العنوان الأستاذ راشد الغنوشي: نمارس حق الاختلاف داخل حركتنا
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 01-أغسطس-1989
مشاهدات 54
نشر في العدد 926
نشر في الصفحة 34
الثلاثاء 01-أغسطس-1989
في المنتدى الفكري
في الندوة التي
عقدتها «المجتمع» مع الأستاذ راشد الغنوشي زعيم حزب النهضة التونسي طرحت
أسرة تحرير «المجتمع» عددًا من القضايا والأفكار مما يشغل أذهان شباب الصحوة
الإسلامية في العالم بين يدي ضيفها الكبير، وقد تغلغل بالإجابة مستعينًا بتجربة
قديرة في مجال الدعوة الإسلامية، وفي هذا العدد ننشر إجابته على السؤال التالي:
المجتمع: تلم في أحاديثك السياسية والفكرية
على فكرة حق الاختلاف مع الآخرين، فإلى أي مدى تقبل بحق الاختلاف، وهل يمكن أن
يشمل قبولك هذا الاختلاف في المواضيعالإيمانية؟
فإلى أي مدى تقبل بحق الاختلاف؟ هل تقبل
بالاختلاف في الإيمان بالله؟ كأن نقول إن هناك حزبًا يدعو للمادية ولعدم الإيمان
بالله، أم أن الاختلاف له حدود معينة؟!
الغنوشي: أحيي مجلة «المجتمع»
والقائمين عليها وقراءها الكرام شاكرًا لهم هذه الفرصة التي أتاحوها لي للحوار
معهم حول قضايا الفكر الإسلامي والحركة الإسلامية.
ألاحظ بادئ ذي بدء أن تأملاتي أو
نظراتي حول كثير من القضايا المطروحة حول مسائل الفكر والحركة ليس بالضرورة
أنها تعبر عن الموقف الرسمي للاتجاه الإسلامي. فنحن في كثير من قضايا الفكر
والحركة نطلق العنان للفكر وللتأمل ليرتاد من الآفاق وسعه، الأمر الذي جعل حق
الاختلاف ممارسًا في حركتنا منذ زمان بعيد بل منذ تأسيسها، وإنما المواقف
الرسمية للحركة ما عبرت عنه بياناتها ونتائج مؤتمراتها ومواقفها أما ما نسب من
المقالات ومن الكتب ومن التأملات إلى أصحابه ومهما كان موقعهم في الاتجاه الإسلامي
فهي آراء ومواقف شخصية تناقش داخل الحركة وخارجها بكل حرية فما حظي بالقبول في
داخل مؤسسات الحركة فهو الرأي الرسمي وما لم يقبل فهو موقف فردي مهما كان
موقع صاحبه.
والملاحظة الثانية والتي تتعلق بجوهر
الموضوعأنني أحب للإسلاميين في منهاجهم وتعاملهم مع قضايا الفكر والحركة والمجتمع،
وفي تخطيطهم، أن يضعوا أعينهم على ما يحيط بهم من واقع أن يضعوا أرجلهم على
الأرض... ألا يجنح بهم الخيال والطموح والآمال بعيدًا عن واقعهم
فيتخيلوا أنفسهم هارون الرشيد أو المعتصم أو ابن الخطاب في أزمنتهم
وهم -أي الإسلاميون- فقراء... أذلة... معدودون.... ومطاردون. أحب
للمسلم أن ينطلق من واقعه لا ليبدل ويغير من أحكام الله سبحانه وتعالى وإنما
ليتعامل مع ثوابت الإسلام وأرجله على الأرض وعينه مفتحة على الواقع، فلا يذهبن به
الغرور مذاهب ولا يفرقن في التراث وفي الآمال الخضر.. المسلم الذي يطرح
سؤالًا هو: ما موقع الآخر في المجتمع الإسلامي وكأنه يطرح سؤالًا جديدًا لم
يطرح قط من قبل، كأن المجتمع الإسلامي لم يكن منذ نشأته مجتمعًا مفتوحًا متاحة
المواطنة فيه للمسلم -ولا شك- ولغير المسلم بعلاقة المساواة بين
المواطنين... لهم ما لنا وعليهم ما علينا إلا ما كان له تعلق خاص بالدين في
أضيق معانيه. فالحقوق العامة والواجبات العامة فهي عامة لكل مواطن. صحيح أن هذا
الآخر لم يتشكل في تاريخنا غالبًا إلا عبر اليهود والنصارى، وإن كان هذا الآخر في
بدء الإسلام مشركًا أيضًا كان للمسلمين علاقات بقبائل الشرك كما كان لرسول
الله -صلى الله عليه وسلم- علاقات مع قبائل الشرك، هدنة وتصالحًا وتحالفًا.
وقد كان للآخر في التاريخ
الإسلامي -يهوديًا أو نصرانيًا أو مجوسيًا أو صابئًا- موقعه في المجتمع
الإسلامي، كانت له حقوق المواطنة، وكان يجادل عن رأيه ويجادل في المساجد وفي
بلاطات الملوك ولم يكن يحسم هذه المجادلة والخلافات ذات الطابع الفكري سيف السلطان
وإنما حجة العلماء وقوة البرهان، وهذا هو شرف تاريخنا الإسلامي وسموه. ولذلك
كان فطاحلة الملوك يستنجدون بفطاحلة العلماء لمجادلة الخصوم الدينيين والفكريين
فطالما كان الخصم لا يحمل إلا حجة... فما عجز الإسلام يومًا في ساحة الحجة
والبرهان، ولم يغلب الإسلام قط في مناظرة سياسية ولا مناظرة فكرية. ولذلك، ما
احتاج المسلمون لحسم خلاف فكري.. ديني، سياسي، وما احتاجوا لحمل السيف وإنما
كفتهم حجة البرهان وهي التي أصّلت الإسلام وسط صراعات فكرية لا تكاد أطرافها تحصى،
ثبت فيها الإسلام عند كل مناظرة تعجبت اليوم لهذا المسلم الذي يطرح: ما موقع
الآخر في حياتنا وكأنه يضيق ذرعًا.. كأن هذا المسلم الذي طحنه الاستبداد...
كأنه وبدون وعي منه يحن ويتمنى أنه لو
كانسوط السلطان بيده ليقهر خصومه كما قهروه بالسلطان، وغاب عن هذا المسلم
المسكين أن الإسلام إنما عاش بقوة البرهان لا بسوط السلطان. والسلطان إذا كان
يعتمد على القرآن ما حمل السيف إلا لإزاحة الطغيان في وجه الحجة
والبرهان. صحيح أن الآخر كان في الغالب يهوديًا أو نصرانيًا او مجوسيًا أو
صابئًا... لم يكن شيوعيًا، لأن الشيوعية لم توجد... لم يكن قوميًا لأن
القومية بهذا المعنى العلماني لم توجد، ولأنها لم توجد فقد أصبح المسلم أمام
مشكل جديد... أمام آخر جديد... أمام أصناف جديدة ولدتهم حركة
التاريخ. أصبح المسلم يفكر في هذه التركيبة الجديدة للمجتمعات الإسلامية
وفيها بعض غير المسلمين.. فيها الآخر ولكن ليس من النوع القديم المسلم اليوم
يقول إن التاريخ انتهى، لم يعد هناك مجال لصنف آخر مع أن من علمائنا المالكية وهو
ابن عبد البر من جعل الذمة تتسع للآخر وهي مصطلح ليس ملزمًا للفكر السياسي
الإسلامي ويمكن الاستعاضة عنه بأي شيء آخر، وهو ليس بالمصطلح السيئ في حقيقته، وتعني
الذمة الجنسية للمسلم ولغير المسلم ما رضي العيش في الإطار الإسلامي... وما
والى الدولة الإسلامية ولم يوالِ أعداءها... وما قبل أن يجادل عن فكره
بقوة الحجة لا بقوة التآمر وقوة السيف. حتى وإن يكن مسلمًا، إذ يرفع السيف لإثبات
حجته ومذهبه أو يوالي أعداء الإسلام يكون قد شرع أن يحمل السيف في وجهه، أما وقد
كانت حجة هذا الآخر أيًا كان نوعه كلمة، أو ركب كلامًا معينًا للإيهام بقضية
معينة، فليس للعقل المسلم إلا أن يرد الكلمة بمثلها، والحجة بأقوى منها.
عجيب هذا المسلم ضحية الاستبداد والقهر... هذا المسلم المطحون لا يفكر إلا
بسوط السلطان ليقهر خصومه وكأنه يقول لخصومه أنا المغلوب اليوم... أنا السجين
اليوم... أنا المقهور اليوم لو تمكنت منكم يومًا؛ ما تركت منكم أحدًا على وجه
الأرض!! فهو بذلك يشرع لهم ويعطيهم الحجة ليستأصلوه وليقهروه... إننا بهذا
نكرس في مجتمعاتنا أنه لا مجال لحسم الخلاف إلا بالسيف، وأن مشروعية الحكم تستند
إلى التغلب، فمن حكم حق له أن يستأصل الآخرين، هم حكموا فعملوا على إقصائنا
واستئصالنا ومنعونا من حق التعبير ومن عرض حجتنا... ولكن، كأننا نقول لهم لو
أننا حللنا محلكم لفعلنا ما تفعلون....
هذا هو مجتمع الاستبداد والقهر، وهو
المجتمع الذي رغم أن جملة القوى السياسية فيه ترفع شعار الديمقراطية... ترفع
شعار الحرية ولكنها حرية في الغالب مزعومة... هي حريتي أنا في أن أقول في أن أحكم،
في أن أفعل ما أشاء، وليست حريتك أنت في أن تعارض، في أن تكون لك نفس الحقوق، في
أن تجادل عن نفسك، في أن تناظر، في أن تحاجج، إننا بهذا جميعا مستعدون إذن بكل
مذاهبنا وأيديولوجياتنا أننا وارثون للاستبداد...
أننا قد رضعنا الاستبداد... أننا
ورثناه كابرًا عن كابر وأننا إذ نقاوم الاستبداد فليس من موقع الحرية وإنما من
موقع الاستبداد أيضًا وكل الذي نريده هو تحويل مواقع الاستبداد. فإذا كان
المستبد اليوم علمانيًا ليبراليًا، غدًا سيكون المستبد شيوعيًا، وبعد غد سيكون
المستبد إسلاميًّا...
وهكذا تصبح العلاقات الوحيدة الممكنة في
مجتمعاتنا هي علاقات القهر والتنابذ والتنافي، كل منا ينفي الآخر، بحجة
ماذا؟! لماذا يخاف هذا المسلم، لماذا نخشى الآخر؟! هل نحن خائفون على
الإسلام من الحرية وتجربة الإسلام أمامنا منشورة إن الإسلام لم يغلب في مناظرة ولم
يُقصَ إلا بالقهر والاستبداد.
هل نحن شاكون في أن الإسلام يقوم على
أرضية صلبة من البرهان والحجة ولسان حاله في كلزمان ﴿ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾
(البقرة: ١١١).
﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ
لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ (سبأ: ٢٤).
هل هناك تعليم أكبر من هذا للنبي -صلى الله عليه وسلم- ومن هو
أجدر بأن يخضع له ويطاع، تعليم قاطع للنبي -صلى الله عليه وسلم- ولكل من يحمل
رسالته بحق أن تكون مقالته في الناس هاتوا حجتكم، هاتوا برهانكم، بل إني مستعد لو
استطعتم أن تقنعوني بأنكم على الحق أن أتبعه، معنى ذلك أنني لا أتبع الإسلام
تقليدًا أو هوى أو ميراثًا وإنما أتبعه لأنه الحق، فإن استطعتم أن تقنعونا بأننا
لسنا على الحق وأن مذاهبكم هي التي ستنقذنا وتنجينا وأنها تقوم على أرض أصلب من
العلم والحق فنحن متبعوكم؟! هل الشك إذن في قدرة الإسلام على أن يجادل في
نفسه أم الشك في المدعوين... في الناس... في الشعوب الإسلامية إنه لو أتيح
أمامها فرص الحرية... لو استمعت إلى ألوان شتى من الخطاب... الخطاب الإسلامي
والخطاب النصراني والخطاب الشيوعي والعلماني، لو استمعت إلى هذه الخطابات، هل نشك
في المسلمين أو حتى في عامة الناس أنهم لن يتبعوا في غالبيتهم إلا
الحق؟!! أليس الإسلام هو دين الفطرة؟! أليس الخير هو الأصل في الطبيعة
البشرية؟! أليس الناس لا يخرجون عن الدين إلا عن جهالة وعن هوى وعن تضليل
وغواية؟! هذا عن الناس عامة فضلًا عن هذه الشعوب التي لا تملك فقط رصيد
الإسلام... رصيد الفطرة... بل تملك كما يقول سيد قطب -رحمه الله-
رصيد الإسلام وهو رصيد عظيم فهل نخشى على هذه الشعوب الإسلامية أنها لو استمعت إلى
خطاب آخر إلى جانب الخطاب الإسلامي فأنها ستفتن وستنتكب عن دين الله
أفواجًا؟! ليس هناك دليل تاريخي على أن المسلمين تنكبوا عن الإسلام يومًا إلا
بالتضليل والغواية والاستبداد وإقصاء الصوت الإسلامي، فأن يظهر الحق فالباطل حري
أن يزهق والمشكل ليس كيف نغيِّب الباطل بالقوة... المشكل كيف نتيح
الفرصة للحق فقط!
لأنه لو أتيحت الفرصة للحق تبدد الباطل
وهيتجربة الواقع مشاهدة أمامنا المسلمون اليوم ليس لهم دولة بأيديهم... ليس
المال بأيديهم... ليس الإعلام بأيديهم.. ومع ذلك وبوسائل محدودة
جدًا ملكتها الحركة الإسلامية استطاعت أن تلجئ كل الأيديولوجيات الأخرى إلى أضيق
الطريق إلى حد التبرؤ من أيديولوجياتها، إلى حد تبرير وجودها
بالإسلام. فأصبحت الأحزاب الشيوعية تعلن في كل مكان أنها ليست معادية
للإسلام وإنها إسلامية مع أن نصف العالم شيوعي وحكومات عديدة تؤيد العالم
الشيوعي وتمتلك دورًا للنشر والصحافة والإعلام ومع ذلك استطاعت الحركة الإسلامية
بوسائلها المحدودة أن تضطرها إلى أضيق الطريق، فلماذا نطرح قضايا نظرية اللهم إلا
أن يكون الشك ليس في الإسلام ولا في المسلمين وإنما في أنفسنا!!! هل نحن
قادرون على تحرير حجة الإسلام؟! كأننا نقول فقط نحن قادرون على حمل سيف
الإسلام، أما حجة الإسلام فما نحن بقادرين عليها.
خلاصة القول فإنني أقول إن هذا الإشكال
المتعلق بالآخر... ومن هو... وما نوعه... وما موقعه في المجتمع
الإسلامي.... وما حقوقه، هذا الطرح للإشكال نظري، الإشكال الحقيقي أيها
المسلم الذي ينبغي أن تطرحه ليس هل من حق الآخر أن يوجد... الآخر موجود... هل
من حقك أنت أن توجد؟ هل أنت موجود فعلًا أيها الإسلامي؟! المشكل الأساسي وجودك أنت
يا أيها المسلم فحتى اليوم ليس معترفًا بك في العالم... صوتك حتى اليوم لا
مكان له في العالم... أنت اليوم تحشر نفسك في العالم حشرًا فلمّا يعترف بنا
العالم بعد!! أي دولة حتى الآن اعترفت بحزب إسلامي كطرف من الأطراف فقط؟ لم
يعترف بنا بعد ولم تستطع الحركة الإسلامية المعاصرة أن تنتزع في الغالب حق
الاعتراف بها كمكون من مكونات الحياة الفكرية والسياسية في مجتمعنا، وإذا بالحركة
الإسلامية عوضًا أن تطرح هذا الإشكال... كيف تحقق الاعتراف
بنفسها... يطرح إشكالًا آخر هو هل للآخر أن يوجد؟!
أسأل يا أخي المسلم هل أنت ضمنت وجودك
أولًا ولست أعني بذلك أن الإسلامي لو ضمن حق الوجود أن عليه أن ينفي وجود الآخر،
فعقلية التنافي هذه عقلية استبداد مركوز في كل التيارات والأحزاب في وطننا العربي
والإسلامي، مركوز في تربيتنا الأسرية وفي تعليمنا وفي ثقافتنا
ودولنا... ولذلك حتى الذين يقاومون الاستبداد لا يقاومونه من موقع الحرية
وإنما من موقع الاستبداد وقضيتهم كيف ينقلون مواقع الاستبداد فنستعيض عن مستبد بمستبد
آخر وإن اختلفت الشعارات... أن تذبح الإنسان على أي طريقة فهو ذبح في النهاية.