; الأشجار الوارفة.. السيرة الذاتية للشيخ أبي الاعلى المودودي وزوجته (۲) | مجلة المجتمع

العنوان الأشجار الوارفة.. السيرة الذاتية للشيخ أبي الاعلى المودودي وزوجته (۲)

الكاتب حميراء المودودي

تاريخ النشر السبت 06-سبتمبر-2008

مشاهدات 60

نشر في العدد 1818

نشر في الصفحة 36

السبت 06-سبتمبر-2008

لؤلؤة الزواج.. وذكريات في «دار الإسلام»

أشعل شموع الفكروجاهد لتغييرأفكار العالم.. واستطاع إبعادالأجيال المعاصرةعن الانبهاربالحضارة والثقافةالغربية

عندماطلب يدزوجته قالله والدها: سواء أكنتفي أبراجعالية أمفي خيامبالية فسترافقك ابنتنا وتشاطرك مصائب الدهر

ترجمة: نور محمد جمعة

كانت لوالدي يد وباع في الأدب، والإنشاء والفلسفة والمنطق واللغة العربية.. فنظرة على ما كتبه في مختلف الموضوعات من علوم القرآن والحديث والفقه والتاريخ الإسلامي والسياسة والاجتماع، والعمران تشير إلى سعة علمه واطلاعه وكان يتمتع دوما بالسكينة والاطمئنان القلبي، والتوكل والرضا بقضاء الله وقدره، ولم يكن ذلك إلا ثمرة من ثمار اعتزازه بهذا الدين ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (الرعد:28 ).

ويُعَدُّ والدي من أصحاب التصانيف والمؤلفات الكثيرة، إلا أن كثرة كتاباته لم تكن على حساب جودة التحقيق والدراسة فهوقبل أن يكتب كتابه «الجهاد في الإسلام» قرأ كثيرًا من كتب الملل والنحل المختلفة مع دراسته لـ «جامع الترمذي»، و«موطأ مالك» في رحاب الشيخ «إشفاق الرحمن كاندهلوي».

ولما كانت جيوش الكفر والإلحاد تغزو المجتمع الإسلامي بجحافل من الفساد والعري والدعايات الفاضحة، وكانت تقضي على مصابيح الإيمان واحدًا تلو الآخر، شمر والدي عن ساعد الجد. وأشعل شموع الفكر في رأسه وجاهد في سبيل تغيير أفكار العالم واستطاع بعون من الله سبحانه وتعالي أن يفتح عيون الأجيال المثقفة الجديدة لترى ما يحاك لها خلف الكواليس، وبذلك استطاع أن يبعدهم  عن عبودية الغرب وعن الانبهار بالحضارة والثقافة الغربية وبث فيهم روح الاعتزاز والفخر بالدين الحنيف، وجعل بين الأجيال المثقفة والقرآن صلة قوية من خلال تفسيره «تفهيم القرآن»، وبذلك أشعل مصابيح الثورة في حياتهم، كما قال العلامة محمد إقبال: «عندما يدخل القرآن في القلوب يتغير الإنسان.. وبتغير الإنسان تتغير الأكوان».

 فتنة «المثقف»!

 لكل عصر ألوان من الفتن والضلالات وأعظم فتنة في عصرنا هذا هي فتنة «المثقف الجاهل».. أعني بذلك هؤلاء المثقفين والمتخصصين الذين تبحروا في جانب من جوانب العلم والثقافة الواسعة ولا يدرون وراء ذلك شيئًا، ومع ذلك تجدهم عندما يدخلون غمار الدين يتبخترون فيه ويخلطون الحابلبالنابل ويضربون يمينًا وشمالًا، وإذا كتب لأحدهم أن يقرأ في كتب الوالد فسرعان ما يعود إلى رشده، ويرى نفسه وكأنه طفل قدم إلى المدرسة من توه.

أجل، في صمت الليل البهيم عندما كان الناس يعانقون الأحلام السعيدة في الفرش الوطيدة تحت أضواء الأماني الجميلة كان ذلك الزاهد يسهر الليالي الطويلة في الشتاء القارص يملأ جوف قلمه من دم كبده ليرسم على الأوراق أسطر تلك الكتب التي تنير الدروب أمام أمة الرسول صلي الله عليه وسلم، وتضع لهم معالم يهتدون بها في دنياهم ليصلوا إلى ما أعد الله لهم في الجنان والفردوس الأعلى.

رؤيا اللؤلؤة!

لم تكن والدتي السيدة «محمودة» -يرحمها الله- تتجاوز اثني عشر عامًا أن رأت في المنام أنها وضعت قدميها في التراب وبدأت ترمي عليهما التراب وتضغط عليهما، ثم سحبت قدميها من داخل التراب وصنعت جحرًا ترابيًا ثم أدخلت يدها في داخل الجحر فإذا بها تخرج لؤلؤة يكاد بريقها يذهب بالأبصار، فلما رأى الناس ذلك تحلقوا حولها من كل حدب وصوب يسألونها: «من أين لك هذه اللؤلؤة؟ هي غالية جدًا، أحرصي عليها لثلًا تُسرق منك، وانتبهي كي لا يخطفها منك أحد»..

وفي الصباح حكت والدتي ما رأت لوالدها «نصير الدين شمسي» -يرحمه الله- الذي نصحها بالًا تروي رؤياها لأحد من الناس وذهب إلى أحد كبار العلماء في «دلهي» يستفسر عما رأت ابنته فقال له: «هذه الفتاة سيتزوجها عالم جليل، يملأ صيته وشهرته أرجاء العالم كله».

كان جدي رجلًا ثريًا، وكانت أسرته ذات مكانة اجتماعية مرموقة في «دلهي» وقد طرق بابه كثير من الأثرياء وذوي المناصب عسى أن يخطبوا والدتي لأولادهم إلا أن أيًا منهم لم يملأ عيني جدي، ولم يكن ذلك الفارس الذي يأتي من وراء رؤيا والدتي ولما طرق بابه والدي شعر جدي بأنه وجد ضالته، فقال مباشرة: نعم!

قضى والدي معظم حياته في الأسفار والانتقال من بيت إلى آخر بسبب تقلبات الحياة ومرارتها، وكان إنسانًا صادقًا بسيطًا، لا يحب اللف والدوران، فكشف لأسرة والدتي بكل صدق وإخلاص عن خطته في الحياة وبين لهم ما يريده من الحياة، وما يؤمن به من المبادئ وما يسعى للحصول عليه من الأهداف، وما يحلم به من الغايات السامية وقال لهم: هذه غايتي من الحياة التي وهبني الله إياها، لن أتراجع عنها ولن أتوانى في سبيلها، وإذا وفقني الله وفتح علي من أبواب الرزق سأسعى لأبني بيتًا أرتاح فيه؛ إذ إنني لا أحب الضياع في متاهات الدهر، وأفضل راحة البال لأتفرغ للأمور المهمة لكن إذا كان قدر الله أن أكابد الفقر في الحياة فلن يحول ذلك بيني وبين ما أسعى للحصول عليه من الأهداف والغايات النبيلة».

فضَّل جدي أن يرد على والدي برسالةبعثها إليه وكان قد قرأها قبل إرسالها على والدتي وجدتي، وقالت لي والدتي: إنه كتب فيها: «سواء كنت في الأبراج العالية أو في الخيام البالية فسترافقك ابنتنا وتشاطرك مصائب الدهر، وترفع عنك ثقلها».

وكانت أمي تقول دائمًا: «تلك الكلمات كانت دومًا تهمس في أذني، وتشد من أزري وتقوي إرادتي، وتعينني على نوائب الدهر». 

في ١٥ مارس ١٩٣٧م جمع الله بين والدي ووالدتي زوجين في أيام كانت المهور في البيوت الراقية التي تضاهي بيت والدتيتقل عن مائة وخمس وعشرين قطعة ذهبية إلا أن المهور كانت تُسجل على الأوراق ولا تدفع أبدًا، لكن والدي قال بالكلمة الواحدة:  «إن المهر يجب أن يؤدى؛ فليكن شيئًا مستطاعًا»، فكان مهر والدتي ألفي روبية فقط، وقد أهدي إليها من قبل أسرة والدي خاتم و «فستان».

سنوات في «دار الإسلام»

 تقع مدينة «بتهان كوت» عند نهاية سلسلة جبال «جمون»، و«سرنا» قرية من قرى بتهان كوت تقبع على مقربة منها قطعة أرض واسعة للسيد «نياز علي» (۱) وكان قد أوقفها بمشورة من العلامة إقبال، وقد اقترح والدي لهذه المنطقة اسم «دار الإسلام».

 في هذه المنطقة التي تفوح جمالًا وروعة وهب الله والدي بنتًا هي؛ أنا «الكاتبة»، وقد قضيت أولى سنوات حياتي في هذه المنطقة الساحرة، فكانت الجبال المغطاة بالثلوج تلوح أمام عيوننا.. تبدأ الثلوج تغير ألوانها مع شروق الشمس فتصبح بيضاء ناصعة، وقبل الغروب تزداد جمالًا حيث تميل نحو الصفرة ثم الحمرة، ومع الغروب تصبح قلاع الجبال آية في الجمال لا تشبع العين من رؤيتها، فكنا نعيش هناك على آيات مفتوحة من جمال الطبيعة تتلوها عيوننا صباح مساء.

 وكان بيتنا في غاية البساطة، إلا أن أبي حاول أن يهيئ لنا ما يمكن في تلك المنطقة النائية، فكان دومًا يحاول أن يلطف الجو لوالدتي ما أمكن ولم تكن والدتي التي تركتوراءها الراحة والثراء ومنع الحياة في بيت أبيها الثري بأقل حرصًا منه على صناعةبيت يغشاه المرح والسعادة والسرور والهناء اشتري والدي عربة يسوقها شاب تركستاني يدعى «تختي بيك» ليسهل علينا الذهاب والإياب، وكان قد أحضر طباخًا «طاهيًا» من دلهي يُسمى «مقبول»، كما كانت توجد خادمة تساعد والدتي في تربية الأولاد وتنشئتهم، وكان ثلاثتهم غاية في الإخلاص والجدية.

كان المطبخ خارج البيت وكانت والدتي تخبر الخادمة عما يجب إعداده، وهي -بدورها- تسلّم الأغراض إلى الطباخ! فيجهز الطعام ويتركه عند الغداء في غرفة مجاورة الغرفة الطعام، فتحمله الخادمة وتسلمه إلى والدتي.. فلم يكن «مقبول» يدخل البيت ولا «تختي بيك». فما رأينا قط رجلًا أجنبيًا منالموظفين يدخل بيتنا.

 زار «دار الإسلام» مؤلف كتاب «الطريق إلى مكة» العلامة «محمد أسد» (۲) برفقة زوجته السيدة «منيرة» وابنه الصغير «طلال» فدعاهم والدي إلى مائدة الطعام في بيتنا، فأخرجت والدتي أطباق جهاز زواجها. 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1

981

الثلاثاء 17-مارس-1970

مجتمعنا

نشر في العدد 6

224

الثلاثاء 21-أبريل-1970

صحافة - العدد 6