; الأردن المفاوضات السورية الإسرائيلية: بوادر « كامب ديفيد» جديدة في الأفق | مجلة المجتمع

العنوان الأردن المفاوضات السورية الإسرائيلية: بوادر « كامب ديفيد» جديدة في الأفق

الكاتب عاطف الجولاني

تاريخ النشر الثلاثاء 13-أكتوبر-1992

مشاهدات 61

نشر في العدد 1020

نشر في الصفحة 30

الثلاثاء 13-أكتوبر-1992

التقارب السوري-الإسرائيلي المفاجئ: الأسباب والمخاوف الفلسطينية

التوقعات والواقع المغاير

جميع المؤشرات كانت تؤكد أن المفاوضات السورية الإسرائيلية ستكون الأكثر تعقيدًا بين جميع المسارات، في ضوء التشدد الذي أظهرته سوريا عند دخولها عملية التسوية السياسية ورفضها المشاركة حتى الآن في المفاوضات متعددة الأطراف.

غير أن ما حصل مؤخرًا من تحقيق تقدم سريع في مسار المفاوضات السورية– الإسرائيلية، وخلافًا لجميع التوقعات، قد فاجأ جميع المراقبين ودفعهم إلى التساؤل عن الأسباب التي أدت إلى ذلك، وهل يلوح في الأفق بوادر تسوية سورية إسرائيلية خلال الأشهر القادمة؟ وما هي حقيقة ودوافع الموقف الفلسطيني من ذلك؟

بداية التقارب

بدأت قصة التقارب السوري الإسرائيلي عندما عرض إسحق رابين رئيس الوزراء الإسرائيلي انسحابًا جزئيًا من الجولان مقابل سلام مع دمشق، وقال إن ذلك ممكن خلال ستة أشهر، مما أوحى باحتمال تحقيق اختراق على الجبهة السورية الإسرائيلية.

كما صرحت وزيرة التربية الإسرائيلية «شولا عميت الوني» بعد ذلك بـ أيام (22 / 9 / 1992) أن هضبة الجولان التي احتلتها إسرائيل ثم قامت بضمها بعد ذلك، تعود بموجب القانون الدولي إلى سوريا، وأنه يتعين إرجاعها إلى هذا البلد. وقد أثارت تصريحاتها أزمة سياسية في إسرائيل في أوساط المتشددين الذين هددوا بالانسحاب من الائتلاف الحكومي. للاطلاع على تفاصيل الأزمة، يمكن مراجعة الصحافة الإسرائيلية لتلك الفترة.

وبعد ذلك بيوم واحد وقبل انتهاء أعمال الجولة السادسة للمحادثات في واشنطن، فاجأ فاروق الشرع وزير الخارجية السوري جميع المراقبين بتصريحه الذي أعلن فيه استعداد سوريا لسلام شامل يقوم على انسحاب شامل من الأراضي المحتلة، وأضاف: «إخلاصنا ليس موضع شك، يمكنكم أن تسألوا الإسرائيليين فهم يعرفون ذلك».

وقد صرح موفق العلاف رئيس الوفد السوري إلى مفاوضات السلام بأن سوريا قدمت وثيقة من تسع نقاط تبين وجهة نظرها في مقترحات السلام، وقد أطلق على تلك الوثيقة عنوان «مشروع إعلان مبادئ». وقد أعربت سوريا من خلالها عن استعدادها للاعتراف بإسرائيل ضمن حدود آمنة، واقترح المشروع السوري إنشاء مناطق مجردة من السلاح تتواجد فيها قوات من الأمم المتحدة أو الدول العظمى مع نقاط إنذار. وعقب العلاف ردًا على سؤال لـ صحيفة «جيروزاليم بوست» في 25 / 9 / 1992  بأن صنع السلام الحقيقي لا يحتاج إلى مماطلة، وأكد أنه من الضروري التوصل إلى حل سريع في «بضعة أسابيع أو أشهر، أو شهرين، لم لا؟»

ومن جانب، صرح رئيس الوفد الإسرائيلي المفاوض مع سوريا أنه قد تم التوصل بين سوريا وإسرائيل إلى اتفاق على الحاجات الأمنية. أما إسحق رابين، فقد أصر على أن إسرائيل لن تبحث تنازلات بشأن الجولان ما لم تكن سوريا تريد أن تبحث سلامًا كاملًا، وطالب بعدم ربط المفاوضات السورية الإسرائيلية بالمفاوضات مع أي دولة عربية أخرى. وعقب على تصريح وزير الخارجية السوري قائلًا: إنه يريد أن يسمع عبارات قاطعة من أعلى سلطة للسوريين «ليس فقط من حافظ الأسد رئيس سوريا بل أكثر من ذلك، أن يقولها الرئيس لشعبه».

وعلى الرغم من إصرار سوريا على ضرورة الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي المحتلة عام 1967 في خطابها الإعلامي، إلا أن جميع الأطراف بما فيها الفلسطينيون يدركون أن سوريا مستعدة للتوصل إلى سلام منفرد مع إسرائيل. وقد صرح رئيس الوفد الإسرائيلي المفاوض مع سوريا أن ما ذكره السوريون عن السلام الشامل في مقابل الانسحاب الكامل «هو أمر غير قابل للتصديق».

وسيشمل توقيع معاهدة السلام بين سوريا وإسرائيل إقامة علاقات دبلوماسية تشمل تبادل السفارات والحدود المفتوحة والعلاقات التجارية وكل ما تطلبه إسرائيل في هذا المجال. ويذكر أن حوالي 12000 مستوطن إسرائيلي يقيمون حاليًا في 33 مستوطنة في الجولان.

انزعاج فلسطيني

فور الإعلان عن بداية التقارب الإسرائيلي السوري، هاجم ياسر عرفات سوريا بشدة، واتهمها بأنها تسعى لعقد اتفاق منفرد مع إسرائيل على حساب الفلسطينيين على غرار اتفاقية كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل.

وقد عزز المخاوف الفلسطينية المعلومات التي تحدثت عن مشروع قدمته الولايات المتحدة ويقضي بقيام إسرائيل بسحب قواتها من مناطق معينة في الجولان ومرابطة قوات أمريكية أو دولية في هذه المناطق التي ستكون منزوعة السلاح، في مقابل موافقة دمشق على تأجير المناطق الأخرى لـ «إسرائيل» والتي تعتبر حيوية بالنسبة لأمنها.

وقد فسرت مصادر سياسية مطلعة زيارة وزير الخارجية الفرنسي «رولان دوما» لسوريا بأنها محاولة للوساطة بين سوريا و«إسرائيل» بموافقة أمريكية أوروبية، خصوصًا وأن زيارة دوما لسوريا قد جاءت بعد لقائه مع وزير الخارجية الإسرائيلي.

والحقيقة أن التصعيد الإعلامي الفلسطيني ضد سوريا لم يكن فقط بسبب مخاوف من إمكانية توقيعها لاتفاقية سلام منفردة مع «إسرائيل»، وإنما إلى حد كبير بسبب سماح سوريا للقوى الفلسطينية الرافضة للحكم الذاتي بتصعيد معارضتها لقيادة المنظمة وإصدار البيانات من دمشق، والتي تتهم قيادة «م.ت.ف» بتقديم تنازلات كبيرة لصالح العدو الصهيوني.

وقد أزعج التصعيد الإعلامي الفلسطيني سوريا التي عبرت عن استيائها من الهجوم الفلسطيني عليها، على لسان وزير خارجيتها فاروق الشرع الذي هاجم القيادة الفلسطينية خلال اجتماع وزراء خارجية دول الطوق الذي انعقد بناء على رغبة المنظمة، وقال الشرع: إن سوريا قد عرضت الورقة التي قدمتها «لإسرائيل» على الأطراف الثلاثة المشاركة في التسوية وأنها لم تتلق أية ملاحظات فلسطينية، وأضاف أن الفلسطينيين يستطيعون التمسك بثوابتهم، لكن «لا نستطيع أن نكون فلسطينيين أكثر منهم». وعقب الشرع على تصريحات عرفات قائلًا: «كيف يصدر عنه ذلك؟ أيش على حساب الفلسطينيين؟!»، وأكد أن سوريا أكثر حرصًا على الحل الشامل والقضية الفلسطينية من كثير من القياديين الفلسطينيين.

وعقب الاستياء الذي أبداه السوريون من الموقف الفلسطيني تجاههم، لوحظ تغيير في تصريحات المسؤولين في المنظمة، فقد صرح نبيل شعث المستشار السياسي لعرفات أن الفلسطينيين ليس لديهم أي تخوف من توصل سوريا وإسرائيل إلى تقدم في طريق الحل. وعلى الرغم من أن الفلسطينيين يقولون إنهم لا يعارضون التقدم على المسار السوري الإسرائيلي، إلا أنهم يرون أن الاتفاق وتوقيع المعاهدات يجب أن يكون شاملًا.

التقدم السوري الإسرائيلي؛ لماذا الآن؟

يمكن تلخيص الأسباب التي أدت إلى سرعة التقدم في المسار السوري الإسرائيلي فيما يلي:

1 - انزعاج سوريا من موقف قيادة المنظمة التي حاولت التقدم في المفاوضات مع إسرائيل على حساب الأطراف العربية الأخرى، حيث أكد الشرع أن «مسألة التقدم على مسار قبل المسارات الأخرى هو اصطلاح فلسطيني» طرحه الفلسطينيون لأنهم كانوا يعتقدون بأنهم قادرون على إنجاز شيء سريع.

ولذلك يمكن القول بأن خشية سوريا من أن تسوي إسرائيل مشاكلها مع الفلسطينيين بشكل منفرد، ورغبتها في الرد على القيادة الفلسطينية التي كانت تتهرب من محاولات سوريا اللقاء معها هي أحد أسباب التقارب السوري الإسرائيلي.

2 - رغبة إسرائيل في دق إسفين بين الوفود العربية المفاوضة، بحيث يؤدي ذلك إلى وقوع خلافات بين تلك الوفود، مما يقضي على التنسيق الهش القائم حاليًا بين الأطراف العربية.

3 - رغبة إسرائيل في الضغط على الوفد الفلسطيني المفاوض للقبول بصيغة الحكم الذاتي الهزيل الذي تعرضه عليه، حيث إن التوصل إلى حل بين «إسرائيل» وسوريا يعني في المحصلة التوصل إلى حل في المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية والتي يشكل الوجود السوري والإسرائيلي على الأراضي اللبنانية أهم عقباتها. وكذلك فإن العقبات بين الوفدين: الأردني، والإسرائيلي ليست على درجة كبيرة من التعقيد. الأمر الذي سيعني ترك المفاوضين الفلسطينيين وحدهم أمام إسرائيل التي يبدو أنها مصممة على عدم تقديم تنازلات جديدة في مسار المفاوضات مع الفلسطينيين.

إن جميع التوقعات تشير إلى أن كامب ديفيد جديدة تلوح في الأفق؛ فهل تنجح المنظمة في الوقوف في وجه تسوية إسرائيلية سورية منفردة؟ أم أنها ستجد نفسها مضطرة للموافقة على صيغة الحكم الذاتي المعروض، وهو الأمر الذي قد يؤدي إلى اقتتال فلسطيني داخلي؟



 

الرابط المختصر :