العنوان الأسرة.. هل في «المصحف المفسر» أخطاء؟ رسالة من طالبة مسلمة
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 02-نوفمبر-1971
مشاهدات 91
نشر في العدد 84
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 02-نوفمبر-1971
الأسرة
هل في «المصحف المفسر» أخطاء؟
رسالة من طالبة مسلمة
جاءتنا هذه الرسالة بتوقيع «طالبة مسلمة» وفيها استنكار لتفسير بعض آيات القرآن الكريم في «المصحف المفسر» الذي توزعه وزارة التربية على تلاميذ وتلميذات المدارس الثانوية ونحن ننشر ما جاء في تفسير هذه الآيات في «المصحف المفسر» ثم نتبعه بتفسير من «ابن كثير» وآخر من «ظلال القرآن» وللقارئ بعد ذلك أن يقارن ويحكم.
إلى حضرة رئيس تحرير جريدة المجتمع الإسلامية تحية طيبة وبعد؛
نحن طلاب وطالبات المرحلة الثانوية، وزعت علينا الوزارة هذا العام كتاب «المصحف المفسر» وسررنا لذلك، ولكنني لاحظت أن في بعض الآيات قد فسرت تفسيرًا يشوه ديننا الإسلامي الحنيف.
وقد لاحظت ذلك عندما قرأت سورة «ص» فقط لأنني لم أكمل قراءة هذا المصحف، وذلك في الآيات (۲۲، ٣٢، ٣٤) من سورة «ص».
أرجو الاطلاع عليها في أسرع وقت وإيضاح التفسير الصحيح لهذه الآيات وأخذ الإجراءات اللازمة لصيانة الإسلام والذود عنه.
أدامكم الله لعزة الإسلام ونصره ورفع رايته عاليًا، ولكم مني جزيل الشكر ودمتم لنصرة الحق والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
«المرسلة: طالبة مسلمة»
جاء في تفسير الآية ٢٢ من سورة «ص» في «المصحف المفسر»
«تمهيدًا لفهم المعنى»: قيل إن داود هوى امرأة فاستنزل زوجها عنها وتزوجها وكان له تسع وتسعون زوجة، وقيل أخذ يكثر من إرسال زوجها إلى الحروب ويقدمه فيها حتى قتل، فأرسل الله إليه ملكين يتحاكمان إليه على هذا النحو لينبه إلى ما صنع فخاف منهم، إذ هبطوا إليه من فوق فذكروا له أنهما خصمان، وقص عليه أحدهما أمر النعاج، فتنبه داود لذنبه، فاستغفر ربه وسقط راكعًا ورجع إلى ربه فغفر الله له ذنبه.
والآية هي: ﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَىٰ دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ ۖ قَالُوا لَا تَخَفْ ۖ خَصْمَانِ بَغَىٰ بَعْضُنَا عَلَىٰ بَعْضٍ فَاحْكُم بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَىٰ سَوَاءِ الصِّرَاطِ ﴾ (سورة ص: 22)
والآية التالية: ﴿إِنَّ هَٰذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ (سورة ص: 23)
وفي تفسير (ابن كثير) في هذا الموضوع:
«قد ذكر المفسرون ههنا قصة أكثرها مأخوذ من الإسرائيليات ولم يثبت فيها عن المعصوم حديث يجب اتباعه» ثم قال: «فالأولى أن يقتصر على مجرد تلاوة هذه القصة (وأن يذكرها) وأن يرد علمها إلى الله»
وجاء في ظلال القرآن:
وبيان هذه الفتنة أن داود النبي الملك، كان يخصص بعض وقته للتصرف في شئون الملك، وللقضاء بين الناس ويخصص البعض الآخر بالخلوة والعبادة وترتيل أناشيده تسبيحًا لله في المحراب، وكان إذا دخل المحراب للعبادة والخلوة لم يدخل إليه أحد حتى يخرج هو إلى الناس.
وفي ذات يوم فوجئ بشخصين يتسوران المحراب المغلق عليه، ففزع منهم، فما يتسور المحراب هكذا مؤمن ولا أمين، فبادرا بطمأنته «قالوا: لا تخف، خصمان بغى بعضنا على بعض»، وجئنا للتقاضي أمامك «فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط واهدنا إلى سواء الصراط»، وبدا أحدهما فعرض خصومته: هذا أخي له تسع، وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة. فقال: أكفلنيها وعزني في الخطاب «أي شدد علي في القول وأغلظ»
والقضية كما عرضها أحد الخصمين -تحمل ظلمًا صارخًا مثيرًا لا يحتمل التأويل ومن ثم اندفع داود يقضي على أثر سماعه لهذه المظلمة الصارخة، ولم يوجه إلى الخصم الآخر حديثًا ولم يطلب إليه بيانًا، ولم يسمع له حجة، ولكنه مضى يحكم: «قال: ﴿قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَىٰ نِعَاجِهِ ۖ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ ۗ﴾ ويبدو أنه عند هذه المرحلة اختفى عنه الرجلان: فقد كانا ملكين جاءا للامتحان امتحان النبي الملك الذي ولاه الله أمر الناس، ليقضي بينهم بالحق والعدل، وليتبين الحق قبل إصدار الحكم، وقد اختارا أن يعرضا عليه القضية في صورة صارخة مثيرة، ولكن القاضي عليه ألا يستثار، وعليه ألا يتعجل، وعليه ألا يأخذ بظاهر قول واحد، قبل أن يمنح الآخر فرصة للإدلاء بقوله وحجته، فقد يتغير وجه المسألة كله، أو بعضه، وينكشف أن ذلك الظاهر كان خادعًا أو كاذبًا أو ناقصًا!
عند هذا تنبه داود إلى أنه الابتلاء: ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ﴾، وهنا أدركته طبيعته، أنه أواب، ﴿فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَٰلِكَ ۖ وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ وخاضت بعض التفاسير مع الإسرائيليات حول هذه الفتنة خوضًا كبيرًا، تتنزه عنه طبيعة النبوة، ولا يتفق إطلاقًا مع حقيقتها، حتى الروايات التي حاولت تخفيف تلك الأساطير سارت معها شوطًا، وهي لا تصلح للنظر في الأساس، ولا تتفق مع قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ (سورة ص: 40) والتعقيب القرآني الذي جاء بعد القصة يكشف كذلك عن طبيعة الفتنة، ويحدد التوجيه المقصود بها من الله لعبده الذي ولاه القضاء والحكم بين الناس.
وفي الآية ٣٢، ٣٣، ٣٤ من سورة «ص»
﴿فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ (32) رُدُّوهَا عَلَيَّ ۖ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ (33) وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ﴾
جاء في «المصحف المفسر»: ووهبنا لداود سليمان نعم العبد أنه رجاع إلى الله، فقد عرضت عليه الخيول الجياد فألهته عن صلاة العصر حتى غربت الشمس، فتألم لذلك وقال ردوها علي فأخذ يضرب أعناقها وسيقانها محبة لها.
ولقد امتحنا سليمان بمولود فشغفه حبًا فأخذ يهتم ويتغالى في العناية به فقتله الشياطين وألقته على كرسيه جسدًا لا حراك به، فأدرك سليمان أن الله امتحنه به فرجع إلى الله،
وجاء في تفسير «ابن كثير»:
ذكر غير واحد من السلف والمفسرين أنه اشتغل بعرضها حتى فات وقت صلاة العصر والذي يقطع به أنه لم يتركها عمدًا بل نسيانا كما شغل النبي صلى الله عليه وسلم يوم الخندق عن صلاة العصر حتى صلاها بعد الغروب وذلك ثابت في الصحيحين ويذكر الحديث -وقد ادعى طائفة من العلماء أن هذا كان مشروعًا فنسخ ذلك بصلاة الخوف
«ردوها علي فطفق مسحًا بالسوق والأعناق» قال الحسن البصري: قال: لا والله لا تشغلني عن عبادة ربي آخر ما عليك، ثم أمر بها فعقرت، وكذا قال قتادة وقال السدي ضرب أعناقها وعراقيبها بالسيوف.
يقول تعالى «ولقد فتنا سليمان» أي اختبرناه بأن سلبناه الملك «وألقينا على کرسیه جسدا» قال ابن عباس رضي الله عنهما ومجاهد وسعيد بن جبير والحسن وقتادة وغيرهم يعني شيطانا ثم أناب أي رجع إلى ملكه وسلطانه وأبهته، ثم يقص قصصًا ويقول عنها:
«وأرى هذه كلها من الإسرائيليات»
وجاء في (ظلال القرآن)
والإشارتان الواردتان هنا عن الصافنات الجياد وهي الخيل الكريمة، وعن الجسد الذي ألقي على كرسي سليمان، كلتاهما إشارتان لم تسترح نفسي لأي تفسير أو رواية مما احتوته التفاسير والروايات عنهما، فهي إما اسرائيليات منكرة، وإما تأويلات لا سند لها، ولم أستطع أن أتصور طبيعة الحادثتين تصورًا يطمئن إليه قلبي، فأصوره هنا وأحكيه، ولم أجد أثرًا صحيحًا أركن إليه في تفسيرهما وتصورهما سوى حديث صحيح، صحيح في ذاته، ولكن علاقته بأحد هذين الحادثين ليست أكيدة، هذا الحديث هو ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه عن -رسول الله -صلى الله عليه وسلم -وأخرجه البخاري في صحيحه مرفوعًا ونصه: «قال سليمان: لأطوفن الليلة على سبعين امرأة. كل واحدة تأتي بفارس يجاهد في سبيل الله، ولم يقل: إن شاء الله، فطاف عليهن فلم يحمل إلا امرأة واحدة جاءت بشق رجل والذي نفسي بيده لو قال إن شاء الله لجاهدوا في سبيل الله فسرنا أجمعون» وجائز أن تكون هذه هي الفتنة التي تشير إليها الآيات هنا، وأن يكون الجسد هو هذا الوليد الشق، ولكن هذا مجرد احتمال أما قصة الخيل فقيل: إن سليمان عليه السلام استعرض خيلًا له بالعش ففاتته صلاة كان يصليها قبل الغروب. فقال ردوها علي، فردوها عليه فجعل يضرب أعناقها وسيقانها جزاء ما شغلته عن ذكر ربه ورواية أخرى أنه جعل يمسح سوقها وأعناقها إكرامًا لها لأنها كانت خيلًا في سبيل الله، وكلتا الروايتين لا دليل عليهما، ويصعب الجزم بشيء عنها.
ومن ثم لا يستطيع مثبت أن يقول شيئًا عن تفصيل هذين الحادثين المشار إليهما في القرآن.
وكل ما نخرج به هو أنه كان هناك ابتلاء من الله وفتنة لنبي الله سليمان عليه السلام -في شأن يتعلق بتصرفاته في الملك والسلطان كما يبتلي الله أنبياءه ليوجههم ويرشدهم، ويبعد خطاهم عن الزلل.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل