العنوان قراءة تحليلية للتقرير الأممي حول الصحراء.. الأمم المتحدة تستعد لفرض مشروع الحل السياسي على البوليزاريو
الكاتب مصطفى الخلفى
تاريخ النشر السبت 28-يوليو-2001
مشاهدات 54
نشر في العدد 1461
نشر في الصفحة 28
السبت 28-يوليو-2001
- عرض دولي مغربي بحكم ذاتي في الصحراء يتضمن ويحدد أسلوب إدارة الإقليم ويخصص 20% من الثروة للسكان
- متغيرات دولية وداخلية أدت لكسر جدار التصلب الجزائري حيال الحل السلمي للقضية
تتجه قضية الصحراء نحو مرحلة جديدة كليًّا، تختلف عن المسار الذي عرفته طيلة عقد التسعينيات من القرن العشرين، حيث كانت مرتهنة لمشروع استفتاء عقيم، إلا أن المرحلة الجديدة لا تعني أن المشكلة قد حلت، بل على العكس، بقيت المشكلة في جوهرها بما يمكن للغرب من التدخل في المنطقة وإضعاف برامج التنمية المستقلة وإعاقة أي تكامل مغاربي عبرها، لا سيما في الإبقاء المعلق على مشروع استفتاء بعد خمس سنوات حول مستقبل الصحراء.
وقد أحدث تقرير كوفي عنان المقدم لمجلس الأمن أواخر أبريل المنصرم بخصوص الصحراء صدمة غير متوقعة عند عدد من المتتبعين للملف وذلك بحديثه الملتبس عن أن تقدمًا ملموسًا قد تحقق نحو تحديد ما إذا كانت حكومة المغرب بوصفها الدولة القائمة بالإدارة في الصحراء الغربية على استعداد لعرض أو تأييد نوع من انتقال السلطة إلى جميع سكان الإقليم وسكانه السابقين وهو أمر أصيل وجوهري ويتماشى مع القواعد الدولية (الفقرة 19 من التقرير)، وتم الارتكاز على هذه النقطة لاقتراح تمديد ولاية بعثة المينورسو إلى غاية 30 يونيو 2001، ليتم المبعوث الوسيط الدولي جيمس بيكر مواصلة مشاوراته حول مشروع التسوية السياسية، بمعنى أن كوفي عنان مهد للمشروع الأممي المتعلق باقتراح حكم ذاتي موسع للصحراء عن طريق استصدار موقف مغربي داعم مبدئيًّا للمشروع ومستعد للتباحث بشأنه، وهي نقطة مساعدة لعنان في مسعاه لإقناع أعضاء مجلس الأمن، ونذكر أنه واجه في السنة الماضية صعوبة داخل مجلس الأمن من أجل إقرار فكرة البحث عن بديل للاستفتاء في قرار مجلس الأمن الصادر في 25 يوليو 2000م.
وكما هو واضح من الفقرة المتعلقة بحصول تقدم جوهري في الموقف المغربي، لم يقدم كوفي عنان أية تفصيلات حول المقصود باستعداد المغرب لـ «عرض أو تأييد نوع من انتقال السلطة»، اللهم إلا إشارة عامة وغامضة حول انسجامه مع «المعايير الدولية» والواقع أنه يصعب إيجاد وثيقة مجمع عليها تحدد بدقة المقصود بالقواعد الدولية خصوصا في ظل وجود تجارب متباينة، وهوما يفتح الباب على احتمالات وقراءات متعددة خصوصا وأنه لم يصدر من الأطراف المعنية أدنى توضيح طيلة الشهرين الماضيين عن هذا التقدم اللهم إلا من تسريبات هنا وهناك، وهذا التعتيم برر بدعوى الحرص على حماية المفاوضات المقبلة من أي تشويش إعلامي أو شعبي قد يؤدي إلى نسفها أو إعاقة تقدمها، وما يعزز ذلك هو أن الخطاب الرسمي المغربي ما يزال متشبثا بالموقف المعلن عنه في ختام اجتماع برلين في 28 سبتمبر 2000، وذلك من خلال الحديث عن حل في إطار اللامركزية والإجماع والسيادة.
عند تحليل التقرير الأممي والتطورات التي تلته، نلاحظ وجود مسعى أممي لرفع درجة الضغط على البوليزاريو وضمنيًّا على الجزائر حيث تم توجيه النقد إلى المسلكيات العسكرية للبوليزاريو وانعكاساتها السلبية على اتفاق وقف إطلاق النار المعمول به منذ سبتمبر 1991م، وإلى جانب ذلك مسألة استمرار ما يزيد عن 1480 أسيرًا مغربيًّا في معسكرات بتندوف والذين من المفروض أن يجري العمل على إطلاق سراحهم حسب مقتضيات الخطة الاستفتائية، وعند مقارنة هذا المنحنى بالتقرير ما قبل الأخير (تقرير 20 فبراير 2001م) سنجد الوضع معكوسًا حيث كان هذا الأخير سلبيًّا في اتجاه المغرب فقد تم التهديد باعتماد مسطرة سريعة للبت في الطعون المقدمة حول نتائج أعمال لجنة تحديد الهوية، والمقدر عددها بـ 13 ألف طعن وقد جاء هذا التهديد على خلفية مطالب المغرب بالتعبير عن استعداده لاقتراح أو قبول تفويض جزء من سلطاته ذات العلاقة بالسكان وهو تفويض يجب أن يكون حقيقيًّا ومنسجمًا مع المعايير الدولية وذلك المطلب يعود إلى أواخر أكتوبر 2000، وقد استنكف المغرب طيلة تلك المدة الممتدة من ذلك التاريخ إلى أواخر أبريل 2001م أي حوالي ستة أشهر عن الاستجابة للمطلب الأممي وهو ما فسر بكون المغرب يعتبر أي حديث عن التفصيلات الإجرائية ذات العلاقة بطبيعة الحكم الذاتي ومراحل تطبيقه واختصاصات المؤسسات السياسية لمنطقة الحكم الذاتي ونوعية العلاقة بين السلطة المركزية بالرباط، هو بمثابة إضعاف لموقفه التفاوضي في الوقت الذي لم يصدر فيه عن البوليزاريو والجزائر أدنى استجابة أو موقف يشتم منه القبول المبدئي بالعرض المغربي، إلا أن التطورات التي عرفتها السياسية الخارجية الجزائرية وتحديدًا في شهر أبريل الماضي تجاه الموضوع شجع المغرب على الاستجابة للمطلب الأممي، وقبل التفصيل في عناصر هذه الاستجابة التي سمّاها كوفي عنان تقدمًا جوهريًّا بداية تكسر جدار التصلب الجزائري.
خيار الاستفتاء
منذ إعلان المغرب عن اقتراحه الرامي لبدء حوار صريح حول النزاع في 28 سبتمبر 2000 والجزائر ترفع من حدة لغتها الرافضة بصرامة لهذا الطرح والمتشبثة بخيار الاستفتاء واستمر الموقف الجزائري الرسمي حتى أواخر أبريل معبرًا عن ذلك مثلما حصل في جلسة 17/4/2001م بالمجلس الشعبي الوطني (البرلمان الجزائري)، عندما جدد عبدالعزيز بلخادم وزير الخارجية الجزائري تأكيد موقف الجزائر المتشبث بخيار الاستفتاء والمعتبر أن هذه القضية ليست وليدة سنة 1975، وهو ما يعني رسالة غير مباشرة ترد على الاقتراح المغربي الداعي لفتح حوار ينهي هذا النزاع الذي دام 25 سنة، أي منذ 1975م، وهذا الموقف الجزائري محكوم برغبة دفيئة في إدامة النزاع واستمرار الوضع على ما هو عليه لما لذلك من تأثير على مجريات الأزمة الجزائرية وصراع التكتلات داخلها من جهة أولى، كما أن تمكين المغرب من تصفية المشكل الصحراوي سيكون له دور في انبعاث الفعالية الديبلوماسية للمغرب وما ينتج عن ذلك من منافسة للجزائر من جهة ثانية، ويضاف لما سبق أن السماح بمشروع حكم ذاتي في الصحراء في ظل السيادة المغربية سينسف الحلم الجزائري في إيجاد منفذ بري على المحيط الأطلسي وتوظيف الجمهورية الصحراوية كمنطلق لسياستها في الغرب الإفريقي.
تحولات الموقف الجزائري
إلا أن هناك تطورات موازية، تعضدها عدة مؤشرات حول إرهاصات التحول في الموقف الجزائري لصالح مشروع التفاوض حول الحل السياسي، وبرز ذلك بوضوح في زيارة وزير الخارجية المغربية محمد بنعيسى بمعية مدير الديوان الملكي محمد رشدي الشرايبي إلى الجزائر في الآونة الأخيرة قبيل انطلاق أشغال اللجنة الدائمة للتعاون العربي – الأفريقي بالجزائر في أواسط أبريل الماضي، وقد ظهر واضحًا أن زيارة وزير الخارجية المغربي ارتبطت بقضية الصحراء المغربية والسعي لبناء أسس حوار مغربي – جزائري حول الموضوع، وحسب المعطيات التي تسربت من الزيارة، فإن الرئيس الجزائري بوتفليقة طلب مهلة للتفكير، كما أن عبدالعزيز بلخادم في ختام مشاركته في أشغال المنتدى المتوسطي بطنجة ( يضم 11 دولة متوسطية) في 10-11 مايو 2001 أعلن عن استعداد الجزائر لدراسة الاقتراحات المتعلقة بالحل السياسي إذا ما عرضت عليها، وقد شكل هو مؤشرًا ثانيًا على حصول تغير في الموقف الجزائري فما هي أسباب ذلك؟ وهل يجسد تحولًا حقيقيًّا؟
العناصر التي أدت لبداية تكسر جدار التصلب الجزائري في موضوع الحل السياسي متعددة، ويمكن إجمالها في:
- ارتفاع حدة الضغط الغربي وخصوصا من طرف كل من فرنسا والولايات المتحدة وإسبانيا بل وحتى من طرف بريطانيا، حيث أصبحت الجزائر تقدم كمعرقل للرغبة الدولية في تسوية نزاع الصحراء بما يراعي مصالح مختلف الأطراف، ويمكن هنا أن نرصد كحيثيات لذلك من جهة أولى اشتداد الحملة الفرنسية غير المباشرة على الجزائر، ومن جهة ثانية نجد الارتياب والتحفظ الأمريكي من الاتفاق الإستراتيجي الروسي – الجزائري والذي توج بصفقة سلاح تبلغ 2,5 مليار دولار مما يعد ضربة موجهة للمشروع الأمريكي الراغب في إعادة هيكلة البنية العسكرية الجزائرية وإدماجها من جديد في المنظومة العسكرية الأمريكية، وهو ما أدى في المقابل إلى تعزيز مكانة المغرب الإستراتيجية، كما أن الإعلان عن تعيين مارغريت تاتويلر في 29 مارس الماضي كسفيرة أمريكية جديدة بالمغرب وإبراز ارتباطها بجيمس بيكر وكذا قدراتها التفاوضية، كل ذلك مثل رسالة واضحة على العزم الأمريكي على إعطاء الأولوية لخيار الحل السياسي لقضية الصحراء وضرورة الانخراط الجدي في التفاوض حوله ومن جهة إسبانيا وبريطانيا، فإن الإعلان عن صفقات تسلح لصالح المغرب من طرف البلدين (صفقة بريطانية بقيمة 5 ملايين دولار وصفقات سلاح إسبانية في سنة 2000 بقيمة 6,5 ملايين دولار)، فيه دلالة واضحة على أن البلدين يرفضان مسعى الإضعاف الكلي للمغرب. وقد جاءت بعض الخطوات الديبلوماسية لتبرز ذلك فمن ناحية تباحث مبعوث عالي المستوى من الخارجية الجزائرية حول تطورات موضوع الصحراء مع كاتب الدولة الإسباني للشؤون الخارجية «ميغال نادا سيغال» في بداية هذا الشهر، ومن ناحية أخرى، فاجأ سفير بريطانيا بالمغرب جل الأطراف بتصريحاته حول دعم بريطانيا لجهود جيمس بيكر للوصول إلى حل سياسي لنزاع الصحراء في إطار السيادة المغربية، (17 مارس الماضي)، وهي التصريحات التي كشفت لأول مرة عن الموقف البريطاني في الموضوع وأضاف معطى جديدًا صعبًا على الدبلوماسية الجزائرية تجاهله رغم محاولات الالتفاف حول تصريحات السفير البريطاني بالمغرب، ويمكن أن موقف الاتحاد الأوروبي الأخير والذي عبر عنه المندوب الأوروبي المكلف بالشؤون الخارجية كريستوفر باتن في 18 يونيو الماضي معلنا أن الاتحاد الأوروبي يدعم مبادرة المغرب لتسوية القضية.
لهذا نعتقد أن التراكمات الحاصلة في الموقف الغربي شكلت عنصر ضغط قوي دفع في تليين الموقف الجزائري وإخراجه من حالة التصلب.
- العنصر الثاني يتمثل في العرقلة الناجمة عن موقف الرفض للحل السياسي، للمشاريع الجزائرية في تنشيط الاتحاد المغاربي وإنعاش الفعالية الدبلوماسية الجزائرية وقد ظهر ذلك في اجتماع مجلس وزراء خارجية دول المغرب العربي في 18-19/3/2001م فرغم أن انعقاده يمثل نجاحًا، إلا أن ضعف القرارات المتخذة والتي كشفت عن استمرار الأزمة المغاربية جعلت من الصعب توقع نجاح الجزائر في عقد القمة المغاربية قبل نهاية هذه السنة اللهم إلا إذا حصل تطور إيجابي في علاقات المغرب - بالجزائر، وهو الشيء الممكن في حالة واحدة وهي تليين موقف الجزائر إزاء بدء التفاوض حول الحل السياسي، وهذا ممكن ولن يكلف الجزائر كثيرا، وللتذكير فإن انطلاق الاتحاد المغاربي في 17 فبراير 1989 توازى مع بدء المفاوضات حول تسوية النزاع في إطار الأمم المتحدة، وهي المفاوضات التي أثمرت الاتفاق على خطة للاستفتاء تبدأ بإعلان لوقف إطلاق النار.
- يضاف إلى العنصرين السابقين عنصر ثالث يرتبط بتطورات الوضعية الداخلية الجزائرية اقتصاديًّا واجتماعيًّا وأمنيًّا وسياسيًّا، فبعد مرور سنتين على تولي بوتفليقة السلطة بدأت عناصر فشله الداخلي تتضح ولم يبق له إلا الرهان على نجاحه في استعادة المكانة الديبلوماسية والخارجية للجزائر، وهو شيء له ما يعززه خصوصًا على الصعيد الإفريقي وكذا العربي، إلا أن العقبة المتبقية هي الوصول إلى تفاهم مع المغرب، وقد شكلت الأحداث الأخيرة لمنطقة القبائل بتداعياتها السياسية والأمنية والإقليمية والتي طرحت لأول مرة مسألة استقالة الرئيس بوتفليقة وتنحيه عن السلطة، ورغم أنه رد بعنف على هذا الأمر إلا أن في ذلك دلالة واضحة على عمق الأزمة الداخلية.
خطوة مغربية مفاجئة
إن هذه الحيثيات تفسر الخطوة المفاجئة للمغرب في اتجاه الجزائر، بإرسال وزير الخارجية المغربي إليها لبسط عناصر التصور المغربي لمشروع الحكم الجهوي – الذاتي ليكون ذلك عنصرًا مشجعًا لبدء حوار مغربي – جزائري في الموضوع كما يفسر أيضًا الاستقبال الوازن له من الجزائر حيث حضر في اللقاء مع بن عيسى وبوتفليقة رئيس الوزراء الجزائري ومسؤولون على أعلى مستوى فضلا عن غياب رد عنيف للجزائر على هذه الخطوة، بل وتشجيعها للبوليزاريو على تدشين التفكير في الموضوع عبر دراسة النماذج الأوروبية في الحكم الجهوي، وتوج ذلك برسالة بوتفليقة إلى كوفي عنان والتي عبر فيها عن استعداده لمناقشة المقترح الأممي رغم الثغرات الموجودة فيه على حد تعبير بوتفليقة في الرسالة الملحقة بتقرير كوفي عنان الصادر يوم الجمعة 22 يونيو الماضي.
على صعيد مواز للتحولات الجارية في الموقف الجزائري تتالت عدة تطورات مغربية أبرزها الاستجابة للمطلب الأممي بتوضيح الموقف المغربي، وهو ما تم في إطار اعتبار المغرب أن ذلك يندرج في سياق إجراء حوار مع الأمم المتحدة بخصوص هذا الموضوع (كاتب الدولة في الشؤون الخارجية الطيب الفاسي الفهري في تصريح بمجلس النواب في 18/4/2001م)، وهو ما يعني تحولًا في الخطاب المغربي من حديث عن حوار مع الطرف الآخر إلى حديث عن حوار مع الأمم المتحدة وهو تحول يشكل خلفية لتبرير قبول المغرب بتقديم مقترحاته التفصيلية حول الحل السياسي بغض النظر عن مدى قبول الطرف الآخر لمشروع الحل السياسي، ونضيف لذلك تطورات أخرى من قبيل رسالة الملك محمد السادس إلى ندوة مغربية الصحراء في التراث الأدبي والتاريخي، والتي جددت الموقف المغربي الرامي لحل مشكلة الصحراء ضمن منظور الجهوية واللامركزية في إطار المبادئ الثلاث الإجماع والوحدة والسيادة وهي نفس المبادي التي سبق الإعلان عنها في خطاب العرش (يوليو 2000)، كما أجريت مشاورات سياسية مع قادة الأحزاب السياسية المغربية وكان موضوع المقترح المغربي حول الحكم الجهوي ضمن ما طرح في هذه اللقاءات.
وتلى ذلك تطور آخر تمثل في عقد اجتماع اللجنة الملكية المكلفة بمتابعة الشؤون الصحراوية برئاسة الملك محمد السادس في 4/4/2004م، وأعلن فيها عن إنشاء صندوق لإدماج العائدين مع غياب أدنى تطرق لموضوع تشكيل المجلس الملكي للشؤون الصحراوية والذي جرى الحديث عنه في ديسمبر 1999 وكان الوزير الأول مطالبًا بإعداد النصوص التنظيمية الخاصة به.
يتضمن الطرح المغربي لمشروع الحكم الجهوي عناصر حول توزيع الاختصاصات بين المجلس المحلي والسلطة المركزية، بما يترك اختصاصات الشؤون الخارجية والدفاع وباقي قضايا السيادة للسلطة المركزية، كما يتضمن أيضًا تصورًا لتوزيع عائدات ثروة الفوسفات والصيد البحري بين المنطقة والسلطة المركزية على أساس نسبة محددة، وأيضًا هناك اقتراح حول مجلس الحكم الجهوي من حيث تركيبته وحق السلطة المركزية في تعيين نسبة داخله وكذا توزيع النسب بين الصحراويين القادمين من تندوف وصحراويي الأقاليم الجنوبية، ورغم التعتيم الذي عرفه المقترح المغربي فقد حصل نوع من التسريب له بما يهيئ الأطراف والرأي العام لتقبله، فقد كشفت مصادر إعلامية إسبانية حيثيات العرض المغربي والمتضمن لـ:
- مرحلة انتقالية يتم فيها نقل جوهري للسلطة، كما تدرس إمكانات تنظيم استفتاء يهم نوعية العلاقة مع السلطة المركزية في الرباط.
- إدارة شؤون الإقليم ستحال إلى «مجلس للشؤون الصحراوية»، يتوزع أعضاؤه على قسمين: قسم مصدره البوليزاريو، وقسم مصدره السكان المستقرون في الإقليم منذ 25 سنة.
- ستخصص 20٪ من مداخيل الصيد البحري والفوسفات للمنطقة.
- الشؤون الاجتماعية والثقافية وجزء من الشأن القضائي هي من اختصاص الهيئة المسيرة للإقليم على أساس أن تبقى اختصاصات الأمن الدفاع الشؤون الخارجية تحت السيادة المغربية.
مجمل هذه النقاط كانت تتردد بشكل أو بآخر في الإعلام الأجنبي، إلا أنها هذه المرة وردت في سياق يربطها بمحيط جيمس بيكر، مما يجعلها أقرب إلى تسريبات أممية بهدف جس النبض لا سيما وأن البوليزاريو ومن ورائها الجزائر تدعيان عدم معرفة محتوى الحل السياسي المطروح، كما أن البوليزاريو تصر على رفض الحل السياسي.. فما آفاق إمكانية التفاوض حوله؟
المشروع الأممي للحكم الذاتي الموسع
في 5 مايو المنصرم تباحث جيمس بيكر مع البوليزاريو في موضوع الحل السياسي مقدمًا مقترحًا مختلفًا عن المقترح المغربي من حيث كونه يعرض حكمًا ذاتيًّا موسعًا بالمقارنة مع الأول، ومن سمات هذا المقترح أنه يعتبر الهيئة الناخبة تتمثل في اللوائح التي أعلنت عنها لجنة تحديد الهوية والتي أحصت 86381 ناخبا وهو ما يعني تجاوز الطعون المقدمة والاستجابة لمطلب البوليزاريو في رفض الطعون التي مصدرها الجانب المغربي، ويطرح مقترح بيكر المقدم للجبهة، أن يقع انتخاب برلمان محلي يكون بمثابة مجلس تشريعي توكل له مهمة إفراز حكومة محلية ستمارس أعمالها في إطار السيادة المغربية، وتتوفر الحكومة المحلية على اختصاصات التعليم والضرائب والأمن المحلي والموازنة المالية والتجارة والمعادن والصيد والطرق... إلخ على أساس أن تبقى الاختصاصات المتعلقة بالدفاع والعملة والشؤون الخارجية كما يحتفظ بالعلم الوطني المغربي، ويتم النص على عدم قيام دولة تفصل المغرب عن موريتانيا، وستكون هناك فترة انتقالية في حدود خمس سنوات يتم بعدها إجراء استفتاء لتقرير مستقبل شكل العلاقة مع المغرب.
وبعد حوالي شهر من لقاء بيكر مع قادة البوليزاريو ردت هذه الأخيرة بالرفض عبر مبعوثها إلى كوفي عنان والذي جدد تشبث الجبهة بخيار الاستفتاء واعتباره السبيل الوحيد لتسوية النزاع، وهو ما يجعل الأمم المتحدة في عملية شد حبل مع البوليزاريو قد تستمر لأشهر.
اتفاق الإطار
في تقرير كوفي عنان المجلس الأمن تم الإعلان رسميًّا عن المشروع الأممي للتسوية السياسية للنزاع في إطار مشروع «اتفاق - إطار» تضمن مختلف العناصر التي سبق أن طرحها بيكر على البوليزاريو، واعتبر عنان أن هذا المشروع يمثل الفرصة الأخيرة لحل النزاع، ولهذا أوصى التقرير بتمديد ولاية بعثة المينورسو خمسة أشهر إضافية ليتيح لبيكر التحرك لعرض مشروعه في الحكم الذاتي الموسع وجمع الأطراف للتفاوض حوله، والتقرير يقصد بالأطراف ليس فقط المغرب والبوليزاريو بل يضيف لهما الجزائر وموريتانيا بما يعني أن المفاوضات ستكون رباعية، وقد كانت قدرة بيكر على القيام برعاية التفاوض حول الحكم الذاتي رهينة بتوفره على قرار أممي واضح يمكنه من تشديد الضغط على الأطراف وأن يعرض هذا القرار ملامح تصور أممي للحل السياسي وهو ما جاء التقرير الأخير لكوفي عنان ليمهد الطريق له، حيث سيكون محط نقاش داخل مجلس الأمن للخروج بقرار محدد في الموضوع في أفق نهاية الشهر الحالي، لا سيما أن هناك رهانًا على مسؤولين سابقين في البوليزاريو متواجدين بإسبانيا للقيام بدور في تسويق هذا والترويج له في صفوف البوليزاريو، فضلًا عن إرهاصات التحول الحاصلة في الموقف الجزائري؛ ولهذا صادقت الأمم المتحدة على مشروع الميزانية السنوية لبعثة المينورسو بـ الصحراء والتي تقدر بما يزيد عن 50 مليون دولار للفترة ما بين يوليو 2001م ويونيو 2002م، وهو ما يعني أن بيد بيكر سنة من العمل لبلورة مشروع حكم ذاتي موسع متفق عليه من الأطراف.
