العنوان الأنثى وشِباك الحب الكاذب(2)
الكاتب أ. د. سمير يونس
تاريخ النشر السبت 15-نوفمبر-2008
مشاهدات 78
نشر في العدد 1827
نشر في الصفحة 56
السبت 15-نوفمبر-2008
قالت في رسالتها: «أعيش صراعًا لم أمر به طوال حياتي..
أنا أرملة في نهاية العقد الثالث من عمري, توفي زوجي في حادث سيارة مؤلم، وتركني أربي ابنين وبنتًا لم يتجاوز أكبرهم ست سنوات, وكان-يرحمه الله- ميسور الحال، فلم نشعر بعده بأزمة مالية، أعيش في بيته الذي ورثه عن أبيه، وتسكن معي في البيت نفسه أخواته الأربع- وهن على دين وخلق - وأشعر بحبهن لنا وحنانهن عليّ وعلى أولادي، حتى أنهن أغنينني عن أهلي...
نعم، أعيش نعمًا تستحق الشكر، لكنك لا تتصور كم تتجرع الأرملة من مرارات بعد أن تفقد زوجها وحصنها وحصن أولادها بعد الله عز وجل... والمرأة منا لا تشعر بقيمة زوجها إلا بعد فقدانه».
هذه إحدى الرسائل التي وصلتني من إحدى السيدات، تستنصح بعد أن جهز الصياد شبكته للانقضاض على الفريسة.. فماذا حدث؟
سارق الهاتف
تقول هذه السيدة: «كنت ذات يوم في أحد محلات الملابس أشتري ملابس لأولادي، وأجهز لهم أدواتهم استعدادًا للعام الدراسي الجديد, فلما اخترت الملابس التي أعجبتني وجدت بعضها يحتاج إلى تعديل عند الخياط، فقال لي البائع لدينا بالمحل من يعدل لك الملابس دون مقابل مادي، ثم طلب الهاتف كي يبلغني عند الانتهاء من تعديل الملابس لاستلامها, فأعطيته رقم هاتفي.. لم أكن أتوقع أن أحد الموجودين بالمحل يسترق السمع، ويسرق رقم الهاتف !!
ما هي إلا أيام قلائل، وإذا بسارق رقم الهاتف هذا يتصل بي في بيتي؛ فسألته: من أنت؟ قال: ستعرفينني جيدًا، ولكن فيما بعد... كل ما أريد أن أقوله لك الآن هو أنني كنت معك بمحل الملابس، وأنا رجل أبلغ من العمر السابعة والثلاثين ولم أتزوج، وقد وجدتني أميل إليك؛ برغم أنني لم ألتق بك قبل ذلك، وأحسست أنني وجدت ما كنت طوال عمري أبحث عنه... ثم ظل يظهر شكره لله تعالى على أن أتاح له الفرصة لرؤيتي، كما واصل كلامه المعسول، وكان له وقع السحر!!
نعم، لقد كان لكلامه وقع السحر، فأنا السيدة الأرملة التي حُرمت من زوجها وهي في ريعان شبابها وشدة احتياجها إلى الرجل.. وعندما توفي زوجي وبعدها- إلى إن اقتحم عليّ هذا الرجل بيتي- لم أكن أفكر في الزواج، واخترت أن أربي أولادي، وقلت في نفسي: هذه فرصة مُيسرة إلى الجنة؛ فلأستثمر هذه الفرصة العظيمة، فلما ظهر هذا الرجل في حياتي أنساني ما اخترته لنفسي باختياري وإرادتي، وأصبحت في صراع يكاد أن يقتلني.. بين الاستجابة لقلبي وعواطفي تجاه احتياجاتي كامرأة صغيرة تريد رجلًا يعفها ويعطيها الحنان والأمان، وبين التفرغ لتربية أولادي الصغار الذين يحتاجون إلى كل دقيقة من عمري.. صراع بين إقامة ود جديد شرعه الله عز وجل بين الرجل والمرأة، ووضع له أسسه وقواعده والمضي في ودي وعلاقتي الطيبة بعمات أولادي التقيات الحانيات، مع العلم أنني لا أستطيع أن أجمع بين الودين أبدًا «ودي مع الرجل بزواجي منه، وودي مع عمات أولادي» حيث إنهن صارحنني بأنني إذا تزوجت فلا مكان للزوج الجديد في بيت أخيهن المتوفى؛ وميراثي لا يكفى لتملكي شقة سكنية، كما أنهن لا يتحملن أن يأتي رجل آخر-غير أخيهن رحمه الله- فيسكن في بيته ويتزوج زوجته ويربي أولاده، وقد أبدين مخاوف من قسوة زوج الأم على الأولاد؛ لذا فقد أبلغنني أنهن في حالة زواجي سوف يقمن بتربية الأولاد، ومعنى ذلك أنني إذا تزوجت فيجب عليّ أن أترك البيت, وأترك أولادي!!
وتلك قصة صراعي فهل بعد هذا الصراع صراع؟»
هكذا أنهت هذه السيدة رسالتها.. قلت لها: هل رأيت هذا الرجل؟ قالت: لا!! فلم أعلق حتى لا أضيق عليها، فتتحفظ معي في كلامها ولا تعطيني المعلومات الكافية لتشخيص الحدث؛ كي أتمكن من مساعدتها.
