العنوان الأمم المتحدة.. والشراكة في المؤامرة على مسلمي البوسنة
الكاتب مراسلو المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 17-أغسطس-1993
مشاهدات 61
نشر في العدد 1062
نشر في الصفحة 27
الثلاثاء 17-أغسطس-1993
الأمم المتحدة والشراكة في المؤامرة على البوسنة
والهرسك
في تصريح بالغ الدلالة مفعم بالأسى أعلن
الرئيس البوسني علي عزت بيجوفيتش- قبل انعقاد مؤتمر السلام حول البوسنة في جنيف-
بأنه فرضت علينا الحرب ويجري الآن فرض السلام أيضًا أو حسب تعبير مدير مكتب شؤون
البوسنة في العاصمة الأمريكية مصطفى بجيدك لمراسل صحيفة الواشنطن بوست «إن
الوسيطين يتبعان خطى المعتدين» وذلك تعليقًا على خطة التقسيم التي اقترحها أوين-
ستولتينبرغ. وأضاف: «لقد تم استدراجنا إلى الزاوية التي لا يمكننا الخروج منها..
إن المجتمع الدولي أوصلنا إلى حالة الاستسلام حيث يتم إملاء الشروط (diktat) علينا».
إن من الواضح أن الوسيطين أوين- ستولتينبرغ قد
قاما بانعطافة قذرة تهدف إلى الضغط على البوسنويين لقبول ما يطلبه الصرب، وهذا
دليل آخر على أن المجتمع الدولي ممثلًا بالأمم المتحدة قد أعطى [توقيعًا] بإقرار
انتصار الصرب النهائي، وتخلى بذلك عن ادعاءاته بعدالته، ولعل التظاهرات الكبيرة
التي شهدتها جنيف مطالبة بإقالة ديفيد أوين لانحيازه وعدم حياديته لدليل آخر على
اللعبة القذرة لمهندسي خطط السلام في البوسنة والهرسك.
إن ما يجري بين جنيف وبروكسل شيء محكم فعلًا،
ففي تصريح لمندوب البوسنة في الأمم المتحدة «محمد شاكر بيه» لمراسل صحيفة الواشنطن
بوست دانيال وليمز علق بالقول: «إن هذا يبدو متناقضًا مع روح التهديد بقصف الصرب،
والذي يمكن أن يضمن وحدة المدينة المحاصرة». ففي الوقت الذي يتم فيه تحريك قوات
«الناتو»، للقيام بعمل عسكري تأديبي للمعتدين الصرب، تأتي الضغوط من قبل وسيطي
الأمم المتحدة على الرئيس بيجوفيتش للقبول بخطة لا تبقي لشعبه [أرضًا] يعيش عليها
أو يدافع عنها».
إن الذي تابع سلسلة القرارات التي اتخذتها
الأمم المتحدة والتهديدات المتعاقبة للولايات المتحدة ضد المعتدين الصرب قد يصاب
بالدهشة لشدة التناقض بين المواقف والتصريحات، فبالرغم من أن الأمم المتحدة تتحرك
بالدرجة الأولى بناء على توجهات السياسة الأمريكية، وقائمة على خدمة المصالح
الأمنية للولايات المتحدة، كما جاء في تصريح مادلين أولبرايت أمام لجنة العلاقات
الخارجية بالكونجرس، إلا أن ما تقوله أمريكا أو تتخذه من قرارات سرعان ما يتلاشى
أو يتم التراجع عنه، بدعوى عدم وجود إجماع عليه من المجتمع الدولي، والذي يبعث على
الشك أن الولايات المتحدة ظلت خلال السنوات التي تلت سقوط الاتحاد السوفيتي توظف
إمكانات وأعلام الأمم المتحدة لخدمة سياساتها في دول العالم الثالث دونما حدوث لأي
شكل من أشكال التناقضات التي تشهدها في البوسنة الآن.
فما الذي حدث؟ وما هذا الشلل والتلكؤ في نصرة
المظلوم وحقه المهضوم؟ وما السبب في عجز المنظمة الدولية عن القيام بأي فعل ذي
جدوى، يمنع المجزرة والمذابح ويوقف مسلسل التصفية العرقية، ومكافأة الجاني بالرضوخ
إلى طلباته والإقرار بمكتسباته؟!
ومع هذه الحيرة التي أصابتني اتصلت بمكتب
البوسنة والهرسك في الأمم المتحدة بنيويورك للسؤال عن إمكانية الحصول على أهم
القرارات التي صدرت خلال فترة الستة عشر [شهرًا] الماضية وهي فترة الحرب المجزرة
الدائرة هناك، وكان الجواب بأن هناك خمسين صفحة مختصرة تتضمن أبرز هذه القرارات،
وأن التفاصيل والحواشي لهذه القرارات تملأ عدة مجلدات.
يا الله! يبدو أن الأمم المتحدة بهذه الأوراق
المكدسة من القرارات قد أعفت نفسها من المسؤولية، وأعطت [انطباعًا] بأنها ما ادخرت
[وسعًا] في اتخاذ القرارات والتوصيات، ولكن متابعة تحركات ووحشية الصرب واجتهادات
الوسيطين أوين- فانس، ومن بعده ستولتينبرغ تترك [انطباعًا] بأن التنفيذ يجري وفق
مرئيات الوسيطين بل قد تتبدل القرارات ويلغى بعضها الآخر، كلما جدت متغيرات تفرضها
حسابات تفوق الصرب وانتصاراتهم.. أي إن الأمم المتحدة مارست سياسة «نكث الغزل»،
وكلام الليل يمحوه النهار، فلم يتكامل الموقف الدولي حول أي من هذه القرارات، بل
لقد أعطت حالة التخاذل والتواطؤ تلك مبررات للصرب للاستمرار في فرض سياسة الأمر
الواقع وما بين سياسة «نكث الغزل» و«الأمر الواقع».
لقد لخصت ملاحظة الرئيس علي عزت بيجوفيتش في
مؤتمر السلام في جنيف الشروط والظروف التي وضع فيها المسلمون واضطروا بسببها
مكرهين للقبول بمشروع السلام الذي قدمه الوسيطان الدوليان سايروس فانس وديفيد أوين
وقبل البوسنيون -على مضض- هذا المشروع الذي ينطوي في حقيقته على إلغاء واضح لوجود
جمهورية البوسنة ذات الأغلبية الإسلامية، والذي يستجيب لمصالح الكروات والصرب بشكل
خاص، ويحقق الهدف الاستراتيجي القاضي بمنع استقرار دولة ذات وجود إسلامي في قلب
أوروبا.
بدت الأمم المتحدة أشبه [بمتآمرٍ] منه بصانع
سلام. لقد مارس الوسيطان فانس- أوين عملية ضغط كبيرة على الجانب المسلم للقبول
بفكرة الدولة اللامركزية وتقسيم البلاد إلى مناطق قومية ذات حكم ذاتي موسع حتى
تنجح خطتهما، فقد مارسا شكلين من الضغوط الأولى: يجب معارضة أي قرار لرفع الحظر
التسليحي المفروض على البوسنة، والثاني بمنع أي محاولة للتدخل العسكري لوقف عدوان
الصرب. وقد وقف فانس- أوين في مؤتمر وزراء الخارجية الاستثنائي لمنظمة المؤتمر
الإسلامي الذي عقد في جدة يدافعان عن نظرية رفض التدخل العسكري، ورفض رفع حظر
السلاح، لأن ذلك برأيهما يوسع من نطاق الحرب، ويضعف فرص التوصل إلى السلام!
إن كل الذي قدمته الأمم المتحدة من خلال
الوسيطين فانس- أوين وأخيرًا أوين- ستولتينبرغ يأتي على حساب المسلمين، وإن كان لن
يتأتى معه السلام العادل الدائم. لقد حققت الأمم المتحدة للصرب أهدافهم عندما أعطت
المشروعية لمنطق القوة الذي استخدموه، وغضت الطرف عن الجرائم التي ارتكبوها،
وشاركت في تغييب دولة خدمة للموقف الأوروبي الرافض لرؤية قيام دولة إسلامية في
تضاريس خريطته الجغرافية.
إن ما نشاهده اليوم هو نهاية للمأساة أو
اللعبة القذرة، حيث سقطت الأقنعة الزائفة للهيئة الدولية، وكشفت ألاعيب أوين-
ستولتينبرغ عن حقيقة الدور الذي مثلته الأمم المتحدة في ثوبها الإنساني الذي امتقع
بدماء أكثر من مئة ألف ضحية، وانتهكت في حمايته أعراض عشرات الآلاف من عذارى
[وثكالى] مسلمي البوسنة والهرسك، في مأساة يشيب لهولها الولدان حتى وإن ظلت كثير
من حقائقها المذهلة في طي الكتمان، ولعلها كما جاء في تعليق شبكة «CNN» ستبقى إلى الأبد بعيدة عن أنظار العالم.
اقرأ أيضًا:
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل