; الأنبياء والصحابة في الدراما المعاصرة | مجلة المجتمع

العنوان الأنبياء والصحابة في الدراما المعاصرة

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الأحد 01-ديسمبر-2013

مشاهدات 154

نشر في العدد 2066

نشر في الصفحة 64

الأحد 01-ديسمبر-2013

التمثيل يعتبر إحدى الأدوات الفنية التي لم يعرفها السلف الصالح، ولهذا فهو يعد من المستجدات العصرية التي يجب أن عمل فيها آلة الاجتهاد بادواته، خاصة انه ليس فيه نص، وليس هناك ما يقاس عليه، وليس فيه إجماع من علماء الأمة في عصرنا بشكله العام، وهناك اجتهادات كثيرة في حكم تمثيل الأنبياء والصحابة، وهذا يدل على مكانة هذا العمل في حياتنا، وأهميته، وأنه وسيلة لا يمكن لنا ان نغفلها لما له من تأثير في حياة الناس.

والمتتبع لأقوال الفقهاء المعاصرين لا يجد خلافًا في حرمة تمثيل أدوار الأنبياء بأشخاصهم، أو ما طلق عليه «الإجماعِ السكوتي»، «ومُنطلق التحريم هو أن درء المفاسد مُقدم على جلب المصالح، فإذا كانت الثقافة تحتاج إلى خروج على الآداب، فإن الضرر من ذلك يفوق المصلحة، وأن عصمَة الله لأنبيائه ورُسُله من أن يتمثل بهم شيطان مانعة من أن يمثل شخصياتهم إنسان»، وأن تمثيلهم ليس مطابقًا للواقع، فيغلب فيه جانب الضرر، وأن تمثيلهم قد يؤدي إلى إيذائهم وإسقاط مكانتهم وغير ذلك من الأدلة التي استند إليها.

ولكن هذا لا يعني ألا تكون حياة الأنبياء مادة لأحد أشكال الدراما من الفيلم أو المسلسل أو المسرحية أو غير ذلك؛ فهذا أمر يدخل في باب الإباحة أو المستحب على الأقل، ويمكن اتخاذ التقنيات الفنية المعهودة في إدارة القصة مع عدم ظهور بطلها، وهو أمر موجود في عالم الفن بعيدًا عن طبيعة المادة الممثلة فيما يتعلق بحياة الأنبياء.

أما عن تمثيل الصحابة، فللعلماء المعاصرين فيه ثلاثة آراء:

الأول: المنع المطلق، فلا يجوز - عند هذا الفريق تمثيل أشخاص الصحابة بالكلية، وهو ما يراه عدد من علماء الأزهر، منهم د. عبدالصبور مرزوق، ود. عبدالعظيم المطعني يرحمه الله تعالى، ود. عبدالفتاح عاشور، ود. محمد سيد أحمد المسير يرحمه الله تعالى، وهو ما مال إليه د. أحمد الريسوني من علماء المغرب، وهو أيضًا رأي اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالسعودية، ومثلها: الشيخ ابن باز، والشيخ عبدالرازق عفيفي، والشيخ عبدالله بن غديان، والشيخ عبدالله بن قعود، بل صدرت فتوى من هيئة كبار العلماء بالسعودية بذلك، واستندت لجنة البحوث والإفتاء إليها في فتواها.

الثاني: الإباحة المطلقة، وهو مذهب علماء الشيعة، نقله عنهم الشيخ فيصل مولوي رحمه الله تعالى في إحدى فتاواه.

الثالث: حرمة تمثيل البعض وإباحة تمثيل الآخرين، وفيمن يحرم تمثيله اثنان:

الأول: الخلفاء الراشدون وآل البيت.

الثاني: العشرة المبشرون، ومنهم بالطبع الخلفاء الراشدون وآل البيت.

ويمثل هذا الفريق الشيخ القرضاوي، والشيخ فيصل مولوي يرحمه الله تعالى، والمفهوم من كلام الشيخ ابن عثيمين يرحمه الله تعالى، ودار الإفتاء المصرية، ومجمع البحوث الإسلامية ولجنة الفتوى بوزارة الأوقاف الكويتية وغيرهم.

أدلة القائلين بالتحريم:

ويستند من يقول بالتحريم مطلقا إلى ما يلي:

- ١إن كل من بُشر بالجنة لا يجوز تمثيل أشخاصهم، لا فرق في ذلك بين درجاتهم؛ فبشارته بالجنة تمنع تمثيله، وهو رأي كثير من علماء الأزهر ممن قال بالتحريم.

- ٢ما قد ينتج عن تمثيل أشخاصهم من الامتهانِ والاستخفاف بهم، والنيل منهم؛ إذ يقوم بدورهم - غالبا - أناس بعيدون كثيرًا عن التدين والالتزام بأوامر الله تعالى؛ وهو ما قد يولد السخرية من الصحابة والدين وتعاليمه، مع ما في ذلك من ظهور سب الصحابة بتمثيل دور المشركين معهم، وهو ما قالته لجنة الإفتاء والبحوث وهيئة كبار العلماء بالسعودية.

- ٣إن المفاسد المترتبة عليه أكثر من المصالح، وما كانت مفسدته أرجح فهو ممنوع، فإن قال البعض: إن في تمثيل حياتهم إظهارا للأخلاق والسلوكيات الحميدة، فهذا مجرد افتراض ينفيه واقع التمثيل، وهو ما قالته لجنة الإفتاء والبحوث وهيئة كبار العلماء بالسعودية، وعدد من علماء الأزهر.

- ٤إن تمثيل الصحابة إنزال لمكانتهم العالية التي وهبهم الله تعالى إياها في قرآنه، وعلى لسان نبيه وم، وهو رأي هيئة كبار العلماء بالسعودية، والمفهوم من كلام عدد من علماء الأزهر.

- ٥إن غرض التكسب والتربح سيطغى على تقديم الصورة الصحيحة؛ وهو ما يدفع القائمين بالإنتاج والتمثيل في التلاعب في سيرتهم، والاتجار بما يناسب الربح والاتجار بعيدًا عن الدقة العلمية، وهو مستند هيئة كبار العلماء بالسعودية.

- ٦ما حدث من قيام البعض من تمثيل الصحابة وسبهم وقذفهم والاجتراء عليهم، بل استخدام الحبكة الفنية ومهارات الإخراج في التلفيق والتشويق بهدف الإقناع والتصديق، وهو ما قاله د. عبدالعظيم المطعني.

- ٧أنه لم يتبق لنا في عالم الأسوة والقدوة إلا الصحابة، فمن الأولى أن نبتعد عنهم، وإن كان هناك إفلاس في موضوعات جيدة في الفن، فلتكن بعيدة عن هؤلاء الصحابة.

- ٨إن القدرة على تمثيل الصحابة بأشخاصهم عمل صعب فنيا؛ إذ إن اللّٰه تعالى وهب الصحابة قدرات خاصة كي يكونوا أهلا لصحبة نبيه وهذا لا يمكن تصوره في العمل الفني.. ولا يجوز التعرض بالتمثيل لهم، استناد لقوله ي «الله الله في أصحابي، لا تتخذوهم غرضا من بعدي.. فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم» (أخرجه الترمذي)، وهو رأي د. عبد الفتاح عاشور.

- ٩إن هؤلاء الكتاب والفنانين ينقصهم أدنى فنيات وآدوات كتابة التاريخ، فضلًا عن كتابة السيرة التى لا يمكن معالجة حياة هؤلاء بعيدًا عنها؛ فهم جزء لا يتجزأ من السيرة النبوية الشريفة التي لا يصح كتابتها أو الخوض فيها بعيدًا عن التزود بأدوات علم الحديث من جرح وتعديل، وهو مستند د. عبد الفتاح عاشور أيضًا.

- ١٠إن فن السينما متأثر بالفكر الكهنوتي والكنسي الذي بزغ المسرح والسينما في أحضانه من تقديس للأشخاص وتأدية أدوار الآلهة في المعابد، بل وعبادة لها من دون الله.. والفن في الإسلام متحرر من هذه المادية المغرقة، بعيد عن التوثين والتجسيد وعبادة الفرد للفرد.

- ١١وإذا كنا في زماننا هذا نفزع من تهمة نسمى الازدراء برمز الحكم.. فكيف بالازدراء برموز الإسلام؟! وهو رأي بعض علماء الأزهر.

- ١٢القول بتحريم تمثيل الصحابة مستند إلى قاعدة درء المفاسد، واتقاء الشبهات؛ فالقول بتجسيد حياتهم تمثيلا قول محفوف بالأخطار العظام، وإذا سلمت شخصية فلن تسلم أخرى، وإذا وجدنا من يفهم ويعلم سيرتهم اليوم، فلن نجده غدا، بل وستظل تصورات الفنانين لأشخاصهم نهبًا لكل شارد ووارد؛ فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، وهو ما استند إليه د. المسير.

أدلة من يحرم تمثيل بعض الصحابة دون غيرهم:

ويستند من يفرق بين العشرة المبشرين، أو الخلفاء الراشدين وآل البيت إلى ما يلي:

- ١إن كبار الصحابة لهم مكانة أكبر من غيرهم تمنع من أن يقوم بدورهم أحد، ولكن يشترط فيمن يقوم بتمثيل غيرهم أن يكون حسن السيرة والاستقامة، وهو ما اشترطه الشيخ القرضاوي.

- ٢إن كان الأولى عدم تمثيل أشخاص الصحابة، فإن كان التمثيل لن يقلل من شآنهم فلا يمكن الحكم عليه بالحرمة، وليس في قيام شخص بدور آخر فيه نوع من الكذب؛ لأنه معلوم أنه ليس هو الشخص، وهذا هو المفهوم من كلام الشيخ ابن عثيمين يرحمه الله تعالى.

أما الشيعة، فمن الواضح أنه ليس عندهم دليل للتحريم، كما أن منزلة الصحابة عندهم ليست كما يرى أهل السُّنة، فلم يجدوا حرجًا في تمثيل أشخاصهم، بل إنهم لم يمنعوا تمثيل الأنبياء، بشرط أن يظلل وجه الممثل ضوء بحيث لا يظهر شكله فقط، أما صوته وحركاته فلا بأس بها عندهم.

الترجيح:

إذا كان من المهم أن تكون سيرة الأنبياء مادة للدراما، فلأن الدراما الآن من أهم الوسائل الإعلامية التي لم يعد غالب الناس في غنى عنها، ولتأثيرها لكبير على شرائح واسعة من الناس، ولهذا، فنحن نرى جواز التمثيل، بل نراه مستحبًا إن روعيت فيه الشروط التي ترفع من شأن الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - وساعتها نعتبره من الجهاد الإعلامي الذي يثاب فاعله عند الله تعالى، مع التأكيد على التزام الضوابط الشرعية في عملية التمثيل، على ألا تظهر شخصيات تقوم بتمثيل أدوار الأنبياء، وهذا محل إجماع بين فقهاء الأمة المعاصرين.

أما عن تجسيد الصحابة - رضوان الله عليهم فالأمر مختلف، وذلك للاختلاف بين الأنبياء والصحابة، فالأنبياء معصومون بعصمة اللّٰه تعالى، ولهم قدسية ومكانة لا تضاهيها أية مكانة، أما الصحابة فالخطأ في حقهم وارد، وإن كان الصحابة هم خير القرون بنص حديث النبي يمة «خير القرون قرني»، فهذا لم يمنع أن تخرج من بعضهم الهنات، فهم ليسوا معصومين.

والصحابة ليسوا درجة واحدة، وليس من دليل صريح في منع تجسيد الصحابة من حيث الجملة، بل نحن في أمس الحاجة أن نعرض سيرهم بكل وسيلة ممكنة؛ حتى تفيد الأمة منهم.

ولكن يستثنى من ذلك تجسيد الخلفاء الراشدين الأربعة: أبي بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، رضي اللّٰه عنهم، فهؤلاء لا يجوز تمثيلهم إلا بما قيل في جواز الأنبياء، وإن لم يكونوا أنبياء، ولا يعني هذا القول بعدم جواز تمثيل كل من هو مبشر بالجنة على ما قالته بعض المجامع الفقهية، لأن المنع بالبشارة بالجنة ليس محصورا على عشرة ولا على مئات من الصحابة.

والأدلة على تقييد منع تمثيل الخلفاء الأربعة إلا بمنع ظهور وجوههم، مستند إلى ما يلي:

أولًا : أن النبي ي جعل حياة الخلفاء الراشدين جزءًا من سنته، فقد ألحق أفعالهم بسنته، وذلك في حديثه الترمذي وأحمد وأبي داود: «وإياكم ومحدثات الأمور، فإنها ضلالة، فمن أدرك ذلك منكم فعليه بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ»، فإن كان يحرم ظهور شخص النبي والله، وهو ما لم يحدث حتى الآن، فإنه يلحق به الخلفاء الراشدون لجعل النبي هديهم من هديه، وسيرتهم من سيرته.

ثانيًا: أن الأمة أجمعت على مكانة هؤلاء الأربعة بلا خلاف بينها، وجعلتهم متمايزين عن غيرهم، وفي إجماع الأمة على مكانتهم ما يسهم في تدعيم القول بحرمة تمثيل أدوارهم، وقد زكاهم الرسول ف بما لم يزك به غيرهم.

ثالثًا: أنه يلحق بهم أيضا زوجات النبي وبناته وأولاده لي لارتباطهم بحياته للِيه ولاصطفاء الله تعالى لهم، وجعلهم زوجاته وأولاده، فتكون العلة في التحريم واحدة، تنسحب من الرسول وي إلى أزواجه وأولاده.

رابعًا: كما أنه يجب أن تراعى بعض الضوابط الشرعية، التي استند إليها القائلون بالتحريم، فإدراك ما للصحابة من فضل يجب أن يظهر في عرض أعمالهم، وأن يكون هناك صدق تاريخي فيما يكتب، وأن تكون هناك هيئة استشارية من علماء التاريخ الإسلامي، لاعتماد الروايات وترجيحها على روايات أخرى، فمن المعلوم أن التاريخ الإسلامي شابه بعض الدّخل الذي غيّر بعض حقائقه، فالرجوع إلى أهل الذكر مهم جدًا، وأهل الذكر هنا هم علماء التاريخ والفقهاء، كما يجب أن يراعى أن الحبكة الفنية لا تطغى على حقيقة الواقع، مع اعتمادٍ التقنيات الفنية، وأن يخرج عملًا فنيًا محترمًا بمراعاة الأدوات الفنية، فيظهر فيه الاحتراف مع التصوير الصادق، وأن يراعى ألا يكون في العمل لفني أضرار تعود على المجتمع، فإن الأمة تحتاج إلى إظهار محاسنها، والتعلم من أخطائها، غير أن التعلم من الخطأ ليس شرطًا أن يكون مكانه الدراما إلا إذا ظهر بشكل يتعلم منه الأخطاء الواقعة في التاريخ، ومن أهم الضوابط التي يجب أن تراعى حسن سيرة واستقامة القائم بالتشخيص، ويمكن عمل تغييرًا في وجهه ونبرة صوته إن كان الممثل على كفاءة عالية، والغرض من ذلك ألا ترتبط الصورة الذهنية بين الممثل وبين الصحابي الذي تقوم مادة الدراما عليه للأثر السلبي لسيرة بعض الممثلين من غير ذوي الاستقامة، وغير ذلك من الضوابط الشرعية التي ذكرت في أدلة كل فريق.

خلاصة الراي

إنه لا يجوز تشخيص أدوار الأنبياء جملة وتفصيلا، ولا أولادهم وأزواجهم الصالحات.

كما يلحق بهم الخلفاء الراشدون، وأما سواهم فيجوز تشخيصهم في الدراما بالشروط المذكورة، على أن هذا هو ما يغلب على الظن من حيث الحكم لشرعي، أما الفعل من عدمه، والنظر في جدواه فلهذا حديث آخر، فقد يرى المتخصصون من أهل الفن أن الأولى عدم ظهور هذه الشخصيات العظيمة، غير أن الحكم بالأولى غير بيان الحكم في أساسه، والقول هنا أقرب للحكم الشرعي وليس للفتوى، لأن الفتوى لها ارتباط بالحال والمآل والزمان والمكان وغير ذلك من الملابسات الواقعية التي تفرق بين الحكم لشرعي الذي يشبه المرجعية التأسيسية، وبين الفتوى التي تمثل الحالة الخاصة المستمدة من الحكم، ليبقى الحكم دائمًا هو جانب التنظير، وتبقى الفتوى هي الحالة الحيوية للفعل المسؤول عنه.!!

الرابط المختصر :