; المجتمع التربويي (العدد 1701) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربويي (العدد 1701)

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر السبت 13-مايو-2006

مشاهدات 49

نشر في العدد 1701

نشر في الصفحة 50

السبت 13-مايو-2006

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.. المعوقات والحلول (۱)  من (۲)

د. السيد نوح

  • الخوف من الأذى يعزز الرذيلة والفساد

  • استحضار عظمة الله يساهم في تأدية الرسالة

  • التهور والاندفاع يقودان إلى نتائج وخيمة

إن المقصود بمعوقات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كل ما يحول دون القيام بهذه الشعيرة، وكذلك كل ما يؤدي إلى تفريغها من مضمونها ومحتواها لو قامت فعلاً، فلا تثمر الثمرة المرجوة منها، ويمكن تصنيف هذه المعوقات إلى: معوقات داخلية، وأخرى خارجية على النحو التالي:

أولاً: المعوقات الداخلية

يراد بالمعوقات الداخلية ما يرجع إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأهمها :

1-  الخوف من الأذى الذي يمكن أن يصيب الإنسان في رزقه، أو أجله أوهما معا:

إن ذلك الخوف يمنع نفراً من الناس أن يمارس هذه الشعيرة، الأمر الذي يسمح بشيوع الرذيلة وانتشارها على حساب انكماش الفضيلة وانحسارها ويستطيع الأمر بالمعروف والناهي عن المنكر مغالبة هذا المعوق عندما يحدد سببه والباعث عليه، ولا سبب لذلك ولا باعث عليه سوى ضعف الإيمان، إذ لو كان الإيمان قوياً في النفس لقضى على الخوف بكل صوره وأشكاله، ويمكن تقوية هذا الإيمان بمراعاة ما يلي:

1- تذكر أن الله عز وجل أخبر

أن الملك كله له، لا سيما الرزق والأجل فقال سبحانه: 

﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1)﴾ (الملك: 1).

وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّة المتين﴾ (الذاريات: 58).

وقال تعالى: ﴿فِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (22) فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ (23)﴾ (الذاريات: 22-23).

وقال تعالي: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُّؤَجَّلًا ۗ وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا ۚ وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ (145)﴾ (آل عمران: 145).

وقال تعالى: ﴿قُل لَّا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ۗ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ ۚ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً ۖ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (49)﴾ (يونس: 49).

وقال تعالى: ﴿وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا ۚ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (11)﴾ (المنافقون: 11).

وقال تعالى: ﴿قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ﴾ (آل عمران : ١٥٤).

٢ - اليقين أن كل شيء مقضي عند الله ازلاً، ومقدر، ولن يتغير هذا القضاء، وذلك القدر سواء أدى المرء هذه الشعيرة أو لم يؤدها.

قال تعالي: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (22)﴾ (الحديد: 22).

وقال ﷺ «... رفعت الأقلام وجفت الصحف» (١).

3 - اليقين أن الخلق جميعاً لو اجتمعوا على إلحاق أذى بالمرء لم يرده الله فلن يستطيعوا، ولو اجتمعوا على جلب منفعة له لم يردها الله فلن يستطيعوا. 

قال تعالى: ﴿مَّا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا ۖ وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (2)﴾ (فاطر: 2).

وقال ﷺ «.... فلو أن الخلق كلهم جميعاً، أرادوا أن ينفعوك بشيء لم يكتبه الله عليك، لم يقدروا عليه، وإن أرادوا أن يضروك بشيء لم يكتبه الله عليك لم يقدروا عليه.... الحديث» (۲).

٤- النظر في سير المجاهدين، وكيف وطنوا أنفسهم على تحمل الأذى، بل دعوا غيرهم إلى أن يتحمل مثل ما تحملوا، فإن ذلك عمل على التأسي أو على الأقل المحاكاة والتشبه على حد قول الشاعر:

فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم *** إن التشبه بالكرام فلاح

هؤلاء سحرة فرعون لما انجلت الحقيقة أمامهم وزالت الغشاوة من على أعينهم خروا سجداً لله- عز وجل، وتوعدهم فرعون بالعذاب والتنكيل بهم، فلم يخافوا ولم يجزعوا، بل قالوا في تحد سافر ﴿قَالُوا لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا ۖ فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ ۖ إِنَّمَا تَقْضِي هَٰذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (72)﴾ (طه: 72).

وهذا لقمان يقول لولده: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا أَصَابَكَ ۖ إِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (17)﴾ (لقمان: 17).

