; الأمم المتحدة تسعى للإطاحة بحكومة البوسنة المسلمة | مجلة المجتمع

العنوان الأمم المتحدة تسعى للإطاحة بحكومة البوسنة المسلمة

الكاتب حلمي نعمار لييا

تاريخ النشر الثلاثاء 31-أغسطس-1993

مشاهدات 54

نشر في العدد 1064

نشر في الصفحة 34

الثلاثاء 31-أغسطس-1993

بقلم: حلمي نعمار لييا (1) وفارس نانيتش (۲)

أصبحت جمهورية البوسنة والهرسك عضوًا في منظمة الأمم المتحدة يوم ٢٢ مايو ١٩٩٣م، وقد اعترف بها دوليًا يوم ٦ أبريل ١٩٩٣م. ووقع العدوان الصربي عليها في هذا اليوم نفسه، قام الجيش اليوغسلافي الاتحادي بهذا العدوان تحت قيادة مباشرة من سلطات صربيا والجبل الأسود، وبدعم كبير من العملاء داخل البوسنة والهرسك.

وينص قرار الأمم المتحدة رقم ٧٥٧ على أن المعتدي على البوسنة والهرسك هو الجيش اليوغسلافي، كما أدان قرار رقم ٧٥٣ صربيا والجبل الأسود لرفضهما سحب قوات الجيش اليوغسلافي المعتدية من أراضي البوسنة والهرسك، وتدل هذه القرارات بوضوح على أن الاعتداء على البوسنة والهرسك وقع من جانب صربيا والجبل الأسود، وقد أصدرت الأمم المتحدة عدة قرارات بخصوص البوسنة والهرسك تماشيًا مع مواثيق الأمم المتحدة التي تنص على التزامات منظمة الأمم المتحدة تجاه أي دولة عضو فيها تتعرض لعدوان خارجي، إضافة إلى هذا فإن العدوان الصربي على البوسنة والهرسك لم يكن مجرد عدوان، بل أسفر عن الإبادة الجماعية والتطهير العرقي ومخالفة أولويات حقوق الإنسان، وضرب عُرْض الحائط بكافة المواثيق الدولية بشكل لم يعرفه العالم منذ الحرب العالمية الثانية، بل حتى في تاريخ البشرية!

في حالة وقوع العدوان على دولة عضو في الأمم المتحدة تلزم المواثيق هذه المنظمة الدولية باتخاذ أحد الإجراءات الثلاثة:

  • العمل على إعانة الدولة المعتدي عليها في الدفاع عن نفسها وحقوقها المشروعة.
  • الدفاع المشترك عن الدولة المعتدى عليها تحت غطاء الأمم المتحدة.
  • اتخاذ إجراءات أخرى كفيلة بردع المعتدي تضاف إلى الإجراء الأول أو الثاني.

وتطبيقنا لهذه المواثيق الدولية على قضية العدوان الخارجي على البوسنة والهرسك، فإنه كان من أولويات عمل الأمم المتحدة العمل الفوري على رفع الحظر عن بيع الأسلحة عن حكومة البوسنة والهرسك، أو التدخل العسكري بقيادة الأمم المتحدة، ثم يضاف إلى ما ذكر ممارسة الضغوط الدبلوماسية والاقتصادية وما إلى ذلك لإلزام المعتدي -صربيا والجبل الأسود- بقرارات المنظمة الدولية.

والخطوة الثالثة ليست أكثر من الخطوة المكملة لإحدى الخطوتين الأوليين الأساسيتين إذا لم تكن رادعًا كافيًا للمعتدي، ورغم ذلك فإن الأمم المتحدة اتخذت الخطوة الهامشية المكملة بدل الخطوتين الأساسيتين من بداية تعاملها مع المعتدي الصربي، وتمثل هذا الإجراء في فرض حصار اقتصادي على صربيا والجبل الأسود، بناء على قرار مجلس الأمن رقم ٧٥٧ وكل القرارات التالية صدرت بالاتجاه نفسه لدعم القرار الأساسي رقم ٧٥٧.

وحتى في تطبيقها على الوجه الأمثل يستحيل أن تكون هذه الخطوة الاحتياطية كافية لإيقاف الاعتداء، لأنها تدابير اقتصادية يواجه بها العدوان الوحشي المسلح، ومع أن الحصار الاقتصادي فرض على المعتدي في ٣٠ مايو ۱۹۹۲، فإنه لم يطبق إلا في صورة سطحية مضحكة، ولكن هذا الإجراء الهامشي كانت تتخذه الأمم المتحدة ذريعة أساسية في ردها على كل من كان يطالب باتخاذ التدابير الأساسية التي تنص عليها مواثيق الأمم المتحدة، وهي تمكين ضحية العدوان من الدفاع عن نفسها، أو رد دولي عسكري مشترك على المعتدي.

تدابير لخدمة المعتدي

إذن، في ظاهر الأمر كانت التدابير الدولية موجهة إلى العدوان لا إلى المعتدي، ولكنها في حقيقة الأمر كانت رسالة اطمئنان واضحة وجهت إلى المعتدي الصربي بأن أي إجراء حاسم من الإجراءين الأولين يستحيل اتخاذه مادامت هذه الخطة الدولية قائمة والأمر متروك لها، لذلك لم توقف قرارات الأمم المتحدة المعتدي فحسب، بل شجعته على التمادي في الإبادة الجماعية والتطهير العرقي، وكلما خارت قواه بثت فيه دفعة جديدة لمواصلة العدوان، فلم يصدر مجلس الأمن قرارات تلزمه بها المواثيق التي أسست الأمم المتحدة عليها، كما أنه لم يعترف حتى الآن بعجزه عن تطبيق القرارات التي صدرت عنه، بل احتال على هذه المواثيق بنقل قضية العدوان الصربي إلى الهيئات غير الشرعية، والمخولة بالنظر في القضايا المخالفة للقانون الدولي والتعامل بين الدول، لذلك اخترع مجلس الأمن صيغة المؤتمرات والمفاوضات برعاية الأمم المتحدة، وعين وسطاء دوليين للقيام بحل أزمة البوسنة والهرسك، إن هذه المؤتمرات ليست شرعية لأنها ليست جهات منفذة للقانون الدولي، وجميع الحلول في قضية العدوان على البوسنة والهرسك يجب أن تنطلق من إطار القانون الدولي، وتعالج على ضوء نصوصه، وبالتالي أصبحت هذه المؤتمرات أكبر ضربات أصر المجتمع الدولي على توجيهها على ضحايا العدوان، وبهذه الخطوة وضعت الأمم المتحدة أسس القانون الدولي التي قامت عليها تحت علامة الاستفهام، وأظهرت مدى إمكانية الازدواجية في تطبيق القانون الدولي، وبناء على قرار الأمين العام للأمم المتحدة وقرار مجلس الأمن تم تنحية المؤسسات الشرعية جانبًا، وتكوين هيئات غير شرعية للبت في صلب اختصاصات القانون الدولي.

فقط في ضوء هذا التلاعب بالتزامات منظمة الأمم المتحدة كان من الممكن أن يتزامن قيام الصرب بأشنع وأسوأ الجرائم في حق المدنيين المسلمين في البوسنة والهرسك، مع انعقاد المؤتمر الدولي في لندن «إبادة جماعية ومعسكرات الاعتقال في برتشكو وكوزارتس وبرييدور وغرب البوسنة» ومؤتمر جنيف ونيويورك «سراييفو سربرنيتسا غورازده جيبا وسيرسكا».

الوسيطان الدوليان

لقد استطاع الوسيطان الدوليان -بدعم مباشر من رموز السياسة الأوروبية- نقل قضية العدوان الصربي على البوسنة والهرسك من المجال القانوني إلى المجال السياسي، وبهذا الالتفاف البارع حول مسألة الجرائم الحربية الناتجة عن العدوان المسلح من القانون إلى مسألة المساعدات الإنسانية، وسويَّا في التعامل بين ممثلي الحكومة الشرعية ومجرمي الحرب، ولتحقيق هذه المهمة غير الوسيطان الدوليان المصطلحات الأساسية في قضية البوسنة والهرسك من مسمياتها المعتادة المناسبة للدور المطلوب، سميت الإبادة الجماعية بالتطهير العرقي، والعدوان الخارجي بالحرب الأهلية والمعتدي والضحية بالأطراف المتنازعة!

ونظرًا لإضفاء الشرعية على المؤتمرات والوسطاء الدوليين من قبل مجلس الأمن والأمين العام للأمم المتحدة من جانب، وتهديد مستمر لمواصلة أبشع صور إبادة المدنيين الأبرياء في البوسنة والهرسك من جانب آخر، فقد أجبر الوسطاء الدوليون ممثلي حكومة البوسنة والهرسك الشرعية على الجلوس في مائدة المفاوضات، مع مخططي العدوان الصربي ومنفذي الإبادة الجماعية الذين أدانهم المجتمع الدولي، عن خرق حقوق الإنسان وجرائم الحرب، ومع استمرار المؤتمرات وعمل الوسطاء الدوليين لم تعد هناك أي ضوابط قانونية يمكن على أساسها إلزام الأمم المتحدة للقيام بواجبها تجاه دولة عضو فيها وقعت ضحية للعدوان «مواثيق عامة قرار رقم ٧٥٧ الأساسي وأكثر من ثلاثين قرارًا بعده صدرت من مجلس الأمن والأمين العام».

قوات حفظ السلام

وجاء نشر قوات حفظ السلام داخل البوسنة والهرسك ليضعف أي احتمال لقيام الأمم المتحدة بعمل حازم لرد العدوان، بل وصار ذريعة أساسية لإبطال أي تحرك جاد لإنهاء العدوان وإيقاف جرائم الحرب، وحددت المهام الرئيسية لقوات حفظ السلام في البوسنة والهرسك بوضع المراقبين الدوليين على حدود البوسنة والهرسك مع المعتدي الصربي، ومراقبة المدفعية الثقيلة التي يستخدمها المعتدي، وتأمين طرق قوافل الإغاثة الإنسانية ومرافقتها..

إن قوات حفظ السلام لم تقم بمهمة واحدة من مهامها التي من أجلها جاءت إلى البوسنة والهرسك.. لم يوضع جندي واحد لمراقبة الحدود بين البوسنة وصربيا والجبل الأسود.. تقتل المدفعية الصربية آلاف المدنيين الأبرياء في كافة مدن البوسنة والهرسك مثل سراييفو وغورازده وغراداشاتس وماغلاي وزاويدوفيتشي.. لم تمر قافلة واحدة من المساعدات الإغاثية عبر مناطق سيطرة المعتدي بدون عرقلة وصولها إلى المحاصرين، أو وضع شروط تعسفية لمرورها أو سرقة ونهب حمولتها، وأصبح إيقاف القوافل أيامًا دون سبب مشهدًا مألوفًا في البوسنة والهرسك، بينما أجبرت أكثر القوافل على العودة إلى حيث انطلقت، وافق أكبر المسؤولين في قوات حفظ السلام على شروط مجرمي الحرب لمرور القوافل وقبلوا التفاوض معهم لأسباب تافهة بهدف تأخير وعرقلة إيصال المساعدات -تقدر بمبالغ خيالية- إلى المدنيين في البوسنة والهرسك، بل انتهت في أيدي مجرمي الحرب!

وفي الوقت نفسه لم يبد مسؤولو الأمم المتحدة أدنى قدر من التفاهم مع حكومة البوسنة، لإيجاد طرق بديلة كفيلة بإيصال المعونات الإغاثية وأبرز مثال على هذا - الذي يدين دور الأمم المتحدة من أساسه في القضية بأكملها - رفض قوات حفظ السلام حتى النقاش حول استخدام مطار «توزلا» في شمالي البوسنة، ورغم تفوقه على مطار «سراييفو» في الموقع والتجهيزات اللازمة فإن قوات الأمم المتحدة لم تسمح مرة واحدة لاستخدام مطار «توزلا» لطائرات الإغاثة منذ بدء العدوان الصربي على البوسنة والهرسك وليس هناك تفسير آخر غير أن المطار يقع في منطقة يسيطر عليها المسلمون بشكل كامل، ولا يمكن للأمم المتحدة أن توزع المعونات الإغاثية على الضحايا المسلمين والمعتدين الصرب بالتساوي كما تفعل في سراييفو؟

كل هذه الحقائق تدل دلالة قاطعة على خبث نوايا الأمم المتحدة، والتواطؤ السافر مع النظام الصربي الفاشي والتستر خلف المهمات الإنسانية لإبطال أي محاولة جادة تكفل إنقاذ المسلمين من الإبادة الجماعية في أبشع صور عرفها تاريخ البشرية.

وقد حولت قوات حفظ السلام هذه المهمة الإنسانية السامية - التي ملأت بها سمع وبصر العالم أجمع -في وقت نشاهد مجازر مروعة بشكل يومي عبر وسائل إعلام كافة دول العالم- إلى المشاركة المباشرة في عمليات التطهير العرقي التي ينفذها مجرمو الحرب.

فعلى سبيل المثال -كما أفاد المراسلون الغربيون- جهزت المفوضية العليا لشؤون اللاجئين قوافل شاحنات لإجلاء المسلمين المدنيين، قبل بدء الهجوم الصربي على مناطق شرق البوسنة «سربرينيتسا، غورازده، جيبا، وسيرسكا» وغرب البوسنة.

كما أبدت قوات حفظ السلام قدرًا لا يصدق من عدم المبالاة عندما قتل الصرب نائب رئيس الحكومة البوسنوية حقي تورايليتش، بينما كان تحت حمايتها، وأجرت تحقيقًا شكليًا لإسكات الناقدين وكذلك في حالات اغتصاب وقتل المسلمات على يد قائد قوات الأمم المتحدة الجنرال الكندي ماكينزي في سراييفو وأفراد قوات حفظ السلام في منطقة «بوسانسكا غراديشكا» رغم شهود العيان الذين أثبتوا قيامهم بهذه الجرائم وإضاءة مدرج مطار سراييفو ليسهل للصرب قتل المدنيين المحاصرين في سراييفو عند قيامهم بمحاولة الخروج من المنفذ الوحيد في المدينة عبر مدرج المطار.

ومن هنا ندرك إدراك اليقين بأن مهمات قوات حفظ السلام ودور رجال المفوضية العليا لشؤون اللاجئين ليست أكثر من مجرد وسائل لدعم مبادرات الوسطاء الدوليين في البوسنة والهرسك وضمان نجاح خططهم.

تنسيق في الجرائم

لم يتخذ الوسيطان الدوليان خطوة واحدة مهمة أو اقترحا شيئًا يتعلق بمصير البوسنة والهرسك في المؤتمرات والمفاوضات إلا وتزامن ذلك مع إجراءات المفوضية العليا على أرض الواقع البائس الموجهة ضد السلطات الشرعية والمدنيين الجياع. وجاء ذلك غالبًا في صورة تقديم أعذار سخيفة لعدم أداء المهمة الرئيسية أو تهديد مباشر للانتقام من بطون الأطفال والنساء والشيوخ والمرضى الخاوية، أو استغلال موقف المسلمين الحرج على أسوأ وجه لإجبار زعمائهم على الركوع وقبول المخططات الدولية مهما بلغت من درجة الظلم الواضح تهدد المفوضية العليا لشؤون اللاجئين «ساداكو أوغاتا» بقطع جميع أنواع المساعدات الإغاثية في أصعب ظرف مرت به البوسنة والهرسك منذ بداية العدوان الصربي، وفي الوقت نفسه يهدد قائد قوات حفظ السلام في البوسنة الجنرال الفرنسي «فيليب موريون» بسحب جميع قوات حفظ السلام من البوسنة والهرسك!

وبعد رفض السلطات الشرعية في جمهورية البوسنة والهرسك اقتراح مجرم الحرب «سلوبودان ميلوسيفيتش» رئيس الدولة المعتدية على البوسنة والهرسك، ومنفذ خطط التطهير العرقي في وسط وجنوب البوسنة والهرسك «فرانيو تودجمان» رئيس كرواتيا بتمزيق البوسنة والهرسك تحت غطاء الكونفدرالية، قلصت المفوضية العليا حجم المساعدات الإنسانية إلى درجة أن أصبح كل مسلم مدني في البوسنة والهرسك مهددًا بالموت جوعًا، وإن كان نصيب سكان سراييفو من جرعات الموت هذه أكثر من غيرهم لحثهم على القيام بالانتفاضة الشعبية والإطاحة بالحكومة الشرعية (اقرأ الرئيس علي عزت بيجوفيتش) احتجاجًا على ظروف الحياة المأساوية لا على الأمم المتحدة التي ربطت أيديهم وسلمتهم إلى الوحوش الصربية أو المفوضية العليا التي منعت عنهم لقمة خبز أو جرعة دواء!

لقد صرح أحد المسؤولين في المفوضية العليا لعمدة مدينة سراييفو بأن المفوضية لن توصل لقمة واحدة إلى سكان سراييفو إلا بعد توقيع الرئيس علي عزت بيجوفيتش على القبول بخطة تقسيم البوسنة والهرسك على شكل الكونفدرالية «الدويلات القومية». ومن المعلوم أن سكان سراييفو يعيشون منذ شهور بدون ماء أو دواء أو كهرباء أو غاز، مع مخصصات يومية من الطعام للعوائل لا تكفي لوجبة واحدة لشخص واحد!

وإذا استمرت تصرفات المنظمات الدولية على هذا النحو فإنه لن يبقى أدنى مجال للشك عند أكبر المشككين بأن قوات حفظ السلام والمفوضية العليا لشؤون اللاجئين ليست سوى قنوات لممارسة الضغوط على الحكومات الشرعية والمسلمين المدنيين الأبرياء، سواء في جمهورية البوسنة والهرسك، أو في أي مكان في العالم يجب أن تنفذ فيه مخططات ورغبات الدول الكبرى لتحقيق وحماية مصالحها.

__________________

الهوامش

(۱) د. حلمي نعمار: أستاذ علم الاجتماع بكلية الدراسات الإسلامية في سراييفو.

(۲) فارس نانيتش: مدير وكالة الأنباء البسنوية المستقلة.

وقد ترجم المقال للمجتمع بالعربية حسين عمر سباهيتش.


اقرأ أيضًا:

 انتصارات المسلمين ومؤامرات الغربيين في البوسنة

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

522

الثلاثاء 24-مارس-1970

حول العالم

نشر في العدد 8

580

الثلاثاء 05-مايو-1970

حول العالم - العدد 8