; الأقليات الإسلامية.. المشكلات الثقافية والاجتماعية | مجلة المجتمع

العنوان الأقليات الإسلامية.. المشكلات الثقافية والاجتماعية

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 08-أبريل-1986

مشاهدات 64

نشر في العدد 762

نشر في الصفحة 32

الثلاثاء 08-أبريل-1986

• تسود جميع بلاد العالم غير الإسلامي نزعة للتحرر من الأحكام الخلقية فيما يتعلق بعلاقة الرجل بالمرأة.

 

 نشرنا في عددي المجتمع رقم 757، 758 مقالين عن الأقليات الإسلامية، ونتابع في هذا العدد تسليط الضوء على مشكلات الأقليات الإسلامية الثقافية والاجتماعية.

 

 ينبغي أن يسارع المختصون في الأجهزة العاملة في الدعوة الإسلامية إلى تكثيف نشاطهم وجهدهم بين الأقليات الإسلامية، لا سيما في آسيا وإفريقيا لنشر اللغة العربية. والقارة الإفريقية بالذات قابلة تمامًا لهذا النشاط «حتى على المستوى الرسمي» وفي آسيا يمكن أن يتم ذلك على المستوى الشعبي «أو عبر قنوات رسمية إذا اقتضى الأمر» ولكن هذا الهدف ينبغي ألا يترك هذه الأقليات وحدها لضعف الإمكانات في كثير من البلاد، وانعدام الخبرة أو التأهيل اللازم لذلك بين هذه الأقليات.

 

 إن هذا الهدف يحتاج إلى وضع خطة متكاملة تشترك في وضعها دول إسلامية وعربية، قادرة ماديًا وثقافيًا وسياسيًا، ويقتضي ذلك:

 

أ- إعداد الكتب التي تعلم اللغة العربية للأجانب بواسطة كبار المتخصصين «مع مراعاة اللغات السائدة بين هذه الأقليات المسلمة» ونشرها بأيسر الطرق بين الأقليات الإسلامية.

 

ب- التوسع في عدد المنح الدراسية المخصصة لدراسة اللغة العربية والدراسات الإسلامية «في البلاد العربية بالذات» لأبناء الأقليات الإسلامية.

 

جـ- مساعدة هذه الأقليات على إنشاء مدارس لتعليم اللغة العربية للصغار، والاهتمام بمستوى هذه المدارس ماديًا وتربويًا، وإيفاد المتخصصين لهذا الغرض مع تحمل كافة نفقاتهم.

 

د- جعل تعليم اللغة العربية للأجانب جزءًا من البرامج الإسلامية الموجهة إلى هذه الأقليات من إذاعات البلاد الإسلامية، واستخدام كافة الوسائل الفنية، كالأشرطة المسموعة والمرئية لهذا الغرض، وجعلها في متناول يد أبناء هذه الأقليات.

 

المشكلات الاجتماعية

 

 المشكلات الاجتماعية التي نقصدها هي التي تتعلق بحياة الأقليات المسلمة داخل مجتمعات غير إسلامية- وهنا تكون حرية كاملة للمسلم في الاعتقاد والتدين، بل وتكوين الجمعيات الإسلامية ونشر ثقافته وممارسة أنشطته الإسلامية كلها، ولكن مع ذلك تظل هناك مشكلات اجتماعية عديدة، يمكن أن نذكر نماذج منها، مع اقتراح ما يخفف من هذه المشكلات أو تقضي عليها في الزمن الطويل.

 

أولًا- مشكلة التعليم:

 

 تبدو مشكلة التعليم للأجيال الناشئة من الأقليات الإسلامية مشكلة معقدة، فنظم التعليم الآن في دول العالم تتصف بالعمومية والتخطيط القومي، واستهداف غايات معينة في إعداد الفرد وتنشئته ليكون مواطنًا، وهنا يكمن الخطر على المسلمين الذين يعيشون في هذه البلاد والذين تتجاوز أعدادهم الملايين أو حتى مئات الألوف، والخطر الأكبر أن التربية والتعليم في الإسلام لهما أصولهما الذاتية، بحيث يستهدف التعليم والتربية تنشئة «مسلم» في عقيدته وقيمه وخلقه وسلوكه في علاقاته بالناس، وذلك على عكس بعض نظم التربية التي تستهدف تنشئة «مواطن» بكل ما يقتضيه ذلك من التركيز الشديد على النزعة القومية والوطنية والتاريخية، التي تخدم هذا الغرض، وفي ظل هذا النظام من التعليم العام يتلقى الطفل المسلم حقائق الحياة وقيمتها الاجتماعية، ويتأثر في صغره بكل ما يلقى إليه، وتسود القيم التي يراد غرسها بحكم السن والاتصال والاختلاط، ولا يمكن للطفل في مرحلة متقدمة، حتى ولو أراد أن يغير من تأثير «التربية» التي تلقاها والتي تؤهله ليكون «مواطنًا» فحسب، إذ يعد الدين غير مقصود لذاته في معظم نظم التعليم في العالم، وذلك لاختلاف معنى الحرية الدينية عن معناها لدى المسلم، إذ الحرية الدينية لدى المجتمعات غير الإسلامية تعني حرية الفرد في الاعتقاد وممارسته أيًا كان هذا المعتقد، بينما حرية الدين في الإسلام تعني إقرار أهل الأديان الكتابية في المجتمع الإسلامي على معتقداتهم وحريتهم في ممارسة شعائرها.

 

 ولا شك أن نظم التعليم في البلاد غير الإسلامية لا تلتزم، وليست في الحقيقة مطالبة بأن تلتزم -الأصول الإسلامية في التربية والتعليم- وعلى هذا الأساس فالطفل أو الصبي المسلم لا بد وأن يستقبل في مراحل تعليمه الابتدائي والثانوي، نظريات لا تتفق مع الأصول الإسلامية مثل نظرية النشوء والارتقاء المعروفة بنظرية داروين، والتي تقوم على تطور الإنسان عبر آلاف السنين من كائن أدنى، ليصل إلى الخلقة التي سواها الله والتي نراها أمامنا وعرفها التاريخ منذ ظهوره، وكذلك النظرية الماركسية إلى تفسير التاريخ تفسيرًا ماديًا لا مجال فيه لذكر دور الأديان والرسالات.. إنها تحلل دوافع الإنسان في حركة حياته وسلوكه بغرائزه الدنيا ورغباته المكبوتة، كل ذلك لا بد أن يستقبله المسلم الصغير وهو في باكورة حياته، ويظل تأثير تلك الثقافة في فكره دائمًا، وقد لا يستطيع أن يتصدى لنقد هذا الفكر أبدًا بعد ذلك.

 

 لقد شاهدت حلًا من الحلول التي لجأ إليها المسلمون في بعض المجتمعات كالمجتمع الأمريكي- مدارس إسلامية قامت بها جمعيات عديدة «في فيلادلفيا على سبيل المثال» وهي تتولى تعليم الأطفال والصبية مبادئ الإسلام وكثيرًا من معارفه الأساسية، وقد رأيت بنفسي التزام هؤلاء الأطفال والذين يتولون تربيتهم، لكننا نجد المشكلة في أمرين:

 

1- الوقت اللازم للتعليم، إذ يتردد هؤلاء الأطفال على المدرسة في أيام العطلات فقط، وفي أيام الأسبوع الأخرى يكون انتظامهم في المدارس الحكومية.

 

2- الحاجة التي تدفع إلى وجوب الحصول على مؤهل دراسي نظامي، لإمكان الحصول على عمل أو مستقبل، وهي مسألة في غاية الأهمية ويجب التركيز على أهميتها حتى لا يصبح المواطن المسلم أقل شأنًا من غيره، مما يؤثر في قدرة الأقلية الإسلامية اجتماعيًا وسياسيًا فيما بعد.

 

ثانيًا- مشكلة الاختلاط:

 

 تسود جميع بلاد العالم غير الإسلامي، نزعة للتحرر من الأحكام الخلقية فيما يتعلق بعلاقة الرجل بالمرأة، وتحاول كثير من الأفكار المنحرفة تأصيل ذلك حتى وصل الأمر إلى محاولة القول بإن ذلك هو من أنواع المجريات فيما يسمى بالحرية الجنسية.

 

 وبالنسبة لهذه المشكلة فإنه ينبغي معالجتها بحذر، ولا يمكن أن نقول بوجوب انفصال الرجل عن المرأة في المجتمع، وذلك ضرورة لها أكثر من نفع، كما أن محاولة ربط الدين بهذه المشكلة ربطًا محكمًا يؤدي إلى بث اليأس في النفوس، لقد جربت ذلك بنفسي في بعض اللقاءات والأحاديث مع كثير من الأقليات الإسلامية، لا سيما في أوساط الشباب، إن العلاج الذي يؤدي إلى نتيجة، وهو جعل مسألة «الزي» بالنسبة للمسلمة مسألة هامة جدًا لكي تتميز عن غيرها، ولكي تمتاز أيضًا عن غيرها، والارتباط بالزي بالنسبة للفتاة بالذات سيكون بداية لالتزامها في مسألة الاختلاط، ذلك أنه لا يمكن بحث مسألة حق المرأة في العمل أو الدراسة أو نحو ذلك من سائر أنشطة الحياة في هذه المجتمعات. لقد تبين لي أن مسألة الزي بالنسبة للفتاة مسألة هامة تؤثر في سلوكها وتفكيرها بعد ذلك، وتحميها من كثير من مهاوي الرذيلة، وتقل حدة مشكلة الاختلاط إذا انتشر الزي الإسلامي بين نساء الأقليات الإسلامية «ونقصد به الزي الذي يحقق أحكام الشرع وليس زيًا معينا بالطبع».

 

ثالثًا- مشكلة الإعلام:

 

 إن مشكلة الإعلام تبدو مثل مشكلة التعليم، فهما وجهان لعملة واحدة هي حياة المجتمع الفكرية في البلاد غير الإسلامية، ولا شك أن أجهزة الإعلام المسموعة والمقروءة والمرئية تشكل جانبًا كبيرًا من فكر المواطن في تلك البلاد، وتضع في عقله ليس فقط المفاهيم المطلوبة «قوميًا»، ولكن المفاهيم التي تقوم على وضعها فئات من «المجرمين» لنشر الفساد عمدًا تحقيقًا لكسب مادي أو سياسي، ولا يمكن بطبيعة الحال التصدي لأجهزة إعلام قوية وقادرة داخل بلادها -بل وخارجها أيضًا- وهنا يكون العلاج في محاولة تحصين شخصية المستمع المسلم «بوسائل مضادة وحتى نقدم فكرة عملية إزاء هذه المشكلة نكتفي بوضع بعض الاقتراحات التي يمكن تطبيقها وتقبل التطوير والتعديل».

 

1- إرسال آلاف النسخ -على الأقل- من المجلات الإسلامية التي تصدر عن هيئات الدعوة القومية كرابطة العالم الإسلامي، إلى الجمعيات الإسلامية في بلاد الأقليات الإسلامية.

 

2- التفكير في إصدار مجلة كاملة رفيعة المستوى ذات حجم مناسب، وتتضمن موضوعات مختارة في الدين والفكر الإسلامي -باللغات الحية ولو مرة كل ثلاثة أشهر بإحدى اللغات الحية الإنجليزية - الفرنسية - الألمانية - الإسبانية.

 

3- إرسال مجموعة ضخمة من أشرطة الكاسيت التي تنتجها البلاد الإسلامية، وتوسيع مجال الثقافة الإسلامية التي تصدر بهدف، بهذه الوسيلة «السيرة - السنة - التاريخ الإسلامي - فتاوى إسلامية» وغيرها من موضوعات الفكر الإسلامي عمومًا، وكذلك إرسال أفلام مختارة من بلاد إسلامية إلى الجمعيات الإسلامية، لعرضها على أبناء المسلمين، لإحداث التوازن ولو بقدر محدود بين ما يسود هذه البلاد من إعلام ثقافي، وبين ما يجب أن يعرفه المسلم عن دينه وتراثه الفكري.

 

4- تكثيف الزيارات الميدانية للأقليات المسلمة، واختيار أوقاتها في المناسبات الدينية المختلفة، ووضع هدف للزيارة يتضمن الاتصال الثقافي بواسطة الوسائل سالفة الذكر، وزيادة تعريف هذه الأقليات بالبلاد الإسلامية، لا سيما البلاد العربية.

 

الرابط المختصر :