العنوان الأمل لا ينقطع ولو أظلمت الدنيا
الكاتب حجازي إبراهيم ثريا
تاريخ النشر الجمعة 08-فبراير-2013
مشاهدات 64
نشر في العدد 2038
نشر في الصفحة 12
الجمعة 08-فبراير-2013
* أليس عهدنا أن ننصر الله؟ وفي ذلكم بشارتنا بنصر الله لنا وتثبيت الأقدام منا.
* عمر التلمساني: إنَّا بالغون ما نريد وسنجد ما وعدنا ربنا حقاً وسنقيم الحق ولو في أودية الأبالسة.
* اشتدي أيتها المعركة الرهيبة فإنا جند الله الغالبون واشتدي هوج الرياح فإنَّا القبس الذي سيجد الضالون عليه الهدى.
وقعت بين يدي أعداد من مجلة «المسلمون» والتي كانت تصدر في الخمسينيات من القرن الماضي، فأخذت أنقِّب فيها عن الدرر والياقوت الذي انبعث من ثنايا القلوب المؤمنة وحنايا النفوس المطمئنة الموصولة بالله تعالى.
كلفت نفسي عناء استخراج هذا اللؤلؤ من صدفاته؛ حتى يكون شعاعاً من ضوء، يهدي الحيارى، ويبعث الأمل، ويجدد الرجاء في قلوب كاد أن يتسرب إليها اليأس، وأن يخيم عليها القنوط، لا سيما بعد توالي الأحداث يوماً بعد يوم، وما من يوم يمر إلا والذي بعده أشد منه، شدائد تترا بعضها إثر بعض، وظلمات بعضها فوق بعض.. ووسط تلك الظلمة، أصبح المسلمون واحداً من اثنين: شاكٍ ظلم العباد، فاقد لكل أمل ورجاء، إلا في الله سبحانه.
ومجاهد موصول بالله تعالى، لم تلن له قناة، ولم تهن منه عزيمة، لأنه قد وطَّن النفس على المضي إلى نهاية الطريق، مهما لقي من صعاب، أو تكبد من مشاق، فلقد وطَّن النفس على النصر أو الشهادة.
وقراءة هذه الشكوى وصداها في النفوس المؤمنة مع فتح الله على المؤمنين بعد محن أظلمت في نفوس وأشرقت في أخرى.
إن الواقع ينطق بصدق كل كلمة انبعثت من النفوس المؤمنة الصادقة، وكأنهم يقرؤون المستقبل من صدقهم بما حكاه القرآن الكريم من ماضي الأمم السابقة، وأن ذلك سُنة لا تتخلف.
وكأن التاريخ يعيد نفسه، فلقد صدرت هذه الشكوى منذ عام 1952م، فكأنها صورة حقة لما وقع في حينها من أحداث عام 1954م، وما ترتب عليها من إعدام على أعواد المشانق، وسجن وتعذيب، وصل في بعض الحالات إلى عشرين عاماً، وأن بعضهم مات تحت التعذيب، وما وقع بعدها في عام 1966م من إعدام وسجن وتعذيب وقتل تحت التعذيب، وما وقع بعد ذلك، حتى أشرقت ثورة 25 يناير 2011م بمصر، فقلبت الواقع، وأضحى الرئيس سجيناً، والسجين رئيساً، ولله في خلقه شؤون، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
يقول صاحب هذه الشكوى تحت عنوان «خاطرة»: في صدورنا جذوة من الأمل لا يزيدها ضرب الرياح إلا توهجاً، غير أن عتمة الليل تبدو - أحياناً - في نور هذه الجذوة الخافق شديدة قاسية. نحن نعيش في مستنقع قذر، في عالم موبوء ملوث، امتدت يد الشيطان إلى الأنفس والرؤوس: فالآراء سقيمة، والمشاعر سقيمة، والأوضاع سقيمة، وكل ما يحيط بالإنسان يبعث على الألم.
تُرى هل سنستطيع في هذه المباءة أن نقيم بناء الحق، أن نقيمه على أساس، وأن نراه يوماً سامقاً، مرفرف الراية مشرق الجنبات؟! من يستطيع؟
أنت وحدك يارب، أنت يارب الأنفس، ومالك هذا الملك، ومنزل هذا الكتاب. نحن وحدنا لا نستطيع.
إن العين لتكل في هذه الزوبعة من الظلام، وإن أنفاسنا تقطعها هذه الزلازل في الشرق والغرب، وهذه الهزات الأليمة في مجتمعنا المنكوب.
هذه الرؤوس الخاوية لا تدري شيئاً، وهذه الأنفس العابثة الشاردة لا تبالي بحق أو باطل، وهذه الوحوش البشرية الوالغة في الدم الحرام، وهؤلاء «الطيبون» بلغة العصر الذي يُعْبَثُ بهم، وتُسْتَغَلُّ غفلتهم وجهلهم، ولا يدرون أين هم؟ ولا ماذا يراد بهم؟
مَنْ مِنْ بين هؤلاء جميعاً سيدركه سر الله سبحانه، فيقيمه غازياً كريماً، أو يحطمه مجرماً لئيماً عنيداً؟ هي معركة رهيبة لم تبدأ بعد، ولا تزال الأيام تصنع جندها عن يمين وشمال.. يا عين الله! ماذا ترين؟
اغفري زلاَّتنا وعثراتنا، استري عوراتنا، باركي هذا الخير في نياتنا، ولا تتخلِّي عنا يا عين من لا ينام، ليس شكّاً يا عالم السر والنجوى، ولكنها شكوى.
اللهم لك الحمد، وإليك المشتكى، وأنت المستعان».
وفي مقابل هذه الشكوى الحارة، والمناجاة الدامعة، كان ذلك الرد القوي من الكلمات، ومما يعطيه بعداً وعمقاً أنه صدر عن أستاذنا الكبير الأستاذ عمر التلمساني - يرحمه الله تعالى - في وقت لم يكن يعرفه إلا القليل، ولم يكن وقع ما كان يخبئه له القدر؛ ليظل في غياهب السجون ما يقرب من العشرين عاماً ليعلن أن تلك الكلمات التي خطها بقلمه كانت نابعة عن إيمان عميق الجذور، وإدراك كامل لمقتضيات هذا الإيمان، وفهم واضح جلي لمشقات الطريق وشدائده، وأن المؤمنين الصادقين لا بد أن يمسهم القرح، وأن النصر لن يتحقق إلا بعد أن تمسهم البأساء والضراء ويزلزلوا: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم ۖ مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ ۗ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [ البقرة: 214]
وفي إعادة نشرها على حمَلة الدعوة بيان أن قول الله تعالى: ﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: 23] ، ولا يزال ذلك يتحقق في كل عصر وجيل، إنه عطاء القرآن المتجدد. ويزيد الله المؤمنين يقيناً بما أجرى في كونه من أحداث خال العامين الماضيين ل في المنطقة العربية، فرفع من شاء وخفض من شاء: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ ۖ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [ آل عمران: 26]
يقول الأستاذ عمر - يرحمه الله تعالى- تحت عنوان «يا صاحب الشكوى»: في قلوبنا قبس من الإيمان، لا يزيده عصف الحوادث، إلا تأصلاً ورسوخاً.. الضوء واهن حقاً، ولكن يُسار على هداه في حلوكة الغسق القاتم، ومتى عاش الهداة والمصلحون في غير مثل هذه الأجواء؟ ولمن تبعث الرسل إذا صلح حال العامة، وأمن الناس أجمعون؟!
الآراء سقيمة.. والمشاعر سقيمة.. والأوضاع سقيمة.. ولكن.. أليس هذا هو ميدانك، وتلك هي مهمتك؟ وهل نبت الدعاة إلا في مستنقع الضلالة؟ وهل قام المصلحون إلا في عباءة الغباء الفكري، ولوثة العقول التائهة في بيداء العتو وسطوة الشيطان؟
أجل إنَّا بالغون ما نريد، وسنجد ما وعدنا ربنا حقاً، وسنقيم الحق ولو في أودية الأبالسة.
بل ولقد أقمناه فعلاً في محيطنا المحدود، وإنا لمقيموه في الغد القريب أو البعيد، مسحوق الذرا فوق أركان هذا الكون الفسيح.
أليس عهدنا أن ننصر الله؟ وفي ذلكم بشارتنا بنصر الله لنا وتثبيت الأقدام منا. المعركة رهيبة.. ما في ذلك من شك، بيد أننا في هذا العنف نستروح صفاء الأرواح، وفي تلكم المرارة نتذوق حلاوة الكفاح. اعنفي أيتها المعركة الرهيبة، فإنا جند الله الغالبون، واشتدي هوج الرياح، واحلولكي ظلمات العسف والطغيان، فإنا القبس الذي سيجد الضالون عليه الهدى، وبدفئه يصطلون.
أنت وحدك القادر يارب الصغير والكبير.. أنت القادر وحدك على كشف الغمة.. فاجعلنا أهل دعوتك، وحملة رسالتك، وهداة أمتك.. وحسبنا هذا منك منَّا، وحسبنا هذا منك رضاء.. ثم حسبنا ذلك عندك مثوبة وجزاء. ليس اعتداداً.. ولكنك مانح القوة والحياة، فهي بك ومنك، ولك وإليك.. لك العتبى حتى ترضى.
(*) من علماء الأزهر الشريف