العنوان الأفكار وقيمة الوقت: رؤية حضارية ومستقبلية
الكاتب عادل م ع حسون
تاريخ النشر الأحد 30-نوفمبر-1997
مشاهدات 69
نشر في العدد 1276
نشر في الصفحة 48
الأحد 30-نوفمبر-1997
لم أكن أتصور مطلقًا أن الوقت هو العدو الأول لنا نحن في العالم العربي المنتسب طبعًا للعالم الثالث بالضرورة والحتمية.. لقد تجمعت لدي المئات من الأدلة والبراهين والوقائع التي تؤكد هذه الحقيقة المرة التي تؤلمني ليل نهار وتقض مضجعي وأنا الذي أحس بها أكثر من غيري، وذلك لكوني قضيت في التربية والتعليم أكثر من ثلاثين عامًا، بل قل خمسة وثلاثين.. مدرسًا في التعليم العام وأستاذًا محاضرًا في الجامعات والمعاهد العليا وأكاديميًا من خلال الإشراف على الدراسات والأبحاث.
تعالوا أستعرض عليكم قرائي الكرام عددًا من هذه الوقائع.. أذكر أنني كلما دخلت المحاضرة الأولى في القانون بعد عطلة صيفية أبدأ فورًا بسؤال الطلبة سؤالًا صار لدي تقليدًا: من منكم قرأ كتابًا في هذا الصيف ليتقدم فيختصر لي أفكار الكتاب؟
فلا يرد من الطلبة أحد.. فأنتقل إلى التخصيص.. أنت أيها الطالب الفلاني كم كتابًا قرأت خلال هذه العطلة الطويلة؟.. ما المقال أو البحث أو الدراسة التي أعجبتك فلخصت معانيها، وناقشت زملاءك بأفكارها.. والجواب هو السكوت.. ويستمر السكوت من خلال كافة الأجوبة التي أتلقاها.. سكوت الظلام الذي يلف الكون..
ولنتصور معًا خطورة ما يحدث في أوساط طلبتنا وتلامذتنا في التعليم العام أو التعليم العالي إذا كان أحدهم لا يفتح كتابًا ولا يقرأ مقالا خلال ثلاثة أشهر تعتبر عند الأذكياء والعقلاء فرصة للمزيد من المطالعة الحرة والقراءة المركزة لعدد من الموضوعات بهدف تنمية مهارات عقلية وذهنية يحتاجها الطالب سواء وهو لايزال على مقاعد الدراسة أم انتقل إلى الحياة العامة ليحتل مكانة في درجات السلم الاجتماعي والثقافي.
وتزداد الدهشة عندما نحاول ترجمة هذه الأفكار السلبية والمخيفة إلى أرقام وإحصاءات.. لنفترض أن لدينا في العالم العربي عشرين مليون تلميذ وطالب قادر على المطالعة الحرة وأضفنا لهم عشرين أو ثلاثين من قراء العربية المتعلمين أو المثقفين أو الخريجين نساء ورجالًا ممن يخوضون غمار الحياة الاجتماعية والاقتصادية لكان مجموع القادرين على القراءة كحد أدنى هو خمسين مليون عربي من أصل مائتا مليون.. فإذا كان أحدهم يضيع ثلاثة أشهر صيفًا، وشهرًا خلال بقية السنة بمعدل ساعتين يوميًا كوقت ضائع شتاء، فهذا يعني أن عدد الأيام الضائعة على مستوى الخمسين مليون إنسان عربي سنويًا يصل إلى أكثر من ٦ مليارات يوم ضائع تمامًا لا تستفيد منه عقول أبناء أمتنا العربية.. فتتضاءل الأفكار وتضمحل الأذهان ويصير الفرد عاجزًا عن حل مشاكله بنفسه بل يصنع مشكلات لأمته ومجتمعه.. ويتحول المثقف إلى نصف متعلم ونصف المتعلم إلى أمي.. ويصبح الفرد باحثًا عن حظه في الحياة أكثر من بحثه عن رسالته، ومن أين تأتيه الرسالة إذا كان عقله فارغًا، وفكره خاويًا، وذهنه مشتتًا في الأكل والنوم واللهو والسهر.
فالقراءة هي في الحقيقة استثمار للعقول والأذهان.. وإثراء للفكر والوجدان.. فمن قرأ كتابًا واحدًا صار له عقلان، عقله وعقل المؤلف.. وسوف يجد أنه قد أصبح شخصًا من نوع آخر، فإذا قرأ عشرة كتب في الصيف أو في أوقات الفراغ في الشتاء فإن هذا يعني أنه قد صار له أحد عشر عقلًا.. فإن قرأ مائة كتاب فقد امتلك (١٠١) عقل ولو استمر في القراءة لتحول إلى مفكر وعلامة.. أذكر أن المفكر الجزائري مالك بن نبي.. يقول إنه عندما وضع قدميه في المكتبة المدرسية كان فيها أكثر من ٤٠٠ كتاب فلم يتخرج في الثانوية خلال أربع سنوات إلا وقد أطلع عليها جميعًا.. ولما دخل الجامعة فعل ذلك وكانت نتيجة مطالعاته أنه ترك لنا أكثر من ثلاثين مؤلفًا وكتابًا عالج فيها أرقى وأفضل الموضوعات في الفكر العربي الإسلامي المعاصر.. كان أهمها مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي.. شاهد القرن، الصراع الفكري.
ويقولون عن الأمم الصناعية إن الوقت يقتلها لكون الإنسان فيها يعمل ليل نهار وبشكل صار الوقت فيها سيفًا عليه، ونحن في الأمم المتخلفة الوقت نقتله.. يمر أمامنا ككنز غير قادرين على الأخذ منه، والحقيقة أقول إن الوقت ينبغي ألا يقتلنا ولا نقتله إنما ينبغي أن نستفيد منه ونسخره.. بالشكل الذي تتم فيه المحافظة على كرامة الإنسان وقوة المجتمع دون مبالغة أو نقصان ودون إفراط وتفريط.
ويقولون الوقت من ذهب.. وأقول الوقت هو الحياة.. فمن لم يستفد من وقته فمن أي شيء يستطيع أن يستفيد؟
قال أحد الأصدقاء: لايزال لدي فسحة من العمر أستغلها في المطالعة والقراءة، قلت لو أدركت أهمية الوقت لعرفت أن ما فات منك لن يرجع وما بقي سيفوت سريعًا ثم تندم.. إن عمر الإنسان محدود.. حتى وإن عاش ستين عامًا كعمر متوسط فإن ٢٠ سنة منها تضيع في النوم وعشرين مثلها في طفولة وشيخوخة.. والبقية في أعمال وأنشطة وترفيه وطعام وشراب.. فماذا بقي للمطالعة والقراءة.. إن وقت القراءة يؤخذ ولا يعطى.. لأن وقت الفراغ لا يظهر إلا بعد فواته ولا تبدو خسارته إلا بعد وفاته.
صدقني أيها الصديق أن الوقت لدينا رخيص وأن وقت الفراغ لدينا كثير وأن ضياع هذه الأوقات يعني نكران النعمة التي أنعم الله بها علينا.. ووقت الفراغ مثل الصحة الجسدية نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس.. قال وما العمل.. قلت لا بد من برامج علمية وسياسات إجرائية على مستوى الدولة والأسرة وجميع المؤسسات المعنية.. وأيضًا على مستوى الإعلام لتأكيد حقيقة الوقت ولتمتلئ المكتبات العامة والجامعية بالزوار والدارسين والمطالعين.. ليتحول المجتمع إلى ورشة عمل.. لترى الكتاب في أيدي الناس يفخرون بحمله.. ويقرونه في كل وقت ضائع لديهم.. في الحديقة وفي الحافلة وفي انتظار الطبيب وفي كل مكان.. يقرءون بفخر واعتزاز.. قال صديقي أنت تحلم.. قلت كم من حلم صار حقيقة فإذا توافرت النية الحسنة وتوافرت الإرادة.. فإن المجتمع لقادر بإذن الله على تغيير الدنيا بأكملها.. فالشعب إذا أراد الحياة فإن الله بإذنه يستجيب.. قال الصديق دعني.. أغفو قليلًا.. وراح في غفوته.