سألتها: هل عرف منك ظروفك؟ فأجابت: نعم، وبالتفصيل.
هنا، استنتجت من ذلك أن هذه السيدة تحدثت مع الرجل كثيرًا، فسألتها: هل كان بينكما وسيط؟ قالت: لا، كان الوسيط بيننا هو المكالمات الهاتفية. قلت: ما تعليقه على ظروفك؟ قالت: إنه وعدني بأن يوفر لي شقة في المكان الذي أحب السكن فيه، كما وعدني بتلبية كل احتياجاتي.
سألتها: هل صارحت أخوات زوجك- رحمه الله- بذلك؟ قالت: صارحتهن بعد معرفتي به بعام كامل. قلت: وما رأيهن؟ أجابت: إنهن يعرفن شرع الله عزوجل، وقلن لي: هذا من حقك ولكننا لا نتحمل أن يأتي رجل ليتزوجك في بيت أخينا، ويربي أولاده. وقد اعترضن بالطبع على الشخص، وقلن: إذا رغبت في الزواج فعلى الأقل يكون من شخص نعرفه نحن، ونشارك في اختياره.
سألتها: هل تكلمت مع هذا الرجل عن أولادك؟ فأجابت: نعم, وطلبت من ابني الأكبر أن يكلمه فكلمه؛ لكنني شعرت بعد ذلك بخوف أولادي من هذا الرجل، وعدم ارتياحهم.
كان آخر أسئلتي لهذه السيدة: لماذا لم يتقدم الرجل لوالدك مثلًا، أو لمن يتولون أمرك يطلبك منهم؟ أجابت عرض ذلك عليّ، وكنت أطلب منه التريث حتى نتعرف.. فلما طلبت منه ذلك بعد أن تعارفنا كان يؤجل ويسوق لذلك الأعذار والعلل، ولكنني عرضت عليه ذلك بعد تعارفنا بأحد عشر شهرًا !!!
ولهذه السيدة ومثيلاتها أقول:
أولًا: من لطف الله عز وجل وسعة تشريعه أن أعطاك حقًا في الزواج، وهذا ما أقرت به أخوات زوجك الأسبق- رحمه الله- ولكن من توجيهات الشرع أيضًا أن تحسني اختيار الزوج, وأنا أدرك تمامًا أن أخوات زوجك إذا وجدن الرجل الصالح الذي يأمنونه عليك وعلى أولاد أخيهم ما ترددن, ما دمن تقيات مؤمنات فاهمات لشرع الله، وسيتغلبن على مشاعرهن نحو أخيهن- رحمه الله- فمن الواضح أنهن يفهمن شرع الله تعالى، ويتفهمن حقك في الزواج؛ لكنهن لا يرفضن فكرة الزواج؛ بدليل أنهن قلن لك: إذا كان لابد من الزواج فليشاركنك الرأي، وبعد شرط الإسلام في الزوج هناك الدين والخلق, قال ﷺ: «إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلا تفعلوا تكن في الأرض فتنة وفساد كبير» (الترمذي: 1084).
ثانيًا: أستغرب أن يدق قلبك لرجل لم تعرفيه، ولم تشاهديه، وقد أطلقت أنت عليه اسم «سارق الهاتف»... وتسمحين له بأن يحادثك عامًا كاملًا في الهاتف، وأنت الأرملة أم الأطفال! تفتحين له بيتك يدخل متى شاء عن طريق الهاتف، ولا أدري فيم كنتما تتحدثان؟ وكم الأحاديث التي خضتما فيها تلك الأيام والليالي والأسابيع والشهور! أنا شخصيا لست أرى سببًا لذلك سوى الكلام المعسول, وتلبيس إبليس, وإغواء الشيطان؛ فذلك كله كان بمثابة المخدر الذي غيبك عن الواقع والحقائق والثوابت... وقد أكدت أنت ذلك عندما قلت في رسالتك: «لقد كان لكلامه وقع السحر»..!
ثالثًا: ألم تفكري في مصير أولادك بعد أن يتزوجك هذا الصياد الذي اعتمد في مغامراته على كلامه المكذوب, ومواجهة فريسته منفردة؟! أليس هو الذي رفض أن يتقدم لولاة أمرك يطلبك منهم عندما فتحت له الضوء الأخضر؟ ما الذي تغير؟ لقد ظل يعرض عليك ذلك من باب تطمين الفريسة وتهدئتها حتى يسهل الإمساك بها !! وذلك ديدن الصيادين المفترسين.
رابعًا: ألم تفكري في أخوات زوجك الأسبق اللائي وصفتهن في كلامك بالإيمان والتقوى والحنان؟ ثم أنت تجيبين على نفسك عندما قلت: إنك في صراع بين ودين: الود الذي بينك وبين الرجل بعد الزواج، والود الذي بينك وبين أخوات زوجك الأسبق رحمه الله.. ألم تفكري في حالك عندما تخرجين لتتزوجي هذا الرجل، وتتركي بيتك وأولادك وعمات أولادك؟ أشهد أني إن وجدت في ذلك الرجل زوجًا صالحًا لتغير رأيي, ولكنت قد خطّأت عمات أولادك... ولكن من الواضح أن هذا الرجل إما أنه يخطط لإيقاعك في شباكه كامرأة يأخذ ما يريده منك ثم يتركك بقايا أنثى محطمة، وإما أنه يخطط للاستيلاء على ميراثك وميراث أولادك الذي ورثتموه عن زوجك, فسيتمتع به، وربما أنفقه على الأخريات، ويتركك حينها وأولادك وقد جردكم من أسباب الحياة، وما أكثر هؤلاء الذئاب المسعورة أسيرة شهوتي المال والنساء!!
خامسًا: ألم تسألي نفسك؛ لماذا يتقدم رجل لم يسبق له الزواج ليطلب يد امرأة معها ثلاثة أطفال؟!! صحيح هذا ليس مستحيلًا لكنه كان في عصر الرسولﷺ وصحابته رضوان الله عليهم أجمعين، وهم خير القرون، وأنا لا أزعم أن الخير انتهى في زماننا، فالخير موجود في أمة محمدﷺ ولكن ليس عند هذا الرجل وأمثاله, ذلك الذي يسمح لنفسه أن يقتحم بيت أرملة ويظل يحادثها عامًا، ثم لا يريد أن يتقدم لوالدها أو ولي أمرها، ولدينا مثل شعبي يقول: «قالوا لأبي فصادة ما عملك؟ قال: أعجن زلابيا، قالوا: كان يظهر على رجليك».... وأعتقد أن مقصدي من هذا المثل واضح.. فلو كان في هذا الرجل خير فعلًا ويقصد تربية اليتامى لكان ذلك ظهر على سلوكياته، ولكان ذا شهامة ونخوة وإيمان ورجولة، ولو توافرت تلك الصفات فيه لما فعل ما فعل.
الحلم الكاذب
تلك مغامرة أخرى بطلها متزوج خائن احترف الكذب على الإناث، حيث استغل ظروف إحدى ضحاياه التي تحكي مأساتها فكان مما ذكرته:
«... لم أستطع أن أقاوم كلامه المعسول, الذي عبر فيه شعرًا ونثرًا عن عشقه لي, وأشعرني بأنوثتي، وأنني أول النساء في حياته وآخرهن... لقد صدقته برغم أنني لست صغيرة، فقد تجاوزت الأربعين، لكنني صدقته لكلماته التي أمطرني بها وعبر فيها عن مشاعره الدفاقة، ولم أتمالك أحاسيسي عندما نطق بكلمة «أحبك»، وهي كلمة لطالما تمنيت أن أسمعها من رجل، فكان هو هذا الرجل، لذا فقد صدقته عندما قالها، وصدقته عندما قال لي: سأتزوجك، وصدقته عندما قال لي: لا تشعري بالذنب لأنك ستبنين سعادتك على أنقاض سعادة زوجتي، فأنا قبل أن أعرفك كنت أسير في إجراءات طلاقها، نعم.. لقد أفقدتني كلماته الوعي فإذا بي ذات يوم أفيق من هذا الحلم الكاذب، إذ ختم هذه المأساة بكلمات معدودة، أرسلها في رسالة على الهاتف «انقطعت علاقتنا ولن نلتقي أبدًا».
الكوكب الرومانسي الموهوم
حتى الأنثى الخجولة إن لم تحصن نفسها بالإيمان والعفاف، فإنها لا تسلم من شباك المغامرين، تقول إحدى الضحايا: «أكثر من يعرفونني كانوا يصفونني بالمهذبة الخجولة، وذلك يرجع إلى تنشئتي وتربيتي.. ولقد ظللت على هذه الحال إلى أن التحقت بالجامعة وتعرفت على إحدى الطالبات التي انتقدتني لخجلي, ودعتني إلى شيء من التحرر.. وذات يوم رأيتها تسحبني من يدي، لنقف أمام شاب جامعي وسيم عرف بـ «الدونجوان»، لكثرة مغامراته مع الفتيات، فعرفتني به وعرفته بي، ووصفته زميلتي بالوسيم الجذاب، وفرحت معي قائلة: انظري إلى وسامته ومتعي عينك، وإذا بي أسمح لنفسي بالنظر، ويا ليتني ما نظرت, إنها نظرة واحدة لكنها غيرت شخصيتي, وخفضت أسهم عزتي وكرامتي, أمام ذاتي، وأورثتني ندمًا قاتلًا, لقد سمعت منه أحلى الكلام، وأشعرني بأنني الأنثى التي لم ير مثيلتها في حياته, وأغرقني في بحار العسل الموهوم، وكدت أطير من وقع كلماته، لأعيش معه في الكوكب الرومانسي, ولقد طرت بالفعل, ولكن لم يطل هذا الطيران, فسرعان ما تبدلت حاله، وتغير مزاجه، وإذا به يقول: إني لا أستحقك، فأنا أعرف معظم طالبات الجامعة، وأنت مهذبة خجولة، ثم رحل إلى الأبد!».
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل