العنوان الأمن والاستقرار في بنية المجتمع أولًا لكي لا نرى مكروهًا
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 29-أبريل-1980
مشاهدات 69
نشر في العدد 478
نشر في الصفحة 8
الثلاثاء 29-أبريل-1980
الأمن والاستقرار في بنية المجتمع أولًا لكي لا نرى مكروهًا
الأمن والاستقرار في تطبيق الشريعة والقوانين الإسلامية
العدل والمساواة أساس الاستقرار والأمن
78% من العاملين غير كويتيين فلماذا يحرمون من التأمينات الاجتماعية؟
التفرقة في الأجر عن العمل بحسب الجنسية مبدأ مرفوض إسلاميًا وعلميًا.
ندعو الله أن يحفظنا من كل مكروه ونخالف ذلك في أفعالنا.
تتداول الأوساط السياسية في الخليج عمومًا الحديث عن الأمن ولئن تضاربت الآراء حول ما يهدد الأمن، هل هي عوامل خارجية أم عوامل داخلية فإننا نرى أن العوامل الداخلية هي الأساس. فإذا كان المجتمع مستقرًا آمنًا حفظه الله من كل مكروه. ولا يخفى أن أهم عوامل الاستقرار في المجتمعات هي العدل والمساواة. وهذا ما نص عليه الدستور الكويتي. ولكن في عالم الواقع هل حققنا ذلك؟
نعمة نشكر الله عليها
وبادئ ذي بدء لا بد من حمد الله وشكره على ما أفاء الله علينا من نعم وخيرات وما ننعم فيه من يسر الحياة وطراوتها. ونحن كذلك مقارنة بغيرنا من المجتمعات والبلدان ننعم بالاستقرار والطمأنينة والأمن. ولا أظن أحدًا مسؤولا ولا مواطنًا إلا وهو يضرع إلى الله- في خضم هذا العالم المضطرب الهائج من حولنا- أن يحفظ هذا البلد من كل شر ومكروه وأن يجعله آمنًا مطمئنًا سخاء ورخاء وسائر بلاد المسلمين.
والحقيقة أن الحكومة لم تقصر في بناء دولة الرفاه المادي، فقد أمنت التعليم والصحة وجميع أنواع الخدمات الأخرى وعلى مستويات راقية. ولكن الإنسان والمجتمع بالتالي له حاجات مادية ومعنوية لابد من إشباعها أولًا ولا بد من العدل في إشباعها ثانيًا حتى يتحقق الاستقرار والأمن.
تحذير شديد اللهجة
ونحن إذا قرأنا التاريخ، قرأنا تحذيرًا شديد اللهجة يقول بإن العدل والمساواة إذا فقدا من مجتمع فقد الأمن والاستقرار وعاش الناس في خوف على الأنفس والأموال والثمرات. ويستطرد هذا التحذير ليقول إن شرارة الثورة تتولد أكثر ما تتولد خاصة إذا كانت شعبيته عارمة، عندما تنعدم المساواة بين الناس بسبب الدين أو الطائفة أو الجنس أو الجنسية أو لأي سبب من الأسباب. وأشد أشكال عدم المساواة هذه سوءًا وشرًا، عدم المساواة في أمور المعاش وما تقوم به الحياة.. في المأكل والمشرب والمسكن وبصورة أخرى الظلم في توزيع الثروات والظلم في توزيع الثروات يكون نابعًا من طبيعة النظام الاقتصادي كالنظام الرأسمالي والنظام الاشتراكي بكل أشكاله ونحن كمسلمين نعلم ونؤمن أن النظام الإسلامي هو النظام الوحيد الذي يكفل المساواة في كل شيء ولكن هذا لا يعني أن المساواة قد تتحقق في عالم الواقع في المجتمع الإسلامي، لأن الحاكم الذي يتولى تطبيق النظام لا يعدل بين الرعية فيُمكّن للقريب ويحرم للبعيد.
ونحن في الكويت نظامنا الاقتصادي رأسمالي في فكرته الأساسية «مبدأ الحرية» ولكنه يجمع إلى ذلك بعد أشكال التضييق الإسلامي ورأسمالية الدولة، لذلك لا بد أن يعدل هذا النظام لينسجم مع عقيدة الأمة أولا.
ولكن التحذير السابق لا ينطبق على الظلم الحاصل من كون النظام مختلطًا ليس له هوية فحسب بل ينطبق على جملة سياسات وإجراءات تتعلق بالتميز في الحقوق والمكتسبات بين أفراد المجتمع الكويتي.
ونحن هنا نعرض لبعض هذه السياسات لنبين خطورتها ونحذر مما قد تجر إليه من فرقة وحقد وضغينة وتشتت كلمة في وقت نحن في أمس الحاجة إلى الوحدة والأمن والاستقرار.
الرواتب والأجور
لقد أقرت الحكومة مبدأ التمييز بحسب الجنسية في قانون الخدمة المدنية الأخير، الذي أقر أن الكويتي فضلًا عن أن له الأولوية في التوظيف يعين أولا في درجة أعلى من نظيره غير الكويتي. وأن راتب الكويتي لدرجة معينة أعلى من راتب غير الكويتي في نفس الدرجة.
والتمييز في الرواتب التي هي أجور العمل فضلا عن أنها معيار حضاري متأخر وغير إنساني ونفتح أفواهنا لنكيل كل الكلمات القاسية تجاه من يطبقون هذا المبدأ كما في أميركا وإفريقيا الجنوبية وإسرائيل، فإنه معيار مرفوض إسلاميًا حيث ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (سورة الحجرات: 13) ومرفوض علميًا كذلك لأن الأجر هو قيمة العمل بغض النظر عمن قام بالعمل كويتيًا كان أو غير كويتي، مسلمًا كان أو غير مسلم. ولا يخفى أن هذه التفرقة غير المنطقية في الرواتب والأجور بين مواطني البلاد ستخلق نوعًا من الكراهية بين أفراد المجتمع أول ما تنعكس على مستوى العمل نفسه أولًا وقد تتطور في المستقبل إذا انضافت إليها عوامل أخرى لتصبح نوعًا من الطبقية التي توفر جوًا صالحًا لدعاة الفكر الاشتراكي والشيوعي الذي نجمع على فساده وشره.
فكيف إذن نهيئ له الجو ونخلق له الظروف بأيدينا؟ ثم إلى متى نظل نطلب الأمن وندعو الله أن يحفظنا من كل مكروه ونحن نخالف ذلك في أفعالنا؟!
الملكية العقارية والعمل التجاري
وفوق ما سبق فقد منع القانون غير الكويتي من الملكية العقارية إلا في حدود ضيقة جدا ومن حق العمل التجاري، فشرط القانون أن تكون رخص المحلات أو الحرف والوكالات التجارية والشركات التجارية إلا باسم كويتي وفي حالة الشركات المشتركة اشترط القانون أن تكون ملكيتها بنسبة 51% للكويتي على الأقل و49% لغير الكويتي. وإذا كان غرض القانون هو توزيع الثروة على الكويتيين فإن هنالك وسائل أخرى لتوزيع الثروة أكثر عدلًا، وإذا كان هنالك جدل حول منطقية هذه المميزات التي نص عليها القانون باعتبار أهل البلاد أولى بخيراتها من غيرهم، فإن العدل يقتضي إعادة النظر في هذه القوانين ليشعر الوافدون الذين ارتبطوا بهذا البلد وأكثرهم إخوة مسلمون أنهم ليسوا غرباء وليسوا مظلومين فيبذلوا قصارى جهدهم الذي لا ينكر أحد أنه أسهم بشكل جاد وملموس في بناء نهضة الكويت.
بدل الإيجارات
وقد أدركت الحكومة أن أزمة الإيجارات لم تقتصر على غير الكويتيين بل طالت ذوي الدخول المحدودة من الكويتيين. فاتخذت بادرة طيبة لتعوض الأسر الكويتية المتضررة من ارتفاع الإيجارات. فقد بدأت تظهر أسماء بعض الأسر المستحقة في الصحف اليومية. ولكننا نعتقد أن هذا الإجراء لا يحل أزمة السكن من جهة، ويعتبره غير الكويتيين ظلمًا وإجحافًا من جهة ثانية. وعليه فإن هذا الإجراء نتائجه السلبية أكثر من نتائجه الإيجابية والأهم أنه بدل أن يكون تعبيرًا عن إشاعة الرحمة والرأفة في المجتمع سيكون عامل حسد ونقمة وفرقة.
ويبدو أننا لا نقرأ القرآن ولا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التحذير من المحاباة والظلم. فالظلم قد يكون في الشرك كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (سورة لقمان: 13)، و«الظلم ظلمات يوم القيامة» كما في الحديث الصحيح، فإلى متى نخالف أمر الله والرسول؟!
التأمينات الاجتماعية
المعروف في كل دول العالم أن قوانين التأمينات الاجتماعية لا تفرق في التطبيق بين المواطن والوافد أما عندنا فقد حرم قانون التأمينات الاجتماعية غير الكويتيين الذين يشكلون 78% من العاملين باعتراف مدير عام مؤسسة التأمينات الاجتماعية، أي أن العمل يقوم على عاتقهم، فلماذا نحرمهم هذا الحق إذن؟ ألسنا بذلك نخلق هوة سحيقة بين الكويتيين والوافدين؟ وبصورة أخرى إننا إذ نفعل ذلك إنما نبني عوامل الاضطراب وعدم الاستقرار بأيدينا.
إن نظرة الكويتي وغير الكويتي ليست في صالح الكويت أبدًا. فالكويتيون والوافدون تجمعهم إخوة الدين في الغالب واللغة والمصالح المشتركة، وهم معًا يبنون الكويت ويريدون له الخير والرفعة والتقدم، إنهم مجتمع متجانس بكل ما في الكلمة من معنى، وأن التفرقة القانونية فيما بينهم إن هي إلا عامل هدم وشر للمجتمع. أدركنا ذلك في الوقت الحاضر أم لم ندرك ونسأل الله ألا يأتي ذلك اليوم الذي ندرك فيه قبيح صنعنا. وسوء سياستنا.
إزالة البقالات من المناطق النموذجية
وإذا كان القانون في الحالات التي ذكرناها قد فرق بين الكويتي وغيره فقد اتخذت إجراءات أخرى أصابت آثارها غير الكويتيين والكويتيين ذوي الدخول المحدودة فقرار إغلاق البقالات من المناطق النموذجية أي الكويتية بصريح العبارة، قد تأثر منه صاحب البقالة الذي هو في غالب الأمر غير كويتي فحرم بذلك من مصدر للرزق تأثرت منه بعض العائلات الفقيرة التي تشتري بالسلفة أو الدين، كما تأثر بذلك الكويتي صاحب المتجر الذي غالبًا ما يكون من ذوي الدخل المحدود أو من العائلات المستورة فحرم من أجر متجره.
والخلاصة. أن القرار بغض النظر عما قيل من مبررات أمنية واجتماعية، كان في صالح الجمعيات التعاونية وبالتالي في صالح الأغنياء الذين يملكون معظم أسهمها.
بنك التسليف ومنع التأجير
وثاني هذه الإجراءات القرار الذي اتخذه بنك التسليف والادخار بمنع أصحاب بيوت ذوي الدخل المحدود وأصحاب القروض من تأجير أي جزء من بيوتهم. وواضح أن هذا القرار يطال ذوي الدخول المحدودة بحرمانهم من عائد تأجير جزء من بيوتهم، كما يطال المستأجر سواء كان كويتيًا أو غير كويتي فيحرمه من ميزة الحصول على مسكن بأجر منخفض نسبيًا مقارنة بأجور شقق المجمعات السكنية الضخمة الحديثة، ومهما قيل أيضًا من مبررات أمنية واجتماعية فإن نتيجة القرار ستكون في صالح المترفين من أصحاب ناطحات السحاب التي مضى على بعضها سنوات وهي غير مؤجرة.
ولذلك فإن مثل هذه القرارات إضافة إلى ما نص عليه القانون من تميز بين أفراد المجتمع «كويتيين وغير كويتيين» تعتبر عامل تعميق للتفاوت الطبقي وعامل إثارة للبغضاء والشحناء والتنافس غير المشروع بين أبناء المجتمع الواحد، مما يهيئ جوًا مناسبًا لكل من يطمع في زعزعة الاستقرار وإشاعة الخوف والاضطراب في هذا المجتمع. وما أكثر اليوم من يطمع في ذلك، وما أسهل أن يصل لذلك إن نحن واصلنا الغفلة ولم نضع للظلم والغبن حدًا.
وأخيرًا
وأخيرا فالمطلوب للحفاظ على الأمن والاستقرار في هذا البلد، أن نحتكم إلى الشرع الحنيف حكامًا ومحكومين، وأن نبني دستورنا وقوانيننا على أساس من الشريعة الإسلامية. لأن فيها العدل والمساواة اللذان هما أساس الاستقرار والأمن في كل مجتمع.
ولأن الحكم بغير ما أنزل الله كفر وفسق وظلم، ولنعلم أن كل وسائل الوعظ والإرشاد مهما كانت بليغة لا يمكن أن تحل مشكلة اقتصادية أو اجتماعية ناتجة عن تبني نظام اقتصادي أو اجتماعي أو سياسي قائم على الظلم والظلم ركن أساسي فيه باعتباره نظامًا وضعيًا من صنع البشر وليس من صنع رب العالمين وأحكم الحاكمين.
وانطلاقا من هذا الفهم نسوقها نصيحة للمسئولين خالصة لوجه الله تعالى ونشدانا لأمن واستقرار هذا البلد، أن يتقوا الله عمليًا فيسارعوا إلى تحكيم شرع الله، وقيادة المجتمع وإعطاء أفراده حقوقهم وحرياتهم على أساس هذا الشرع، فإنهم إن فعلوا ذلك أمنوا في الدنيا وفازوا في الآخرة. فهل أنتم أيها المسؤولون لنصيحتنا سامعون؟
وأخيرا اسمعوا قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ۖ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ (سورة الأنفال: 24).