5 -  استحضار أن لنا ذنوباً، وأن الأذى إن وقع فسيكون كفارة لهذه الذنوب، على حد قول السحرة لفرعون: ﴿إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ ۗ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ (73)﴾ (طه: 73)، وإن لم تكن ذنوب فالأجر والمثوبة والدرجات العلى من الله عز وجل لقوله ﷺ: «سيد الشهداء حمزة ورجل قام إلى إمام جائر» (۳).

6 - استحضار عظمة الله، ومعيته فإن ذلك يمنح المرء قوة لا يستهان بها ويلقي عليه مهابة تخيف المأمور، وتجعله لا يتجاوز قدره، ولنا في صنيع السلف أسوة وقدوة.

هذا أبو الحسن الباجي تلميذ عز الدين ابن عبد السلام، يقول: «طلع شيخنا عز الدين مرة إلى السلطان- نجم الدين أيوب سلطان مصر في يوم إلى القلعة، فشاهد العسكر مصطفين بين يديه، ومجلس المملكة وما السلطان فيه، يوم العيد، من الأبهة وقد خرج على قومه في زينته على عادة سلاطين الديار المصرية، وأخذت الأمراء تقبل الأرض بين يدي السلطان، فالتفت الشيخ إلى السلطان، وناداه بأعلى صوته والعساكر واقفون يا أيوب، ما حجتك عند الله إذا قال لك: يا أيوب ألم أبوئ لك ملك مصر، ثم تبيح الخمور؟ فقال: هل جرى هذا؟ قال: نعم، الحانة الفلانية تباع فيها الخمور، وغيرها من المنكرات، وأنت تتقلب في نعمة هذه المملكة؟ فقال يا سيدي ما عملته هذا من زمان أبي، فقال: أنت من الذين يقولون: ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ (22) (الزخرف: 22) فرسم السلطان بإقفال تلك الحانة (٤).

يقول الباجي: «فسألت الشيخ لما جاء من عند السلطان، وقد شاع هذا الخبر يا سيدي، كيف الحال؟ فقال: يا بني رأيته في تلك العظمة، فأردت أن أهيئه لئلا تكبر عليه نفسه، فتؤذيه، فقلت: يا سيدي، أما خفته؟ فقال: والله يا بني استحضرت هيبة الله تعالى فصار السلطان قدامي كالقط».

ب. الاندفاع أو التهور دون وزن الأمور، ودون تقدير للعواقب:

ذلك أن العاطفة وشدة الغيرة على دين الله- عز وجل واستشعار المسؤولية، كل هذا قد يحمل المرء على الدخول في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دون النظر في حال المأمور، وما حوله، والأسلوب المستخدم والوسيلة المترجمة عن المراد، ودون تقدير للعواقب، والآثار المترتبة على ذلك، ويكون ما لا تحمد عقباه من تعطيل هذه الشعيرة، أو تفريغها من محتواها.

والتغلب على تلك العقبة يكون باتباع هذه الخطوات:

1 - المعايشة الطويلة للسيرة والسنة النبوية، إذ كانت الأصنام في داخل الكعبة وحولها بعدد أيام السنة ولم يقم النبي بتكسيرها بنفسه أو يأمر أصحابه أن يقوموا بهذا الواجب ليقينه أن هذه الأصنام قد عششت وباضت، وأفرخت في قلوب العرب وتكسيرها ينبغي أن يبدأ أولاً من داخل الصدور وإذا نجح في ذلك فإن هؤلاء سيقومون بأنفسهم بتكسيرها وتطهير الكعبة وما حولها منها، وهذا ما وقع فعلاً يوم فتح مكة. ولو أنه بدأ بتكسيرها من أول يوم وإخراجها من الكعبة وما حولها لعمد هؤلاء إلى إعادتها ربما من ذهب بدل الحجارة لشدة تعلقهم بها، كأنه ﷺ وزن الأمور وقدر العواقب ورأى أن الأمر يقتضي ارتكاب أخف الضررين، ومثل ذلك حدث في توقفه عن إعادة بناء الكعبة على ما كانت عليه من عهد إبراهيم خوفاً من ردة العرب وأكثرهم حديثو عهد بالإسلام وقد صرح بهذا حين قال لعائشة رضي الله عنها: «لولا حداثة قومك بالكفر لنقضت البيت، ثم لبنيته على أساس إبراهيم عليه السلام....الحديث» (٥).

٢ - المعايشة الطويلة للنبيين من خلال قصصهم المذكور في القرآن الكريم وحسبنا موقف هارون من الذين عبدوا العجل حين كان موسى في المناجاة، إذ نفذ ما قاله له موسى حين سار للمناجاة، فقد قال له: ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (142)﴾ (الأعراف: 142).

