهدت شابًا أمريكيًا تظهر عليه علامات الغباء والحماقة ولا تبدو عليه بوادر للذكاء، وكان واقفًا وأمامه طائر جميل جدًا ونجح هذا الأمريكي في أن يعلم الطائر بعض الألعاب كأن يقف على قدم واحدة أو يمشي على مجموعة مكعبات، فشعرت بالرثاء للطائر المسكين والإعجاب به مقارنة بصاحبه، وفي آخر الأمر صفق الناس للطائر، وهذا ذكرتني بالضبط بما فعلته الثقافة الغربية أو وسائل الإعلام الغربية بالثقافة العربية، فهذا الطائر بالمقارنة بالرجل الأحمق أجمل منظرًا، ويطير وهذا الرجل لا يطير، كما أن الطائر يهتم بأولاده، ومع ذلك مطلوب منا أن نقدر الأشياء التي علمها الرجل الأحمق له، إن هذا الطائر يقف على قدم واحدة، فهذا ما تصنعه الثقافة الغربية بنا.

موقف مثقفينا المتحمس: الناس العاديون الأقل ثقافة ينبهرون ولا يلاحظون هذه المصادر الأربعة الداعية للقلق، إنما المؤذي أن تجد بين مثقفينا وكتابنا انبهارا بثورة المعلومات دون الانتباه إلى أي من الأشياء المذكورة، يبدو أن مثقفينا يقبلون غفران كل شيء: من المعلومات التافهة والحقيرة إلى تكرار المعلومات دون طائل واستخدامها الاستخدام القهري في قهر ثقافة أخرى، لمجرد ما تنطوي عليه ثورة المعلومات من ذكاء وقدرات خلاقة، أو لأنها فعلًا تستخدم لحل بعض المشكلات الإنسانية الحقيقية.

هذا الانتصار والحماس من جانب كثرة من مثقفينا لثورة المعلومات لا أستطيع أن أفسره بالجهل أو السذاجة، فمثقفونا الذين يظهرون الحماس ليسوا جهلة أو سذجًا، هم في الواقع أصحاب مصالح، فكثير منهم يتكسب من الوساطة في نقل المعلومات، كثير منهم مستفيد من عملية الانفتاح الاقتصادي، وثورة المعلومات وثيقة الصلة بالانفتاح الاقتصادي، فإذا قبلت  هذا فلابد من أن تقبل ذلك أيضًا، كذلك لأنهم مستفيدون من الانفتاح الاقتصادي على الغرب فهم يتحمسون لقيمه وليس عندهم أي نوع من الاستعداد للقلق من نقل قيم غربية، فالمسألة ليست غشاوة بقدر ما هي مصالح.

رؤي قيمية

لماذا يجب أن يكون جزع العرب من ثورة المعلومات أكثر من غيرهم؟

أولًا: عندما تفكر في كل سبب أو مصدر من مصادر القلق تجد أن في الثقافة العربية الإسلامية بديلًا أصلح ويتناسب مع آدمية الإنسان أكثر مما نجده في الحضارة الغربية، فمثلًا ما أثرته في المصدر الأول من قبيل التمييز بين علم ينفع وعلم لا ينفع، هذا جزء أصيل في الثقافة العربية بينما هو ليس كذلك في الثقافة الغربية التي هجرت هذا المبدأ، فمن الممكن أن نجده فيها في العصور الوسطى إنما منذ عصر النهضة يبدو أن الغرب قد تنكر لهذا التمييز في العلم من حيث النفع.

ومن حيث كمية الملومات والنفور من تجاوزها حدًا معينًا، أزعم أيضًا أن في الثقافة العربية الإسلامية موقفًا ضد المجتمع الاستهلاكي في كل صوره بما فيها زيادة استهلاك المعلومات، كما أن الثقافة العربية الإسلامية بها نفور من زيادة أي سلعًا وخدمات «مفهوم الترف».

وفي الثقافة العربية الإسلامية موقف يرفض أن العلم محايد أو أن الفن والأدب بالضرورة في حياد، فمن الأشياء التي قرأتها في حديث عيسى بن هشام للمويلحي مناظرة طريفة كان يتكلم فيها عن نقل المسرحيات الغربية إلى المسرح المصري وكان يقول: إن المسرحية مهما كانت تنتهي برسالة فاضلة ظاهريًا فهي تعرض الرذيلة لمدة ساعتين ونصف ساعة وفي آخر ربع ساعة تقول إن الفضيلة هي الصواب والأحسن، المويلحي يقول: إنه في الواقع من الخطأ أن تصور الرذيلة بالتفصيل طوال هذه المدة مهما كانت النتيجة، وهذا له علاقة الآن بكثير من الكتب التي تتسمى باسم الفن والأدب وهي في الواقع تنشر أشياء غير أخلاقية.

إن مجرد تعريض الناس للدم والجرائم يعني أنك تعود الناس أنه أمر سهل وممكن حدوثه وهذا من الأخطاء الفظيعة في الحضارة الغربية، وهو الاعتقاد أنه ما دامت الواقعة صحيحة فإن مجرد تصويرها ونشرها يكون مفيدًا، وأزعم أن في حضارتنا وثقافتنا شيئًا يحيينا من هذا.

أما من ناحية استخدام المعلومات في القهر، فأعتقد أنه في ثقافتنا أيضًا دعوة لتحرير الإنسان يندر أن تجد لها مثيلًا في قوتها في الثقافات الأخرى، أعتقد أن هذا هو المعنى الأصلي في تحرير العبودية لله، وهذا في اعتقادي جزء أصيل في الثقافة الإسلامية، بمعنى رفض استخدام المعلومات للقهر، ومن حيث قهر الثقافة للثقافات الأخرى، أظن أن المنصفين يعترفون بأن الثقافة العربية من أكثر الثقافات تسامحًا مع الثقافات الأخرى.

النضال السياسي أمام شاشة الحاسوب

واشنطن: قدس برس

قال مسؤول إعلامي أمريكي أن انتشار التقنيات الخاصة بنقل المعلومات متمثلة في أجهزة «المودم» والألياف الضوئية والأقمار الصناعية وشبكة المعلومات الدولية، «إنترنت» أدى إلى «ظهور وسيلة جديدة لاستخدام بلد «ما» لقوته ونفوذه والاحتفاظ بهما، وأضاف جونثان سبالتر المدير المساعد لوكالة الإعلام الأمريكية إن الثورة الحالية في تقنية المعلومات كما تعكسها تطورات اليوم تتطلب تطوير «دبلوماسية جديدة» على حد تعبيره.وأوضح سبالتر الذي كان يتحدث أمام حشد من الإعلاميين من جميع أنحاء العالم في مجلس لوس أنجلوس للزوار الدوليين «إن عصر تقنية المعلومات بدأ يؤثر بوضوح على إدارة الشؤون الدولية ومضمونها، وهذا أمر مهم لأن تكنولوجيا المعلومات بالإضافة إلى تغييرها لوسائل العمل والتعليم والاتصال.. غيرت أيضًا الوسائل التي تعمد إليها المجتمعات والحكومات والزعماء للاتصال والتعامل مع بعضهم بعضا».وطالب سبالتر الدبلوماسية العالمية بأن تدرك جيدًا حجم التغير الحاصل في مجال التعامل مع المعلومات «ولكي تكون الدبلوماسية واقعية وفعالة في هذه البيئة الجدية، يجب عليها أن تدرك أن إدارة السياسة الخارجية لم تعد عملًا مقصورًا على وزارات الخارجية والدبلوماسيين، في إشارة إلى أن أنظمة الاتصال الرقمية ووسائل الاتصال المباشرة والزهيدة بواسطة شبكة «إنترنت» أصبحت من وقائع الحياة، ونتيجة ذلك، ظهرت على المسرح الدولي مجموعة متزايدة من الناشطين، وأصحاب المشروعات السياسية، لا تعوقهم حدود البلدان التقليدية، أو نظم التوزيع أو حتى البروتوكولات الدبلوماسية.وأشار المسؤول الأمريكي إلى أنه يوجد «أناس يعملون من منازلهم ومن خلال حواسيب نقالة لإحداث تغيير سياسي واقتصادي بوسائل لم تكن قبل بضع سنوات تخطر على بال الدولة التقليدية والمؤسسات الدبلوماسية التي تساندها»، ويضيف: «نتيجة لذلك يجب أن تتطور الطريقة التي تدير بها الحكومات ووزارات الخارجية شؤونها الدولية، والحاجة تتزايد إلى دبلوماسية ترتبط بشبكة إلكترونية.. دبلوماسية تدرك أنه إذا كانت تريد أن تزدهر في عصر المعلومات الجديدة يجب عليها أن تشكل منظمات تتقبل التغيير».وكان مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية في واشنطن قد أصدر تقريرًا أعده الباحث الأمريكي المتخصص باري فولتون تحت عنوان «الدبلوماسية في عصر المعلومات» قال فيه: «إن زعامة الولايات المتحدة للعالم التي تمكنها من الحفاظ على الاستقرار الدولي تتوقف على قدرة وكالات الشؤون الخارجية لدينا على التغير والتكيف مع ضرورات عصر المعلومات، على حد وصف التقرير، ويذكر أن الرئيس الأمريكي بيل كلينتون أحال نهاية العام الماضي بالتعاون مع نائبه آل جور وزيرة خارجيته مادلين أولبرايت خطة إلى الكونجرس الأمريكي وصفت بأنها «جريئة» هدفها إعادة تنظيم وزارة الخارجية بهدف ضمان أن تظل الولايات المتحدة في عصر تقنية المعلومات فعالة وقادرة على دخول القرن المقبل في موقع القيادة.وأوضح فولتون في تقريره الذي أعد نهاية العام الماضي وكشف عنه مؤخرًا أن المؤشرات التقليدية لميزان القوى سواء كانت الموقع الجغرافي، أو عدد السكان، أو توافر المصادر الغذائية، أو الموارد الطبيعية، أو البنية التحتية للطاقة العسكرية أو القوة الاقتصادية على الرغم من أهميتها الحيوية، لم تعد تعتبر الضمانات الوحيدة للزعامة العالمية أو الاستقرار السياسي.إن ما نستطيع أن نتوقعه في القرن القادم هو أن تصبح قدرة الدولة على استخدام تقنية المعلومات وتطبيقاتها «أهم مستلزمات الزعامة والنفوذ والتفوق الاقتصادي والسياسي».

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 252

244

الثلاثاء 03-يونيو-1975

نحو منهج الإسْلام

نشر في العدد 560

65

الثلاثاء 09-فبراير-1982

خطوط التحيّز الأمريكي لإسرائيل

نشر في العدد 1539

82

السبت 22-فبراير-2003

معركة «الجار المنبوذ»