; الأشياء.. أم الإنسان؟ | مجلة المجتمع

العنوان الأشياء.. أم الإنسان؟

الكاتب أ. د. عبد المنعم الطائي

تاريخ النشر السبت 08-أغسطس-2009

مشاهدات 63

نشر في العدد 1864

نشر في الصفحة 66

السبت 08-أغسطس-2009

(*) باحث وأكاديمي عراقي

لعل أحد الفروق الأساسية بين الإسلام وبين النظم والمذاهب الوضعية، أن الأخيرة تكافح من أجل وضع الأشياء في أماكنها، بينما يسعى الإسلام لوضع الإنسان نفسه في مكانه الصحيح.

 علم متقدم.. تكنولوجيا متفوقة.. عمران يثير الدهشة بتكوينه وجمالياته.. مدن رائعة خدمات أسطورية.. توزيع مدهش للتخصصات في شتى مجالات الحياة اليومية.. شوارع.. فنادق.. متاجر سوبر ماركت.. نواد.. ملاهٍ.. مدن ألعاب.. مسابح... حدائق.. وسائط نقل.. تقنيات معلوماتية وإعلامية تفوق الخيال... إلى آخره.. كلها وضعت في أماكنها المحددة لتكون تحت تصرف الإنسان وطوع أمره وبين يديه.. ومع ذلك فإن الإنسان نفسه ليس في مكانه!

 وحدها العقيدة القادمة من السماء من ينفذ هذه المهمة..

 وهكذا تنزلت الأديان جميعًا لكي تتعامل -ابتداء- مع الإنسان، فإذا صلح الإنسان صلح العالم وإذا تعرض للضياع.. للخروج من مكانه الصحيح.. فإن العالم كله قد لا يعني شيئًا بالنسبة إليه.. وكلنا يذكر المقولة المعروفة: »ماذا لو ربح الإنسان العالم كله وخسر نفسه؟«

ويجيء الإسلام لكي يتوج جهد الأنبياء عليهم السلام عبر مسيرتهم الطويلة، ويختم على دعواتهم بالدين أو المنهج المكتمل الذي لم يدع صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، والذي كان »الإنسان» نقطة انطلاقه إلى العالم وليس العكس.

 ومنذ لحظات الهبوط الأولى قيل لآدم عليه السلام: إن عليه أن ينتظر الكلمة.. الوحي، أو الدين، أو المنهج القادم من السماء لكي يجتاز وذريته العالم على هدى وبينة: ﴿قَالَ ٱهۡبِطَا مِنۡهَا جَمِيعَۢاۖ بَعۡضُكُمۡ لِبَعۡضٍ عَدُوّٞۖ فَإِمَّا يَأۡتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدٗى فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشۡقَىٰ  وَمَنۡ أَعۡرَضَ عَن ذِكۡرِي فَإِنَّ لَهُۥ مَعِيشَةٗ ضَنكٗا وَنَحۡشُرُهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ أَعۡمَىٰ قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرۡتَنِيٓ أَعۡمَىٰ وَقَدۡ كُنتُ بَصِيرٗا قَالَ كَذَٰلِكَ أَتَتۡكَ ءَايَٰتُنَا فَنَسِيتَهَاۖ وَكَذَٰلِكَ ٱلۡيَوۡمَ تُنسَىٰ (طه123-126 )، ﴿ فَتَلَقَّىٰٓ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِۦ كَلِمَٰتٖ فَتَابَ عَلَيۡهِۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ قُلۡنَا ٱهۡبِطُواْ مِنۡهَا جَمِيعٗاۖ فَإِمَّا يَأۡتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدٗى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَآ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ (البقرة37-39). ومنذ ذلك الوقت انطلق الرسل والأنبياء -عليهم السلام- في أماكن شتى من الأرض يحملون المنهج للبشرية، ويفنون أعمارهم في الدعوة إليه.. وكانت البداية دائمًا هي هداية الإنسان وإعادة وضعه في مكانه الصحيح على خارطة المسيرة البشرية في العالم.. وكان الإسلام -خاتم الرسالات- تتويجًا لهذا كله.

وابتداء من المواعظ والعبادات وآداب السلوك، وانتهاء بالنظم والمؤسسات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية استهدف الإسلام إعادة بناء الإنسان واعتماده نقطة انطلاق لبناء العالم.. ونادى القرآن الكريم ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوۡمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمۡۗ (الرعد: 11)، ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ لَمۡ يَكُ مُغَيِّرٗا نِّعۡمَةً أَنۡعَمَهَا عَلَىٰ قَوۡمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمۡ وَأَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٞ (الأنفال:53).. التغيير الذاتي، أو ما سماه الرسول »الجهاد الأكبر»، هو دائمًا نقطة الانطلاق، فإذا تحقق ذلك وصلح الإنسان، صلح العالم وأصبح بيئة مناسبة تمامًا لحياة آمنة مطمئنة سعيدة متوافقة يأتيها رزقها رغدًا من كل مكان.

 النظم والمذاهب الوضعية تسلك الطريق المعاكس، فتبدأ بالعالم من أجل أن يكون مناسبًا لخدمة الإنسان، وهي في عملها هذا قد تنسى الإنسان فيضيع في العالم الكبير الذي هيئ لخدمته.

إنها مفارقة محزنة بكل تأكيد، وهي تنعكس في هذا الإقبال المتزايد في الغرب على المخدرات والحشيش والأفيون والمغيبات بشتى صنوفها وأنواعها.. كما تنعكس في تزايد معدلات الانتحار في أكثر البلدان الغربية تقدما وثراء وعمرانا.. وفي حالات القلق والاكتئاب التي تأخذ برقاب العدد الجم من الغربيين.. وفي ضياع الأجيال الشابة ورغبتها في الهروب.. كما أنها انعكست وتنعكس في تصاعد معدلات الجريمة المنظمة بشكل مثير.. بل إنها قبل هذا وذاك انعكست في جملة من الضغوط والمظالم التي حاقت بالإنسان حينًا وبالمجتمعات حينًا آخر...

 وعجلة الحياة الغربية ماضية تبني وتعمر وتتكاثر بالقوة والأشياء والأموال والخدمات، ولكنها تنسى الإنسان.. هذا الكائن الفريد الذي وضع العالم كله في خدمته، يوم خلق الله السماوات والأرض، والذي تنزلت الأديان تدعو إلى أن يحيا حياة آمنة مطمئنة متوافقة وسعيدة..

ولكنه اختار أن يمضي في الطريق الخاطئ..

 ومرة أخرى: ماذا لو ربح الإنسان العالم كله وخسر نفسه؟!

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2173

112

الثلاثاء 01-نوفمبر-2022

نظرات اقتصادية في سورة البقرة (6)

نشر في العدد 2114

109

الجمعة 01-ديسمبر-2017

أنت وسيلتك لتحقيق النجاح

نشر في العدد 20

138

الثلاثاء 28-يوليو-1970

لعقلك وقلبك - العدد 20