الثلاثاء 10-أغسطس-1971
الأسرة
خاطرة.. دعوة إلى الانطلاق
المرأة بحكم تكوينها أمْيَلُ إلى العاطفة من الرجل، وذلك لصلتها الوثيقة بالطفولة البريئة من حمل ووضع وعناية وتربية، ولكونها أيضًا موضعَ المودة التي يجتمع بها شمل الأسرة وتستقر معها الحياة، إلا أن هذه العاطفة يجب ألا تنفرد بكِيان المرأة المسلمة، فيَضمُرُ بجانبها التفكيرُ وينحصرُ ويتضاءلُ إلى أن يصبح في بعض الأحيان سطحيًّا وساذَجًا وفَجًّا.
صحيحٌ أن هناك أمورًا للمرأة أن تكون فيها أكثرَ درايةً وأكثرَ مهارةً وهذا تفرضه طبيعةُ التعاون بين آدم وحواء بحيث يكون لكل منهما اختصاصُه الذي يتفوق فيه، فتعددُ المسئوليات الحياتية يفرض على كل جنس نوعًا من الواجبات يختلف عن واجبات الجنس الآخر، ولكنَّ أمورًا أخرى تشترك فيها المرأة مع الرجل ولابد المرأة من الإلمام بها.
إن طريق التربية التي نقوم بها في كل مؤسساتنا ابتداءً من الأسرة وانتهاءً بالجامعة لم تفلح في حمل المرأة على التفكير بعمق والنظر إلى الأمور بجِدِّيَّة وسَبْر أغوار الحياة وتحليل ما يدور في هذا الكون من أحداث ومما تَعُجُّ به مجتمعاتنا من مشاكل.
لقد فتحنا أبواب المدارس على مصاريعها للبنات وأعطيناهن كل ما نعطيه للأبناء حتى تَفَوَّقْنَ عليهم في حفظ المعلومات والنجاح في الامتحانات، ومع ذلك فقد ظلت المرأة محصورةَ التفكير في ثيابها أو طعامها أو فتى أحلامها أو أخبار الحفلات والزواج والسفر والهدايا، وقليلًا في مشكلات الأولاد وطرائق تربيتهم.
وهنا لنا أن نسأل هذا السؤال: هل يقف الإسلام في وجه توسيع أفق المرأة ومشاركتها مشاركةً فَعَّالةً في المشاكل التي تعاني منها أمَّتُها التي تنتمي إليها؟
نقلت إلينا كتبُ السيرة أخبارَ كثير من النساء منهن الفقيهاتُ، ومنهن الأديباتُ، ومنهن المحارباتُ، كما نقلت إلينا المدى الذي وصلت إليه هؤلاء النساء من سَعَة الأفق، وعمق التفكير، حتى أن الواحدة منهن كان يُهِمُّها نصرُ المسلمين أكثرَ من حياة أبنائها، وأن الواحدة منهن لَيَجلِسُ إليها الرجالُ يستمعون منها أحاديث رسول الله أو يستفتونها في مسائل الفقه والتفسير.
كانت الواحدة منهن تَنفِرُ مع زوجها في الحروب، وتشهد صراع الحق والباطل، كما كانت تجلس في المسجد تسمع رسول الله، كما كانت تحضر صلاة الجماعة والجُمَع.
لقد جَمُدَ المسلمين في عصر من العصور، فحجروا على المرأة، وحاصروا تفكيرها، فلم تعد تعرف أكثر من حدود جدران بيتها بين زوجها وأولادها، فجَمُدَ تفكيرُها، وانعزلت انعزالًا تامًّا عن مجتمعها وما يحيط بوجودها من مشكلات.
هنا قامت فئة من الناس منحرفة التفكير والسلوك تدعو إلى تحرير المرأة تحريرًا يشبه ما حصل للمرأة في أوربا، فانطلقت المرأة ثائرةً على حجابها، مستهدفةً الوصولَ إلى ما وصلت إليه المرأة في أوربا في مظهرها، وطريقة سلوكها، ونوعية أخلاقها، فكانت انطلاقةً متطرفةً في جانب منحرف فَوَّتَ على المصلحين كلَّ طرائق الإصلاح للعودة بها إلى حالتها السوية التي كانت عليها في عصر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وصحابته الأبرار، فعلت هذه الانطلاقة اللا مسئولة في المرأة فِعْلَها، فكانت كمن هبطت عليه ثروة ضخمة وهو أحمق، فجعلت جُلَّ همها أن تبدو في شكلها ومظهرها كأنها أوروبية من باريس، وفي سلوكها وتصرفاتها والأماكن التي ترتادها كذلك، واقتصرت على هذه الأمور، جعلت فيها أكبرَ هَمِّها، وهنا تضخمت السطحية في تفكيرها، وانزوت الموضوعات الأصيلة من ذهنها، وشاركها بعض الرجال فيهم أنانِيَّةٌ وفي نفوسهم هَوًى، أحبوا منها أن تظهر بكامل فتنتها في كل مكان يَحُلُّون فيه؛ لتكون لهم تسليةً، فكَرَّسوا غفلتَها وسذاجتَها، ورضُوا منها بذلك.
بقي هنالك نساء عاقلات -ولا أقول معتقلات- شَهِدْن هذه السقطة التي سقطت فيها المرأة، فعَزَفْن عن مجتمعاتها، وانزَوَينَ في بيوتهن، ولهؤلاء النسوة ولأولئك نقول: «المرأة المسلمة محتشمة في ملابسها وكلامها ومعاملاتها وتصرفاتها تحيط نفسَها أينما حَلَّت بالطهر والعفاف، ولكن لهذه المرأة أن تجلس في المسجد في مكانها منه مع المصلين فتصلي مع الجماعة وتحضر الجمع والأعياد، ولهذه المرأة أن تذهب إلى دُور العلم وتُحَصِّلَ منه ما استطاعت وتنال منه كل ما ينال الرجل، ولهذه المرأة أن تحضر المحاضرات والندوات وتسمع وتناقش، ولهذه المرأة أن يكون لها منتدياتُها وخِدْمَاتُها الاجتماعيةُ ومكتباتُها العامةُ، كما لها أن تشارك في التوجيه والتوعية والتربية وأن تحمل عبء أعمال كثيرة في هذه الأمور».
إنه انطلاقٌ، ولكنه للعقل والتفكير والعمل المثمر البَنَّاء.
الكوكبي