العنوان الأستاذ فتحي يكن يتحدث عن: النقد الذاتي في الحركة الإسلاميّة
الكاتب د. فتحي يكن
تاريخ النشر الثلاثاء 23-يونيو-1987
مشاهدات 78
نشر في العدد 822
نشر في الصفحة 32
الثلاثاء 23-يونيو-1987
في المنتدى الفكري من العدد الماضي تحدث خمسة من كبار الإخوة الدعاة عن مفاهيمهم للنقد الذاتي في جسم الحركة الإسلامية، وفي هذا العدد ننشر رأي الأستاذ فتحي يكن: - الأمين العام للجماعة الإسلامية في لبنان الشقيق -، يقول
كل حركة لا تنقد ذاتها نقدًا موضوعيًّا ورزينًا يؤدي إلى استكشاف عيوبها ومعرفة مواطن الخلل لديها، وبالتالي يساعدها على حُسن المعالجة بواقعية ووضوح، كل حركة لا تفعل ذلك -وهو الحد الأدنى الذي يجب أن تفعله- تكون قد حكمت على نفسها بالفشل، وعلى كيانها بالتفسخ والانهيار.
فالحركة التي لا تنقد ذاتها، يعني أنها لا تدرك عيوبها، ولا تعرف أخطاءها، ويعني بالتالي تكرار وقوع هذه الأخطاء والعيوب، بل وتناميها وتكاثرها وتوالدها مما يؤدي بالنتيجة إلى الضعف فالانهيار.
والحركة التي لا تنقد ذاتها، ولا تعرف مواطن الخلل عندها سوف تفقد المناعة في مواجهة الأحداث والمفاجآت وعاديات الأيام، وما أكثرها وأعتاها فيهذه الأيام.
والحركة التي تفقد المناعة تصبح مُعرضة للتأثر والتلوث بكل ما يقع في محيطها من أمراض وعِلل، شأنها في ذلك شأن الإنسان الذي يُصاب بمرض «الإيدز»، فيفقد المناعة، ويصبح عُرضة لكل الجوائح والآفات المرضية.
والحركة الإسلامية التي يتآمر عليها الشرق والغرب، وتتآمر عليها كل قوى الاستكبار في العالم فضلًا عن الأنظمة المحلية والإقليمية، الحركة الإسلامية هذه أحوج من غيرها إلى النقد الذاتي وإلى تحقيق المناعة والتحصن في بنيتها طالما أنها أكثر الحركات عُرضة للأخطار والتحديات والمؤامرات، بل أكثرها عُرضة لمداخل الشيطان وإلقاءاته؛ لأن الشيطان قد فرغ من غيرها إليها، وقال: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (82) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ﴾ (سورة ص: 82-83).
● الإسلام يحض على النقد الذاتي:
والنقد الذاتي، ومراجعة النفس، وتقويم التجارب ودراستها،ومعرفة الخطأ والصواب فيها، ليست أمورًا طوعية، بل هي واجبات تكليفية، فرضها الشارع على الفرد المسلم؛ حتى لا يُلدغ مرتين، فكيف بالحركة الإسلامية ومسؤولياتها أكبر وأعباؤها أضخم؟.
-إن سورة العصر وغيرها من آيات الله البينات تحكم بالخسران على كل الناس مستثنية من ذلك: ﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَتَوَاصَوۡاْ بِٱلۡحَقِّ وَتَوَاصَوۡاْ بِٱلصَّبۡرِ﴾ (سورة العصر: 3).
-ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعتبر الساكت عن الحق شيطانًا أخرس.
-والرعيل الأول كانوا يحضون الناس على تلمُس عيوبهم بدون غضاضة أو حرج، حتى ذهب بعضهم إلى القول: «رحم الله امرءًا أهدى إليّ عيوبي»، بل إلى أن يقول خليفتهم: «إن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني»، ويقول الآخر: «من رأى فيّ إعوجاجًا فليقومه بحد سيفه».
● حدود النقد الذاتي وآدابه:
إنه إن كان لا بد من النقد الذاتي في إطار العمل الإسلامي وفي إطار كل عمل، فإن ذلك لا يعني انطلاق هذا النقد على عواهنه من غير قيود ولا حدود.
-لأنه يصبح عند ذلك نقدًا هدامًا مُخربًا مُدمرًا، ويصبح ضرره أكبر من نفعه ووزره أکبر من أجره، هذا إن كان له أجر.
-إن النقد الذاتي يجب ألا يتعدى حدود الناقدين والمنقودين، وإلا كان تشهيرًا وإشاعة للفتنة، ووصفًا للأمور في غير أنصبتها ومواضعها.
-وأن النقد الذاتي يجب أن يلتزم أدب الخلاف وموضوعيته، وإلا كان مهاترات شخصية، لا يجلب على الحركة إلا الأذى والضرر، بل ويزيد في مشاكلها ويعمق جراحاتها وأوجاعها.
-النقد الذاتي يجب أن يكون من أهل الخبرة والدراية، ومن أصحاب الكفاءة والتجربة، ومن أولي الوعي والإدراك، فلا يجوز أن يكون من جاهل لعالم، أو من مترخص لملتزم، «ورحم الله امرءًا عرف حده فوقف عنده».
-إن النقد الذاتي يجب أن يبنى على القطعي الثابت من الأعمال والأفعال والسياسات والتصرفات، وليس على الظني المتناقل منها بدون دليل، وإلا كان سبيلًا إلى إشاعة الفاحشة في الذين آمنوا.
-إن النقد الذاتي يجب أن يحتكم إلى الشرع، وأن ينزل في النهاية عند كلمة الشرع بعيدًا عن اعتبارات الهوى والأنا.
-إن الهمس الآثم، والفخر واللمز، وتناول الآخرين في أشخاصهم ومواصفاتهم وقدراتهم، والخوض في كراماتهم وأعراضهم ليس من النقد الذاتي في شيء، بل هو من عمل الشيطان.
وأخيرًا، إن النقد الذاتي ليس «فشة خلق» كما يقولون، ولكنه مهمة قدسية وفريضة شرعية يجب أن تكون محكومة بالشرع ابتداء وانتهاء، وفي سائر مراحلها وتفصيلاتها، وبذلك تؤتي أُكلها بإذن ربها، والله من وراء القصد، والله واسع عليم.