العنوان الحوار مع الشيوعيين نتائجه وآثاره (32)- الأرض والخراج
الكاتب عبدالحليم خفاجي
تاريخ النشر الثلاثاء 17-يوليو-1973
مشاهدات 15
نشر في العدد 159
نشر في الصفحة 27
الثلاثاء 17-يوليو-1973
• كانت المدن الإسلامية كعبة العلم والنور
تفنن في وصفها الواصفون حتى عجز الخيال في كثير من الأحيان عن التصور، خاصة في مدن
الأندلس، وقد قالوا في وصف البصرة: واتسعت عماراتها حتى بلغت مساحتها في إمارة
خالد بن عبد الله القسري فرسخين في فرسخين أي 36 ميلًا مربعًا في أرض منبسطة لا
جبال فيها وذلك ما يقرب من مدينة القاهرة... وكثرت ثروة البصرة في أيام العباسيين
لاجتماع التجار بها وكانت تجارتهم تمتد شرقًا إلى الهند والصين وغربًا إلى أقصى
بلاد الغرب وجنوب الحبشة... قال ابن حوقل «وهي موصوفة بالمجالس الحسنة والمناظر
الأنيقة والميادين العجيبة والفواكه البديعة والبرك الفسيحة لا تخلو من المتنزهين
ولا تعرى من المتطرفين منحدرين ومصعدين...»...
وكانت مياه البصرة مرسى مئات السفن التجارية
حتى إنه يروى أن ما كانت تجبيه الحكومة من تاجر واحد من تجارها هو نحو 100000
دينار في العام. وقد وصفها الأصطخري وعدّد أنهارها على أيام بلال بن أبي بردة «118
هـ» بما لا يصدقه إنسان وذكر أن رجلًا دخلها في أوائل القرن الثالث للهجرة في زمن
خمارويه بن أحمد بن طولون قال: «طلبت صانعًا يخدمني فلم أجد فيها صانعًا متفرغًا
لخدمتي»...
• هذه هي صورة الحياة على الأرض العشرية تضاف
إلى ما سبق بيانه من صور الحياة على الأرض الخراجية.
ومع ما كانت تفيض به كل الصور من الحرية
والكرامة إلا أنها كانت تفضل بعض الصور على بعض... وقد رأينا في الحلقات السابقة
من يفضلون العودة إلى الأرض العشرية بعد انتشار الإسلام في الذميين وزوال مبررات
الخراج... ورأينا كيف كان الفقه والأئمة الراشدون والرأي العام المستنير في جانب
الأرض العشرية وكيف كان بعض الحكام يتشبثون بالأرض الخراجية لما يتيحه لهم نظامها
المالي من سلطان... ومن ثم كان استمرار نظام الخراج بعد زوال مبرراته هو أول ثلمة
في سلامة التطبيق للتشريعات المالية...
وأفضت هذه الثلمة بدورها إلى اعتداء جديد من
جانب السلطان ممثلًا في فرض أنواع جديدة من الضرائب علاوة على الخراج لم يكن
للبيئة الإسلامية سابق عهد بها... ثم كان نظام القبالة أو التضمين في دفع الخراج
ممثلًا عدوانًا أكبر على أرزاق الناس وحرياتهم... وبدأت البيئة الإسلامية تفقد
الكثير من ملامحها تحت مطارق الاعتداءات المتتالية، وتحققت في المسلمين نبوءة
نبيهم في هذا المجال التشريعي الهام، مثلما تحققت في مجالات إيمانية وتشريعية أخرى
«لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرًا شبرًا وذراعًا ذراعًا حتى لو دخلوا جحرًا
تبعتموهم: قلنا يا رسول الله: اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟!»
ويلزمنا لذلك أن نتتبع فترات الضعف في التشريع
المالي التي انتهت بالتعطيل التام مع موجات الاستعمار الحديث... وهي قصة لا غنى
عنها لمن يريد معالجة أمراضنا الاقتصادية والاجتماعية من وجهة نظر إسلامية...
فترات الضعف والتوقف
وقبل كل شيء ننبه إلى خطأ شائع يتردى فيه كثير
من الناس حين يحصرون العصر الذهبي للإسلام في عهود الخلفاء الراشدين ويظنون أن
المسلمين عاشوا بعدهم في فتن وحروب ذهبت بسلطان الإسلام في الحياة ولا يقول بذلك
إلا من نظر إلى الأمور نظرة مسطحة...
ذلك أن العصر الذهبي يقوم على كرامة الإنسان،
وكرامة الإنسان تقوم على الأصول العقائدية والأصول التشريعية حين لا تمتد إليها يد
إنسان بالتشويه أو التعطيل... الأمر الذي وجد على أفضل صوره في عصر الخلفاء
الراشدين والذي ظلت مقوماته لفترة طويلة بعدهم في حياة المسلمين برغم خلافات السطح
بين الأمراء... وقد بقيت لقرون طويلة لا تتأثر كبيرًا بما يكون بين الحكام من شقاق
أو حال بعضهم من فساد، إذ كان ذلك محصورًا في النطاق الشخصي تارة وفي الدائرة التي
يملكون الدوران عليها تارة أخرى من الاختصاصات المالية والإدارية دون أن يملك أحدهم
القدرة على أدنى تغيير في الأصول العقائدية أو التشريعية التي تمثل الحصانة
الحقيقية في الحياة اليومية للمسلمين... والحالات التي كان يحدث فيها جور سافرًا
على أي أصل شرعي كان يهتز لها الضمير الإسلامي بقوة مثلما تهتز بقية الشرعية، حين تستعصي
على هوى الحكام ويجدون أنفسهم أمام جدران صلبة ليس من السهل عليهم أن يخترقوها...
وسرعان ما كانت تدب الحياة في جسم الأمة بنفس القوة التي كانت في الصدر الأول
بمجرد موت أو تغيير الحاكم المعتدي وقيام من هو أصلح منه...
فعندما خلف عمر بن عبد العزيز حكام بني أمية
المعتدين دبت القوة في شرايين المجتمع الكبير الممتد من الصين حتى الأندلس، وزالت
كل أعراض الأمراض السابقة على عهده... ولم يتميز بهذه الظاهرة وحده بل نشاهد
تكرارها على فترات متقطعة في الزمان والمكان...
• هذه القوة لا يمكن أن تأتي بفعل أمير صالح
أو تزول بفعل حاكم طالح... إن الأمر أكبر من ذلك إن هذه القوة تكمن أول ما تكمن في
عظمة الأصول التشريعية التي تلتف حول حياة المسلمين في كل صغيرة وكبيرة كأنها أذرع
قوية حنون تحميها في رفق من أي عدوان خارجي يأتي من حاكم جنح أو ضل سواء السبيل...
لأنه في النهاية لن يضع تشريعًا من عنده في شؤونهم الاجتماعية أو الاقتصادية وإن
استطاع أن يسيء في دائرة اختصاصه المالية والسياسية.
هذه الحقيقة يجب ألا تغيب عنا حين نتكلم عن
فترات الضعف التي طرأت على سلامة التطبيق في تاريخنا التشريعي، فلم تكن عظمة عمر
بن عبد العزيز في كونه عادلًا يقضي بالحق هنا وهناك وسط مستنقع من المشاكل
والخلافات لا تنتهي لأنه كان يستحيل عليه التأثير في هذا البحر الطامي بمقدار كبير
ولكن كانت عظمته في أنه كان الإمام الفقيه الورع الذي رد كل شيء إلى أصوله
الشرعية، فدبت الحياة بسرعة في كل عود جاف وعاد إليه الاخضرار.. أنَّه روى الحقول
الجدباء بمياه الإسلام الحنيف.. فحين ننظر إلى مشكلة اليمن ووجد حكام السوء قد
فرضوا على أرضها الخراج تكثيرًا للمال في خزائنهم أعاد أمر هذه البلاد إلى سلطان
الشرع فصيرها أرضًا عشرية.. قرار واحد في كلمات قليلة نشر السكينة والعدل
والاستقرار في ربوع عشرات البلاد.. وحين دخل الذميون في دين الله أفواجًا أسقط
عنهم الجزية والخراج قرار واحد أعلى سلطان الشرع وأنزل سلطان الهوى.. كذلك فعل في
كل ميدان تشريعي.. وقدم نفسه وبيته نموذجًا عمليًا للصدق فتطابق سلوكه الشخصي مع
قراراته الشرعية فاكتمل النموذج المطلوب في الإمام فاكتمل النموذج الصحيح في
الحياة.. من هنا كانت فترة حكمه القصيرة التي بلغت عامين رفرف فيهما الإسلام في كل
مكان، كانت شهادة على عظمة الإسلام نفسه قبل أي إنسان أو سلطان.. وبرهان على
إمكانية التغيير السريع للحياة من الأسوأ إلى الأحسن عندما تتجه في صدق نحو شرع
الله.. ولكنها لا تتجه بهذا الصدق إلا عندما يكون على رأسها رجل مثل عمر بن عبد العزيز...
أما المجتمعات الأخرى فكل شيء فيها من صنع
البشر.. فليس بين الحاكم والرعية ميزان فوق الجميع وما أسهل أن يلبس كل شيء على
الناس باسم القانون وباسم الشعب وباسم العلم وباسم الأحكام العرفية وبأسماء كثيرة
لا تنفد، والمجتمعات المسكينة هي التي تدفع الثمن وهي ضحية التجارب وكان أحد
قياصرة روسيا إذا ذكر بالقانون دق على صدره وقال: هنا القانون.. وهو في هذا القول
يعبر عن طوية كل حاكم على شاكلته ولكنه لم يملك شجاعته فتبرقع بالديمقراطية
الشعبية...
هذه المقدمة كانت ضرورية لتوضيح أن فترات
الضعف التي كانت تصيب أحد جوانب الشريعة في القضايا الاقتصادية والاجتماعية تسير
في خط بياني بطيء جدًّا بالنسبة لفقرات الضعف السياسي في سلوك الحكام، فالأولى
يتطابق خطها البياني مع الخط النفسي للأمة والثانية يتطابق خطها البياني مع الخط
النفسي للحاكم.. ومن هنا كان طول عمر الشريعة الإسلامية في ميادين التعامل
الاجتماعية والاقتصادية برغم انحرافات الحكام: وهذا يفسره الحديث الشريف «لينقضن
الإسلام عروة عروة، فكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها وأولهن نقضًا الحكم
وآخرهن الصلاة».
قصة الأرض في مصر
1. فتحت مصر عنوةً فكانت أرضها خراجية إلا أن مصر
العليا (الصعيد) وبعض مدن الدلتا فتحت صلحًا ونظمت المعاملة معها بعدد من العهود
والعقود وهذه المدن كما ذكرها البلاذري هي عين شمس، تنيس، دمياط، تُونَة، دميره،
شطا، دقهلة، بنا، بصير، الأشمونين، الفيوم، أخميم، البشروذات، مدن الصعيد.. وكانت
العقود متماثلة تنص على جزية قدرها ديناران على الفرد ودينار واحد على الفدان كما
نصت على ضيافة من ينزل بهذه المدن من المسلمين.. كما كانت هناك أرض الصوافي التي
استصفاها الفاتحون بعد أن لم يكن لها مالك..
2. في عام 26 – 35 هجرية بنى عبد الله بن أبي السرح
أول ديوان للخراج بمصر..
3. في 216 هـ انتشر الإسلام في القرى، في 300 هـ كان
معظم أهالي البلاد قد أسلموا بتأثير المجتمع الإسلامي النموذج الذي كانت نواته
المعسكرات ثم أخذ في النهاية شكل المدن مثل الفسطاط.. ويصور ابن عبد الحكم كيفية
زراعة الأرض في ذلك الوقت فيقول «كان يجتمع ناظر القرية أو عريفها أو رئيسها بأهل
القرية ويوزع الأراضي فيما بينهم كل واحد ومقدرته، والعاجز يقوم مقامه المستطيع،
والقرية كلها تخرج ما عليها من خراج وتسد حاجة كل من يكونون في حال احتياج من
أهلها. وذلك لأن الأرض كانت خراجية ولم تعتبر ملكًا لمن هي في أيديهم بل أيديهم عليها
يد إجارة. وكان عرفاء القرى يجتمعون ويتشاورون فيما يجب أن يفرض من خراج على
الأرض».
4. حول هذا التاريخ أُذِنَ للمسلمين بمساكنة الأهالي
فتداخلت المعاملات وانتقلت الأرض بين الفاتحين وأهالي البلاد ودخلت في البيوع
والمواريث.. وصار الناس يتصرفون تصرف الملاك لكن بقي الخراج على الأرض مذكرًا
دائمًا بأنها أرض خراجية وليست عشرية..
5. رغم انتشار الإسلام ورغم حياة الاستقرار اللذين
يبرران منطق من دعي إلى العودة إلى الأرض العشرية كما فعل الإمام أبو عبيد إلا أن
شيئًا من ذلك لم يحدث وظل الخراج ساريًا بعد زوال مبرراته.. وهذا يشكل الانحراف
الأول من الناحية الاقتصادية.
6. كان الانحراف الثاني حين ظهرت فكرة القبالة أو
التضمين في جمع الخراج.. لأن ضمان عامل الخراج بتوريد مبلغ ثابت سنويًا وقبوله
العمل على هذا الشرط كان يجعل له سلطانًا كبيرًا على الناس لم يكن له من قبل حين
كان يؤدي ما يجبيه فقط قل أم كثر في حدود استطاعة أهل البلاد.. فالتقبيل أو
التضمين أو التقبال أو القبالة أو الالتزام أو التعهد كلها بمعنى واحد وقد حرمها
الفقهاء بلا استثناء «لأن عامل الخراج مؤتمن يستوفي ما وجب ويؤدي ما حصل فهو
كالوكيل الذي أدى الأمانة لم يضمن نقصانًا ولم يملك زيادةً..» وكان الصحابة رضوان
الله عليهم على ذكر بما يؤدي إليه هذا الأمر فكانوا يشددون في منع هذا التضمين،
حكي عن ابن عباس رضي الله عنه أن عاملًا أتى عمر بتقبيل منه إقليم الأبلة بمائة
ألف درهم فضربه مائة سوط وصلبه تعزيرًا وأدبًا ليكون عبرة لمن يفكر بعقلية جباة
الضرائب من الفرس والروم.. وقال ابن عمر رضي الله عنه «القبالات ربا». وقد وقف
الفقه الإسلامي بحزم في وجه هذا الانحراف فهذا هو الإمام أبو يوسف يحذر هارون
الرشيد بقوله «ورأيت ألا تقبل شيئًا من السواد ولا غير السواد من البلاد، فإن
التقبيل إذا كان في قبالته فضل عن الخراج صَفّ أهل الخراج وحمل عليهم ما لا يجب
عليهم وظلمهم وأخذهم بما يجحف بهم ليسلم مما دخل فيه وفي ذلك وأمثاله خراب البلاد
وهلاك الرعية.. والمتقبل لا يبالي بهلاكهم بصلاح أمره في قبالته، ولعله أن يستفضل
بعد ما يتقبل به فضلًا كثيرًا وليس يمكنه ذلك إلا بشدة منه على الرعية وضرب لهم
شديد وإقامته لهم في الشمس وتعليق الحجارة في الأعناق وعذاب عظيم ينال أهل الخراج
مما ليس يجب عليهم من الفساد الذي نهى الله عنه... إنما أمر الله عز وجل أن يؤخذ
منهم العفو وليس يحل أن يكلف فوق طاقتهم...» ويختتم هذا التحذير الكبير بقوله
«وليس يبقى مع الفساد شيء ولن يقل مع الصلاح شيء».
لماذا كان الانحراف في سلوك
الحكام أسرع من الانحراف في سلوك الأمة؟
هذا الذي حذر منه الصحابة الكرام والفقهاء
العظام قد حدث على أيدي عمالة السوء في فترات الضعف ويسجل المقريزي طريقة جباية
الخراج في مصر بعد ظهور فكرة التضمين أو القبالة في النصف الأول من القرن الثالث
الهجري قبل مجيء أحمد بن طولون يقول «وكان من خير أراضي مصر بعد نزول العرب
بأريافها، واستيطانهم وأهاليهم فيها واتخاذهم الزرع معاشًا وكسبًا وانقياد جمهور
القيظ إلى إظهار الإسلام... واختلاط أنسابهم بأنساب المسلمين أن متولي خراج مصر
كان يجلس في جامع عمرو بن العاص من الفسطاط في الوقت الذي تتهيأ فيه قبالة الأراضي
وقد اجتمع الناس من القرى والمدن فيقوم رجل ينادي على البلاد صفقات صفقات وكُتّاب
الخراج بين يدي متولي الخراج يكتبون ما ينتهي إليه مبالغ الكور والصفقات على من
يتقبلها من الناس وكانت البلاد يتقبلها متقبلوها بالأربع سنين لأجل الظمأ
والاستبحار وغير ذلك، فإذا انقضى هذا الأمر خرج كل من تقبل أرضًا وضعها إلى ناحيته
فيتولى زراعتها وإصلاح جسورها وسائر وجوه أعمالها، ويحمل ما عليه من الخراج في
إبانه على أقساط، ويحسب له من مبلغ قبالته وضمانه لتلك الأراضي ما ينفقه على عمارة
جسورها وسد ترعها وحفر خلجانها بضريبة مقدرة في ديوان الخراج... ولم يزل ذلك يعمل
به في جامع عمرو بن العاص إلى أن عمّر أحمد بن طولون جامعه».
ولما احتاج محمد علي إلى عمل سلفة إجبارية كان
يعتبر ما يدفعه له المتعهد نيابة عن الفلاحين... والمتعهد بدوره يعتبر الفلاحين
مدينين له... ولنا أن نتصور السلسلة الشريرة بعد ذلك في جباية هذه الأموال.
كان لا بد للإنتاج أن يتدهور في ظل هذا
الأسلوب القهري وكان لا بد لكي يستقيم الأمر للحاكم الظالم أن يواصل خروجه على
الشرع مرة أخرى... وأن يتخبط في وسائله... وكان طبيعيًا أمام الفشل الذي حققه نظام
المتعهدين أن يقوم محمد علي بضربة أخيرة سنة 1229 هـ عندما أصدر فرمانًا بأن تؤول
إليه ملكية جميع الأراضي...
ولما بدأ قياس الأراضي خاف كثير من الأهالي وبدأوا
يهربون ويتركون الوطن والزرع ولما حان وقت الحصاد لم يجد أعوان محمد علي من يعينهم
على جمع المحصول إذ هرب الكثيرون إلى سوريا، فطلب محمد علي من والي صيدا عبد الله
باشا أن يسلمهم له فرفض...
ولما رأى بعيني رأسه تدهور المحصول بدأ يفكر
في العدول عن هذا الأسلوب... وعاد إلى تقسيم الأراضي وتوزيعها على الأعوان وحجته
في ذلك أن المحصول يقل عامًا بعد عام... فهذه أرض بور يوزعها على من يصلحها تسمى
«الأبعديات» كانت مساحتها تقدر بـ 200 ألف فدان وكانت من نصيب الأعيان ورجال
الإدارة وأخرى جيدة لمن يدفع منها الضرائب «شفالك»، وكان نصيب أسرته منها كبيرًا
وثالثة معفاة كلية من الضرائب.
• في عهد عباس الأول بدأ العدول عن هذا
الأسلوب الاحتكاري وفي سنة 1849 أصدر لائحة أباحت كثيرًا من حرية التصرف وفي سنة
1850 أبطل نظام امتيازات المتعهدين.
• وفي سنة 1858 في عهد سعيد أعيد حق الملكية
للفلاحين بعد وضع الضرائب على الأرض... وبهذا اقترب نظام التملك من النماذج
الغربية ولولا قواعد الميراث وبقايا الروح الإسلامية في التشريعات لتكون الإقطاع
في صورته الشديدة...
10. ختمت سلسلة الانحرافات بالاستعمار ويصور الإمام محمد عبده فترة القابلية للاستعمار التي أثمرها حكم محمد علي وخلفائه بقوله: «ما الذي صنع محمد علي- لم يستطع أن يحيي ولكنه استطاع أن يميت، وجه عنايته إلى رؤساء البيوت الرفيعة فلم يدع فيها رأسًا يستتر فيه ضمير «أنا» واتخذ من المحافظة على الأمن سبيلًا لجمع السلاح من الأهلين، وتكرر ذلك كثيرًا حتى أفسد بأس الأهالي وزالت ملكة الشجاعة منهم... لم يبق في البلاد رأس يعرف نفسه حتى خلعه من بدنه أو نفاه مع بقية بلده إلى السودان...
أخذ يرفع الأسافل ويعليهم في البلاد والقرى
كأنه كان يحن لشبه فيه ورثه عن أصله الكريم حتى انحط الكرام وساد اللئام... ولم
يبق في البلاد إلا آلات يستعملها في جباية الأموال وجمع العساكر بأية طريقة وعلى
أي وجه فمحا بذلك جميع عناصر الحياة الطيبة من رأي وعزيمة واستقلال نفسي لتصير
البلاد المصرية جميعها إقطاعًا واحدًا له ولأولاده...
إلى أن يقول... ظهر الأثر العظيم عندما جاء
الإنجليز لإخماد ثورة عرابي... دخل الإنكليز مصر بأسهل ما يدخل به دامر على قوم ثم
استقروا ولم توجد في البلاد نخوة في رأس تثبت لهم أن في البلاد من يحامي عن
استقلالها؛ وهو ضد ما رأيناه عند دخول الفرنساويين إلى مصر... وبهذا رأينا الفرق
بين الحياة الأولى والموت الأخير وجهلة الأحداث يسألون أنفسهم عنه ولا يهتدون».