ورأى أن الدخول في مواجهة مع هؤلاء قد يشعل حرباً أهلية لا يستطيع موسى إطفاءها حين العودة، ففضل الانتظار، منكراً بلسانه وقلبه، حتى جاء موسى، وأخذته العاطفة، والغيرة واستشعار المسؤولية فأمسك برأس أخيه هارون، وجره من لحيته قائلاً: ﴿قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (92) أَلَّا تَتَّبِعَنِ ۖ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (93) قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي ۖ إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي (94) ﴾ (طه: 92-94).

3 - الاطلاع على عواقب المندفعين أو المتهورين على نحو ما أثر عن حطيط الزيات أنه جيء به إلى الحجاج، فلما دخل عليه قال: أنت حطيط؟ قال: نعم، سل عما بدا لك فإني عاهدت الله عند المقام على ثلاث خصال: إن سئلت لأصدقن، وإن ابتليت لأصبرن وإن عوفيت لأشكرن.

قال: فما تقول في؟

قال: أقول إنك من أعداء الله في الأرض، تنتهك المحارم، وتقتل بالظنة قال: فما تقول في أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان؟ قال: أقول إنه أعظم جرماً منك، وإنما أنت خطيئة من خطاياه، قال الحجاج: ضعوا عليه العذاب، فانتهى به العذاب إلى أن شقق له القصب، ثم جعلوه على لحمه وشدوه بالحبال، ثم جعلوا يمدون قصبة قصبة حتى انتحلوا لحمه، فما سمعوه يقول شيئاً ، فقيل للحجاج إنه في آخر رمق.

فقال: اخرجوا فارموا به في السوق، قال جعفر: فأتيته أنا وصاحب له، فقلنا له حطيط.. ألك حاجة؟ قال: شربة ماء، فأتوه بها ثم مات، وكان ابن ثماني عشرة سنة (٦).

فهذا الشاب الممتلئ عاطفة وغيره ألقى بنفسه في أتون الموت دون ثمن يذكره.

4 - النظر الدائم في سير الحكماء من أبناء هذه الأمة مفسرين، ومحدثين وفقهاء، وأصوليين ونحوهم، وترويهم، وتأنيهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن ذلك من شأنه أن يحمل على التروي، وعدم الاندفاع وما أكثر الأحاديث والآثار المروية في ذلك.

5 -  تدبر العواقب المترتبة على الاندفاع، أو التهور، إذ قد يكون من هذه العواقب إبادة الألوف، بل ملايين الناس على نحو ما صنع، ويصنع الطغاة مع معارضيهم في العالم وخير شاهد على ذلك المقابر الجماعية التي تضم الألوف في العراق، وفي البوسنة والهرسك، وفي كوسوفا، وغيرها من العالم، وقد يكون منها فتح الباب أمام المنكر ليستفحل خطره ويعظم شأنه، وهكذا فإن من يقف على هذه العواقب، ويتدبرها: يعمل على مجاهدة نفسه، ويحرص على ضبطها بما يجعل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ماضياً، مثمراً إلى قيام الساعة.

٦ - استشعار المسؤولية غداً بين يدي الله، عز وجل، لا سيما إذا أدى التهور، أو الاندفاع إلى سفك دماء، وسلب مال وانتهاك أعراض، فإن الله- عز وجل- سائل كل واحد من هؤلاء عن هذه الدماء والأموال، والأعراض: لم أريقت؟ ولم سلبت؟ ولم انتهكت؟ ولن يجد المرء جواباً حينئذ سوى الاندفاع أو التهور في الذي كان بمقدوره أن يتأنى ويتريث فيه منتهزاً الفرصة المناسبة للمضي بهذه الشعيرة حتى يبلغ الكتاب أجله.

الهوامش

(۱) جزء من حديث أخرجه أحمد في المسند ٢٩٣/١ رقم ٢٦٦٩ والترمذي في السنن ص ٥٧٢ رقم ٢٥١٦.

(۲) الحديث جزء حديث أخرجه أحمد في المسند ۳۰۷/۱ رقم ۲۸۰۳ من حديث ابن عباس مرفوعاً به فأمره ونهاه، فقتله فدخل الجنة.

(۳) الحديث أخرجه الحاكم في المستدرك: كتاب معرفة الصحابة: باب من قام إلى إمام جائر للحق فقتله، فهو سيد الشهداء ۱۹۹٩/٤ رقم ٤٩٣٦ من حديث جابر مرفوعاً بهذا اللفظ، ولم يذكر فيه: فدخل الجنة، وعقب عليه بقوله: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، وقال الذهبي في سير أعلام النبلاء ۱۷۳/۱: «غريب» ومرة ضعيف وله طرق يصير بها حسناً». 

(٤) انظر: طبقات الشافعية ۲۱۱/۸، طبقات المفسرين للداودي ۳۱۱/۱.

(5) الحديث أخرجه البخاري في الصحيح كتاب الحج باب فضل مكة، وبنيانها ص ٢٥٧ رقم ١٥٨٢.

(6) انظر: إحياء علوم الدين ٣٤٥/٢ - ٣٤٦

 

تأملات

العبادة بين التكليف والتيسير

الإسلام دين الوسطية والاعتدال وقد جاء لتيسير أمور الناس وتوجيهها إلى خالقها أرحم الراحمين، فليس النبي ﷺ - إلا رحمة مهداة، وليست التكاليف الشرعية إلا تحقيقا لمصالح العباد الدنيوية والأخروية.

قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (البقرة : ١٨٥).

إن هذا العموم في التيسير والوسطية والاعتدال أمر شائع في كل مناحي الإسلام من تكاليف وعبادات ومعاملات وأخلاق وغيرها، والذي سنركز عليه هنا هو جانب العبادة، فأين تتجلى وسطية الإسلام في العبادات والتكاليف الشرعية؟ وهل راعي الإسلام في ذلك مصالح البشرية ومشاغلها؟

أول شاهد على ذلك هو محدودية التكاليف الشرعية، فتجد الإسلام يطالب- المسلم بخمس فرائض يومياً موزعة على اليوم- والليلة ومراعية أوقات طلب الرزق والمعاش وأوقات النوم والاسترخاء، وقد جاء في حديث الإسراء أن النبي ﷺ راجع ربه في التخفيف- على أمته في الصلوات حتى جعلها الله خمساً في العدد، خمسين في الأجر والثواب.

وإذا تجاوزنا أمر الصلاة إلى بقية أركان- الإسلام فإن الأمر يزداد وضوحاً حيث فرض الصوم في شهر واحد من السنة، ومن اليوم وجه النهار فقط، وأبيح في الليل الأكل والشرب والاستمتاع بكل حلال ﴿أُأُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَائِكُمْ ۚ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ ۗ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ ۖ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ۚ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ۖ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ (البقرة: ۱۸۷)، وغيرها من تكاليف الشرع التي فرضها الإسلام.

وقد ختمت هذه التكاليف كلها برحمة ويسر ما بعده يسر قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ﴾ (البقرة : ٢٨٦)، وقال ﷺ «إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» (رواه البيهقي وابن ماجه).

ثم إن المتتبع لتكاليف العبادة يلحظ جانباً آخر مهماً وهو أن هذه العبادات تأتي استجابة لمتطلبات الروح وتلبية لرغبات الجسد، قال -صلى الله عليه وسلم- للنفر الذين أرادوا أن يكلفوا أنفسهم من العبادة فوق المطلوب: «أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم، ولكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني» (رواه البخاري).

وهذه العبادة تكسب الفرد والمجتمع من القيم والفضائل ما لا غنى عنه، وتحقق مصالح الجميع حيث تشيع الطمأنينة والتعاون والتكافل وغيرها من الفضائل التي هي سر سعادة المجتمعات.

إن العبادة التي هي حبل الصلة بين العبد وربه لا تتوقف فوائدها على تحقيق المصالح الدنيوية والآنية فقط، بل تتجاوز ذلك إلى ما هو أبعد وأهم، فقد رتب عليها الباري سبحانه وتعالى من الأجر والثواب يوم القيامة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.

إن مراعاة الإسلام لمصالح الناس والتيسير عليهم ليس من خلال تنوع الفروض ولا محدوديتها ولا ما فيها من المصالح الدنيوية والأجور الأخروية فقط كلا إنه جعل مع اليسر يسراً آخر وهو أعم وأشمل ذلك أن كل أعمال الإنسان وعاداته من طلب الرزق وأكل وشرب يدخل في نطاق العبادة التي يثاب صاحبها عليها ويؤجر.

الأمر لا يحتاج منك سوى النية وتصحيح القصد أن يكون نومك من أجل التقوية على الصلاة والكسب الحلال، وطلبك للرزق لتغني نفسك عن الحرام ومذلة السؤال واستمتاعك بالحلال لتكف نفسك عن الحرام، أي شيء أسهل من ذلك وأي وسطية واعتدال تجمع بين عادات المرء وحاجاته وبين عبادته لربه؟

إن طالب اليسر في غير الإسلام قد ضل مسعاه وانقطعت به السبل.

وخير ما نختم به هذا المقال قوله تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ۖ﴾ (القصص: ۷۷).

الرابط المختصر :