; الأزمة في مصر.. ومنطق الحوار | مجلة المجتمع

العنوان الأزمة في مصر.. ومنطق الحوار

الكاتب د. عبد الله الأشعل

تاريخ النشر السبت 15-ديسمبر-2012

مشاهدات 59

نشر في العدد 2031

نشر في الصفحة 19

السبت 15-ديسمبر-2012

السؤال: هل ينهي »الإعلان الدستوري« الجديد الأزمة؟

هذا ما تؤصل له هذه المقالة...

لا أظن أن الأزمة في مصر بدأت بإصدار »الإعلان الدستوري«.. وإنما تضرب بجذورها إلى يوم قرر الإخوان المسلمون تقديم مرشح للرئاسة، يومها بدأ الأمر وكأنه إعلان عن تمدد التيار الإسلامي إلى سقف الدولة، وتغير في معدل سرعة هذا التيار انطلاقًا من شعبيته الكاسحة في الانتخابات التشريعية قابل ذلك ركائز نظام »مبارك« وتحالفاته، وأهم هذه الركائز القضاء والأمن والجيش والإعلام ورجال الأعمال، وكان واضحًا أن تفكير هذا الفريق - ومعهم أقباط مصر تقريبًا - أنهم لا يريدون تيارًا سياسيًّا ينطلق من الدين.

وقد ضم هذا التيار المناوئ للتيار الإسلامي العلمانيين والليبراليين والشيوعيين واليساريين وأعداء التيار الإسلامي عمومًا، والذين لا يرتاحون لما يسمونه خلطًا بين السياسة والدين، وقد التصق بهؤلاء جميعًا التيار القومي، وما يسمى بالتيار الناصري وتحالف هذا التيار العريض مع دول أجنبية وعربية لا تريد للتيار الإسلامي أن يحكم في مصر، كما لا تريد للتيار الوطني عمومًا أن يكون له دور في السياسة والحكم.

في هذه الظروف، فوجئ التيار الإسلامي بأن الحواجز قد رفعت أمامه، وأن المساحة المفتوحة من السلطة أوسع بكثير مما توقع، وأن حجمه في الشارع أكبر من كل التقديرات، ولم يلتفت هذا التيار إلى أن الإضافات التي اكتسبها إلى جانب أعضائه المباشرين سببها التعاطف معه بسبب قهره على يد النظام السابق.

ولكن هذا التيار كان مطاردًا، ولم تتح له فرصة لاكتساب خبرة سياسية. 

وبعد نجاح ثورة 25 يناير، مرت العلاقة بين المصريين بأربع مراحل:

- امتدت الأولى من 11 فبراير 2011م حتى 19 مارس 2011م، وكان الشعب فيها كله يطالب بالدستور أولًا، ولكن التيار الإسلامي كان يستعجل هذه المرحلة خوفًا من ضياع الفرصة، فركز على تعديل الدستور، وإجراء الانتخابات، وقد أدى المجلس العسكري دورًا -ربما غير مقصود- في إشعار الشعب بأن الحال بعد الثورة لم تكن أفضل من الحال التي سببها نظام مبارك.

- المرحلة الثانية: فهي التي ظهر فيها الانقسام واضحًا بين التيار الإسلامي والليبرالي، وبدأت فيها المقارنة والتقابل بين شرعية الميدان وشرعية البرلمان، وخلال هذه المرحلة حدثت مذابح الساحات الأربع، وهي: ماسبيرو، والبالون، ومحمد محمود، ومجلس الوزراء.

- المرحلة الثالثة: هي الإصرار على أن الميدان هو الأصل، مقابل الاصرار على أن الثورة لا تظل في الشارع، وإنما تتجسد في شكل مؤسسات ودستور، وهي المرحلة التي انفصلت فيها القوى الثورية عن التيار الإسلامي، وبدأ الميدان يشهد مليونيات متنافسة بين التيارين، والشعب المصري في مجمله يتمزق بينهما، ثم بدأ الضغط على البرلمان والإغارة من القوى الخمس المكونة للنظام السابق، وهي: القضاء المتربص، ورجال الأعمال والتمويل، وازدهار عصر البلطجة، والأزمات المتلاحقة، والحملة الطاغية في الإعلام ضد التيار الإسلامي وخاصة الإخوان المسلمين.

- المرحلة الرابعة: هي التي بدأت مع جولة الإعادة بين "د. محمد مرسي" والفريق "أحمد شفيق"؛ حيث شعر الشعب المصري أن نجاح »أحمد شفيق« امتداد النظام السابق، يعني نهاية الثورة وفشلها، وانتخاب »محمد مرسي«، يعني قبول حكم التيار الإسلامي، وكان واضحًا أن هذا التيار يتوجه مباشرة إلى قطاعين يستفزان المعسكر الآخر، وهما مواجهة حصون الفساد التي أرساها النظام السابق والتركيز على الخطوط الفاصلة بين التيار الإسلامي وغيره، وهو حبل رقيق يمثل السير عليه مغامرة غير مأمونة العواقب.

هكذا بدأ "د. مرسي" عهده بأغلبية معقولة ولكنه كان يواجه قيود المجلس العسكري عليه، ولم يمكنه التيار الآخر من التفرغ لإنجاز مشروعه فشاغله وشغله.. في هذه الظروف ظهر ما يسمى بـ »المعارضة«.. وظهر معها أنها معارضة من نوع خاص وهي أنها »تناهض«، ولا »تعارض« مقابل حكم جديد يريد أن يستقر، ولكنه فيما يبدو لم يكن واعيًا للتحديات العميقة لمجرد وجوده.

وسط هذا التربص أصدر »د. مرسی« الإعلان الدستوري فجأة، وهو لم يكن ضروريًّا -في الواقع- ولكن الدوافع النبيلة لحماية مواليد الثورة والتخلص من النائب العام، لم تسمح لصاحب القرار أن يرى الأرضية التي سقط عليها الإعلان والعوار القانوني الذي شابه، كما لم يتحسب للبيئة المتربصة الملتهبة التي أشعلت الأرض تحت أقدامه بحيث اهتزت القيادة في يديه واتسع نطاق المعارضة، وأصبح للمؤامرة وجه المعارضة الواسع، وأصبح واضحًا أن تجربة التيار الإسلامي في الحكم على المحك، وكشفت الأزمة عن دروس كثيرة لا يتسع المقام لحصرها. 

يترتب على ما تقدم أن الصراع الذي بدأ علنًا وبشكل عنيف بـ »الإعلان الدستوري« والتهم مصير الدستور هو صراع بين التيار الإسلامي والتيار المضاد الذي تمكن من كسب أرضية بين المصريين ليس حبًّا فيه ولا قناعة بأنه يحمي مصر من سقطات التيار الإسلامي ولكن بسبب ضعف أداء التيار الإسلامي، في مقابل تمكن رؤوس التيار الآخر من التمويل والإعلام وتبسيط الحقائق. 

ولكن التيار المعارض لم يتمكن من تقديم تفسير للمجموعات التي صارت خلفهم ولعموم الشعب المصري عن معنى مباركته أو صمته عن العمليات الإجرامية التي تمت ضد القصر الجمهوري وضد مقرات الإخوان المسلمين و»حزب الحرية والعدالة«، وحملة الكراهية غير المنطقية التي جعلت الجرائم أخف وطأة عند الناس من الخطأ السياسي الذي يمثله »الإعلان الدستوري«.. وباتت مصر ومصالحها هي الضحية، فلا التيار الإسلامي تمكن من قيادة مصر إلى المستقبل لأسباب بعضها خارج عن إرادته، ولا المؤامرة التي تلبس ثوب المعارضة تمكنت من الاستيلاء على الوطن وتناست أن الرئيس منتخب، وأن إسقاطه بالشارع والثورة المدعاة هو حشد يتناقض مع أبسط مبادئ الديمقراطية.

وبعد اجتياز هذه المواجهة، أدعو - حفاظًا على مصر- إلى جبهة عريضة من المصريين الذين يرفعون شعار المصلحة المصرية العليا لإنقاذ مصر ودعم الشرعية، ورفض هذا الاستقطاب الذي دفع البعض إليه، وأتمنى أن يحقق »الإعلان الدستوري« الجديد ذلك.

(*) أستاذ القانون الدولي – مصر.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 6

603

الثلاثاء 21-أبريل-1970

الحركة الإسلامية في الهند

نشر في العدد 11

190

الثلاثاء 26-مايو-1970

مناقشات حول الحركة الإسلامية