تبعًا لما سبق، فإن مهمة بيكر ستكون شاقة من أجل تليين موقف البوليزاريو، والذي هو في عمقه موقف مؤقت قد يتغير.
من جهة أخرى يلاحظ أن المشروع الأممي يثير توجسات مغربية نذكر منها ما يتعلق بالهيئة الناخبة والتي حددت في القوائم الأولية للجنة تحديد الهوية، وهي قوائم كانت محط طعون شديدة من المغرب بدعوى إقصائها لشرائع صحراوية عديدة، وأيضًا بالضمانات المتوفرة للحيلولة دون انفصال الإقليم خصوصًا بعد مرور خمس سنوات ونشاط دعاية البوليزاريو في التعبئة للانفصال.
فرنسا والمغرب العربي!
تدور في المغرب العربي حرب خفية باردة إلى حد ما بين فرنسا والولايات المتحدة بدأت تنعكس على العلاقات الفرنسية المغاربية بشكل عام مؤشرة إلى أن اللاعب الأمريكي استطاع التسلل إلى الملعب المغاربي الذي ما فتئت فرنسا تؤكد أنه من صلاحياتها دون غيرها. فرنسا الرسمية التي تشن تصريحات يفهم منها عدم رضاها عن وضعية حقوق الإنسان في المغرب العربي، ترفض الجهر بامتعاضها من التسهيلات التي بدأت تعطيها بعض الدول المغاربية لأمريكا، أما مخاوف فرنسا من فقدها للمغرب العربي فهي متعددة.
إلى وقت قريب كانت فرنسا المحتكر الأول وربما الوحيد للأسواق المغاربية التي كانت تستورد كل صغيرة وكبيرة من المواد الغذائية والزراعية والأدوات الكهربائية والسيارات وغيرها من فرنسا، حتى انتشرت نكتة بين المغربيين تقول: إن البواخر الفرنسية المحملة بالحنطة لو تأخرت يومًا واحدًا في الوصول إلى الموانئ المغاربية فإن الشعوب المغاربية لن تجد ما تخبزه وبالتالي ما تأكله، وهذا التداخل بين فرنسا واقتصاديات الدول المغاربية أفرز طبقة رسمية متنفذة تقتات من السمسرة والعمولات المقدمة من الشركات الفرنسية إلى درجة أن بعض المسؤولين يرفضون شراء بضائع معروضة عليهم من دول غير فرنسا بأثمان زهيدة؛ لأن المعنيين بالاستيراد لا يرجون عمولة مزجاة من الدول العارضة وهؤلاء تربطهم بالدوائر الفرنسية أوشج العلاقات ولديهم في باريس حسابات يسهل الضخ فيها بعيدًا عن أعين المواطنين المسحوقين.
وحتى تبقي فرنسا على هذا الاحتكار كانت تقدم مساعدات لبعض الدول المغاربية لإبقائها دوما في الدائرة الفرنسية، فعلى سبيل المثال قدمت فرنسا منذ عام 1994م منحًا لموريتانيا قدرت بمبلغ 900 مليون فرنك فرنسي، لكن هذه المساعدات تقلصت بعد بداية التقارب الموريتاني - الأمريكي وفتح واشنطن أبوابها لنواكشوط عقب تنشيط علاقاتها مع الكيان الصهيوني.
وفي تقرير كتبه أحد المستشارين للرئيس الفرنسي السابق ميتران جاء فيه أن كل فرنك تدفعه فرنسا لإفريقيا -المقصود هنا شمال أفريقيا- تسترجع مقابله عشرة فرنكات، وذلك في إشارة إلى حجم الأرباح التي تجنيها فرنسا من إفريقيا.
وحتى الموارد الطبيعية كالنفط والغاز فإن الشركات الفرنسية كانت تسيطر عليها تنقيبًا وتسويقًا واحتكارًا، أما الآن فالشركات الأمريكية باتت الأكثر حضورًا في مواقع النفط والغاز وعلى الأخص في الجزائر.
وعلى الصعيد الثقافي فإن اللغة الإنجليزية باتت تنافس اللغة الفرنسية التي كانت سيدة الموقف بلا منازع، ولأجل هذا تحركت الدوائر الفرنسية ومنها منظمة الفرانكفونية العالمية لإعادة الاعتبار للغة الفرنسية ووقف الزحف اللغوي الإنجليزي على المغرب العربي.
فرنسا التي حظرت اللغة العربية في المدارس الفرنسية تطالب دول المغرب العربي بإعطاء تسهيلات للغة الفرنسية في المغرب العربي وجاءها الرد من الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة الذي قال إن على فرنسا أن تتصالح مع اللغة العربية في مدارسها وبعد ذلك تطالبنا بتسهيلات للغة الفرنسية.
وعلى الصعيد الجيوسياسي فإن فرنسا تعتبر المغرب العربي بوابتها على إفريقيا التي فقدت فيها جل مواقعها، وإخراجها من هذا الحزام هو بمثابة إنهاء لوجودها التاريخي في إفريقيا.
وفي الوقت الذي تسعى فيه باريس لتجذير مصالحها الاقتصادية والثقافية في المغرب العربي، فإن لواشنطن بعدًا آخر غير هذين البعدين –وإن كانت عينها على الموارد الطبيعية الغنية في الشمال الإفريقي– وهو البعد الإستراتيجي حيث تعتبر دراسات أمريكية أن منطقة المغرب العربي حساسة لدوائر القرار الأمريكية، ومن هنا سعت لزحزحة فرنسا عنها، ويرى بعض المراقبين أن الفترة المغاربية المقبلة ستكون أمريكية خصوصًا أن الرئيس التونسي علاقته بالأمريكان أقوى منها بالفرنسيين، وكذا المغرب الذي اعتبره الكونجرس الأمريكي بلدًا نموذجيًّا في الوقت الذي تتهم فيه وسائل الإعلام الفرنسية الرباط بأنها تنحر حقوق الإنسان جهارًا نهارًا، ويحظى الرئيس الجزائري بوتفليقة بدعم أمريكي مباشر وقد تكثفت المناورات العسكرية البحرية للبلدين بشكل ملحوظ في المدة الأخيرة، أما التطبيع بين واشنطن ونواكشوط فهو يضطرد بسرعة تغيظ باريس حتى لجأت إلى اعتقال بعض المسؤولين الموريتانيين على أراضيها بدعوى انتهاك حقوق الإنسان في موريتانيا، أما ليبيا فهي وجدانيًّا أقرب إلى واشنطن منها إلى باريس وقد بدأت دوائر أمريكية تكشف عن محطات تعاون بين الأجهزة الأمنية في تل أبيب وطرابلس الغرب وتقديم هذه الأخيرة معلومات تتعلق بتنظيمات فلسطينية كانت تحظى بالدعم الليبي في يوم من الأيام.
وهكذا تستيقظ باريس كل صباح لتجد أن ضفتها الجنوبية -المغرب العربي- تنزاح بهدوء باتجاه الهوى والهواء الأمريكيين، وهي تحاول تدارك ذلك عبر الشراكة بين الاتحاد الأوروبي والدول المغاربية، لكن ما لم تحققه باريس في مواقع أخرى من العالم لا يمكن أن تحققه في المغرب العربي.
يحيى أبو زكريا
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل