العنوان الأمم المتحدة.. والـيوم الدامي في نيويورك
الكاتب أحمد منصور
تاريخ النشر الثلاثاء 07-ديسمبر-1993
مشاهدات 65
نشر في العدد 1078
نشر في الصفحة 34
الثلاثاء 07-ديسمبر-1993
بين أروقة الأمم المتحدة وشوارع نيويورك: مشاهدات
وانطباعات
أدركت وأنا أجوب جنبات مبنى الأمم المتحدة في 17 نوفمبر الماضي ألا
أحد هنا يفهم على أحد سوى الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن، فقد كانت في
عهد الحرب الباردة تستخدم الفيتو لإيقاف أي مشروع أو قرار يتعارض مع مصالح ونفوذ
أي منها، أما الآن فالكل يعزف على وتر النظام العالمي الجديد الذي لم تتحدد كثير
من معالمه حتى الآن سوى أنه يعني تصاعد النفوذ والسيطرة الأمريكية على مقاليد أمور
كثيرة لم تكن موجودة من قبل.
فأصبحت الدول الخمس دائمة العضوية تعزف على وتر جيد واحد تقريباً، لا
سيما بعد تقهقر سيادة معظمها عن المكانة التي منحت بها حق المقعد الدائم وحق
استخدام الفيتو؛ فمقعد بريطانيا هو الصورة الوحيدة المتبقية للإمبراطورية القديمة
وعهد تشرشل، وهو برهان واضح على تعريف وزير الخارجية البريطاني دوجلاس هيرد
لبريطانيا بأنها دولة تتمتع في المحافل الدولية بثقل أكبر من وزنها. ومقعد روسيا
هو بقايا الاتحاد السوفيتي إحدى القوتين العظميين في العالم سابقاً- لكنه بقي رغم
تفكك الاتحاد السوفيتي إلى أكثر من 80 دولة وتقهقرت روسيا لتصبح في مصاف الدول النامية.
أما مقعد فرنسا فيعود إلى امتلاكها السلاح النووي علاوة على سياسة قصر كواي دورساي
الرئاسي التي يقال: إنها تعتمد على التأكيد الشديد على تقديم فرنسا مساهمات فريدة
للحضارة الإنسانية على الرغم من أن هذه المساهمات أصبحت تثير السخط دائماً لا سيما
من شعوب العالم الإسلامي. أما الصين فهي الحاضر الغائب وبالتالي فإن الولايات
المتحدة أصبحت تفرض سياستها وقراراتها على مجلس الأمن والأمم المتحدة دون منازع
تقريباً.
وأصبح كثير من المراقبين والمحللين والكتاب والصحفيين يخلطون في
كتاباتهم بين الأمم المتحدة والولايات المتحدة وربما أصابني شيء من هذا الخلط
أثناء توجهي لمبنى الأمم المتحدة حينما قلت لسائق التاكسي دون قصد إلى مبنى
الولايات المتحدة، فاستغرب الرجل وقال لي عفواً سيدي إلى أين؟ فقلت: إلى مبنى
الولايات المتحدة.. فأعطى إشارة لليمين حتى يتوقف وأعاد سؤاله علي فاستدركت وأفقت
من الخلط الذي ملأ ذهني عن الأمم المتحدة، وقلت له: عفواً أقصد مبنى الأمم المتحدة
ثم استغرقت في الضحك واستغرق الرجل معي كذلك.
وبينما كانت موظفة العلاقات العامة تحدثنا عن مجلس الأمن كنت أرقب
الموظفين والمندوبين الذين يجوبون طرقات المبنى، والذين جاؤوا من كل جنس ولون كل
يحمل قضايا بلده بين يديه حينها أدركت حقيقة مهمة قرأتها في وجوه هؤلاء الذين لا
يفهم عليهم أحد، في أنه ما من قضية عرفت طريقها إلى جنبات هذا المبنى الذي يمتلئ
بالفساد والبيروقراطية وخرج أصحابها بحل عادل أو حكم منصف، كما أن معظم القضايا
التي تناقش هنا إن لم يكن كلها هي قضايا المستضعفين الذين لا يسمع صوتهم عادة ولا
يفهم عليهم أحد، ولا يملكون غير إحضار الملفات التي يجوبون بها أروقة هذا المبنى
وقاعاته دون الحصول على شيء سوى قرارات لا تنفذ ووعود مليئة بالأباطيل أما
الأقوياء فطريقهم معروف وسبلهم أشار إليها المتنبي من قديم حينما قال:
إِنَّما أَنفُسُ الأَنيسِ سِباعٌ... يَتَفارَسنَ جَهرَةً وَاِغتِيالا
مَن أَطاقَ اِلتِماسَ شَيءٍ
غِلاباً... وَاِغتِصاباً لَم يَلتَمِسهُ سُؤالا
وكان مما استرعى انتباهي أنه ما من قضية من قضايا المسلمين دخلت هذا
المبنى وعرفت طريقها إلى أروقته وقاعاته وملفاته منذ أنشئ في أعقاب الحرب العالمية
الثانية ووجد أهلها حلاً منصفاً أو حكماً عادلاً لها، وأنها جميعاً وضعت على
طاولات مجلس الأمن والجمعية العامة فصدرت بحقها قرارات لم تنفذ ووعود لم تحترم،
وظلت تتقلص كل يوم وتنتقص حتى صارت قضية فلسطين التي دخلت كاملة بتمام عافيتها
وتضاريسها وحدودها وجغرافيتها إبان اغتصاب اليهود لها عام 1948، لتصل في النهاية
إلى اتفاق خياني هزيل وقع خارج مبنى الأمم المتحدة. وحتى القرار الذي ظل الجميع
يتشدقون به وهو القرار رقم 242 والذي صدر في أعقاب استيلاء اليهود على ما تبقى من
أرض فلسطين عام 1967 خرج علينا بطرس غالي الأمين العام للأمم المتحدة بتفسير خاص
له يتيح لإسرائيل أن تضع يدها بنفس القرار على ما استولت عليه من أراض.
أما القرار رقم 425 الذي اتخذه مجلس الأمن في عام 1978 بإيفاد قوات
دولية إلى جنوب لبنان للحفاظ عليه وسحب كل القوات الأجنبية منه فلم ينفذ القرار
إلا على القوات التي كانت تسبب القلق للكيان الصهيوني وتستخدم الأرض اللبنانية
منطلقاً لعملياتها الجهادية والفدائية ضد إسرائيل فأخرجت هذه القوات، وخلا الطريق
أمام إسرائيل التي قامت باجتياح الجنوب اللبناني عام 1982 تحت سمع وبصر قوات الأمم
المتحدة التي ما زالت هناك حتى الآن لا ندري لماذا؟
والوضع في قبرص لا يقل سوءاً بالنسبة للمسلمين عن الوضع في جنوب
لبنان، فمشكلة جزيرة قبرص والصراع بين القبارصة الأتراك المسلمين والقبارصة
اليونانيين الأرثوذكس بين أيدي الأمم المتحدة منذ عام 1964، وكل ما تقدمه الأمم
المتحدة هو دعم القبارصة اليونانيين على حساب القبارصة الأتراك المسلمين الذين
يعتبرون في عزلة دولية منذ انفصال الجزيرة؛ حيث لم يعترف بجمهوريتهم أحد سوى
تركيا، وآخر ما قدمه بطرس غالي لهم من حلول هو بتر أهم الأجزاء الاستراتيجية التي
تخضع لسيطرة المسلمين وتسليمها لليونانيين لتتقلص المساحة التي تخضع لسيطرة
المسلمين في الجزيرة من 37% إلى 31% فرفض المسلمون هذا العرض فأعلن بطرس غالي أمام
المجتمع الدولي بأن القبارصة الأتراك المسلمين هم الذين يرفضون إحلال السلام في
الجزيرة.
وكما اتهم بطرس غالي القبارصة المسلمين بأنهم هم الذين يرفضون إحلال
السلام في الجزيرة بسبب رفضهم لمقترحات الأمم المتحدة فقد اتهم مسلمو البوسنة غير
مرة وما زالوا يتهمون من بطرس غالي وغيره بأنهم برفضهم المقترحات الأوروبية
ومقترحات الأمم المتحدة التي تفرغ البوسنة من محتواها كدولة ذات سيادة- يتسببون في
استمرار الحرب، ومن ثم استمرار المذابح التي يقوم بها الصرب والكروات ضدهم. ورغم
أن قضية البوسنة لم تكمل 20 شهراً داخل أروقة الأمم المتحدة إلا أنها ضربت الرقم
القياسي في عدد قرارات مجلس الأمن المتعلقة بها، والتي زادت على 40 قراراً لم ينفذ
منها شيء على أرض الواقع حتى من قوات الأمم المتحدة التي ربما لم يعرف كثيراً من
جنودها لماذا جيء بهم إلى هذا المكان الذي ينبح فيه المسلمون أمامهم ليل نهار دون
أن يجرؤوا حتى على الصراخ في وجه الصرب والكروات حتى يتوقفوا.
وما زال صوت محمد شاكر بيه مندوب البوسنة لدى الأمم المتحدة يدين
المجتمع الدولي ليل نهار ويناشد أعضاء مجلس الأمن بأن تتمعر وجوههم للحق مرة في
تاريخ هذا المجلس دون جدوى، وكما تحولت قضية فلسطين خلال 45 عاماً من قضية سيادة
دولة إلى مجرد إعلان مبادئ لهيكل إداري هزيل لا يتعدى حدود الإدارة المحلية، فقد
تحولت قضية البوسنة خلال 18 شهراً فقط من قضية سيادة دولة معترف بها في المحافل
الدولية إلى هيكل فارغ من كنتونات ممزقة ليس له سلطة حتى على العاصمة سراييفو.
وبدا واضحاً أن قرارات مجلس الأمن 40 المتعلقة بالبوسنة لا قيمة لها طالما أن
الضحايا من المسلمين وأن الدول 5 دائمة العضوية لا رغبة لها في وجود دولة مسلمة في
قلب أوروبا.
أما أكراد العراق فيعيشون وضعاً مأساوياً لا حدود له بعدما سحبت الأمم
المتحدة رجالها الذين يقدر عددهم بـ 236 جندياً، وتركتهم فريسة للصدام بجنودها
بدعوى أنها عجزت عن تدبير نفقاتهم ومصروفاتهم التي لا تزيد على بضعة ملايين من
الدولارات رغم إنفاق الأمم المتحدة أكثر من ملياري دولار على البوذيين في كمبوديا.
ولم يكن المبعدون الفلسطينيون في جنوب لبنان أكثر حظاً من الأكراد، فقد رمت
إسرائيل بقرارات مجلس الأمن عرض الحائط، ولم تقبلها أو تنفذها كما لم تقبل غيرها
من قبل وما زال نصف المبعدين في جنوب لبنان دون رعاية أو اهتمام. أما الصومال فقد
كانت وما زالت من أكبر الصور التي تظهر أن الأمم المتحدة قد صارت مؤسسة أمريكية
وليس أدل على ذلك من استعراض القرارات التي صدرت بشأن الصومال وآخرها القرار الذي
عايشت صدوره في 17 نوفمبر الماضي؛ والذي يقضي بصرف النظر عن ملاحقة عيديد
ومحاكمته، بل ودعوته كممثل للشعب الصومالي في مؤتمر المصالحة المقرر عقده في أديس
أبابا. وقد دفع الموقف الأمريكي بطرس غالي إلى اتهام واشنطن بأنها تسعى لتحويله
والأمم المتحدة إلى كبش فداء بسبب الفشل الذي منيت به القوة الأمريكية في الصومال
على أيدي قوات عيديد.
أفقت من شرودي من استعراض موقف الأمم المتحدة وقرارات مجلس الأمن من
قضايا المسلمين على صوت عجوز إسكندنافية كان يبدو عليها رغم برودة الإسكندنافيين
أنها حانقة على الأمم المتحدة أكثر مني، فقد ألقت أكثر من سؤال استنكاري على
الموظفة المرافقة لنا من موقف الأمم المتحدة وقرارات مجلس الأمن من مسلمي البوسنة،
لكن الموظفة أجابتها بهدوء على تساؤلاتها، وكان لسان حال إجاباتها يقول لها: إنني
لست بطرس غالي ولكن بطرس غالي يجلس في الطابق 38 من هذا المبنى.
كانت جولتي في هذا المبنى المليء بالبيروقراطية والفساد وانتهاك حقوق
المسلمين وقضاياهم كفيلة بأن أصاب بالاختناق بعد عدة ساعات قضيتها فيه؛ لذلك ما إن
بلغت نهاية الجولة حتى خرجت مسرعاً لأتنسم من هواء نيويورك البارد وقصدت أول شرطي
صادفته لأساله عن أقصر الطرق المؤدية إلى مكتبة نيويورك العامة التي تلي مكتبة
الكونجرس من حيث الأهمية، وما إن أشار الشرطي إلى أقصر الطرق حتى خرج لي، لا أدري
من أين- أحد المشردين السود وقال لي وقد بدأ يمشي إلى جواري كأنما هو مرافق لي هل
تريد الذهاب إلى مكتبة نيويورك؟ فقلت له: نعم قال: سوف أدلك على الطريق: قلت له:
شكراً إني أعرف الطريق؟ قال: ولكني أريد أن أساعدك فبدأ القلق يتسرب إلى نفسي وقبل
أن أرد عليه فوجئت به يمد يده إلى حقيبتي ويقول لي هات هذه حتى أحملها عنك، فقبضت
على الحقيبة بكلتا يدي وتراجعت خطوة إلى الوراء وتلفت يمنة ويسرة لعلي أجد من
ينقذني من هذا البلاء الذي حل علي بعد بلاء الأمم المتحدة، إلا أن الناس لم يكلفوا
أنفسهم حتى مشقة النظر إلي، بدأ الخوف يملأ نفسي وقبل أن أتكلم بشيء فوجئت به يقول
لي: هل أنت مصري؟ قلت في نفسي لقد اكتمل البلاء، وغاب عني كل شيء إلا تحذيرات
الصديق الدكتور حسين إبراهيم- الذي يعيش في نيويورك منذ حوالي 15 عاماً- حينما قال
لي في الصباح إذا كنت قد غامرت في واشنطن وشيكاغو فلا تغامر في نيويورك فالمشردون
هنا يطلقون الرصاص أولاً ثم يفكرون بعد ذلك في الأسباب قلت للمشرد وأنا أحاول
البحث عن ملجأ وما الذي عرفك أني مصري؟ قال: أستطيع بسهولة أن أتعرف على كثير من
الجنسيات فقلت له: وأنا أحاول أن أبتسم بينما قلبي ينتفض في صدري- يبدو أنك خبير
دولي.. ثم بادرته قائلاً وأنا أستنجد المارة من حولي بنظراتي دون أن يعيرني أحد أي
انتباه هل لي أن أساعدك؟ قال: نعم.. أريد مالاً.. فقلت له: هذا أمر بسيط فخبير
دولي مثلك يستحق الكثير ومددت يدي في جيبي فأخرجت حفنة من الدولارات دفعتها إليه
على أمل أن يقتنع بها وينفك عني، وما إن استقرت الدولارات في يده حتى اختفى كالبرق
بدأت بعدها ألملم زوايا نفسي وتنفست الصعداء، ثم واصلت المسير مع بقايا من الخوف.
وحينما لقيني الدكتور حسين إبراهيم في الليل وجدته قلقاً وبادرني
قائلاً: حمداً لله على سلامتك لقد قلقت كثيراً عليك، فقلت في نفسي: ومن الذي أخبره
بما حدث لي فلم يكن معي أحد ولم أنو إخباره بما حدث، لكننا على أي الأحوال في
أمريكا بلد الأزرار والكمبيوتر فقلت له وأنا أداري بقايا الخوف الذي ملأ نفسي قبل
ساعات لقد وعدتك بالالتزام بتعليماتك في الصباح وبالتالي لم يكن هناك ضرورة لكي
تقلق فقال لي: أما تابعت الأخبار؟ قلت له لا لم أتابعها فقال: إن ما دفعني للقلق
عليك هو أن الخبر الرئيس في الأخبار أن هذا اليوم 17 نوفمبر كان من أكثر الأيام
دموية في نيويورك؛ حيث قتل خلال ساعات 10 أشخاص في أحياء متفرقة من المدينة بعضهم
من السياح، وهذا رقم مرتفع مقارنة بنسبة جرائم القتل الاعتيادية اليومية في
المدينة؛ ولأني خفت أن تغامر وألا تلتزم بتوصياتي لك فقد أدركني قلق شديد عليك بعد
سماعي هذا الخبر.. فقلت: 10 من القتلى اليوم؟ قال: نعم تذكرت المشرد الذي اشتريت
نفسي منه بحفنة دولارات قبل عدة ساعات وقلت: الحمد لله أني لم أكن الحادي عشر.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل