; الإسلام دينُ العِلم | مجلة المجتمع

العنوان الإسلام دينُ العِلم

الكاتب عبد القادر طاش التركستاني

تاريخ النشر الثلاثاء 24-سبتمبر-1974

مشاهدات 85

نشر في العدد 219

نشر في الصفحة 37

الثلاثاء 24-سبتمبر-1974

الإسلام دينُ العِلم بقلم: عبد القادر طاش التركستاني ◘ نتحدث عن الإسلام لا عن واقع المسلمين ◘ أصول العلم الحديث ليست يونانية ولا رومانية ◘ دور العقل في التعامل بين الطبيعة والتجربة كانت الفلسفة اليونانية تتجه في أصولها الأولى إلى وجهتين اثنتين: وجهة مادية محضة لا تؤمن إلا بمـــا يدركه الحس المادي.. وما عدا ذلك فهو مرفوض.. وكان الفلاسفــــة «السوفسطائيون» وعلى رأسهــــم زعيمهم «بروتاجوراس ٨٤٠: ٤١٠ ق.م» هم أصحاب هذه الوجهة... والوجهة الأخرى عقلية محضة وكانت ردة فعل عنيفة للوجهة الأولى وكان «سقراط» زعيم هذه الوجهة- يرى أن تحصيل المعرفة ينبني على العقل وحده.. وقد نشأ بسبب من هذه الأفكار فلسفة يونانية وعقائد وثنية تستغرب الخشوع لله.. وعبادته.. والخضوع له. لأنها كانت تربط هذا العالم بما يسمى «العقل الفعــال وحركات الأفلاك». أما أصحــــاب الوجهة المادية فقد أنكروا المعارف «الميتافيزيقية»- ما وراء الطبيعة- ومن ضمن ذلك الإيمان... وقد أدى السير وراء هذين التيارين في تاريخ الفكر اليوناني إلى المبالغة في الاهتمام بالحياة المادية وانتشرت الفوضى في الأخلاق وأصبحت الحياة- في نظر أصحاب الفلسفة- جريًا وراء شهوات النفس ونزوات الجسد. وورثــــت الفلسفة الرومانية هذا الطابع.. عن الفلسفة اليونانية.. وسارت بذلك في ركابها.. وعندما اعتلى قسطنطين عرش الرومان تقرب إلى المسيحيـــة وحاول أن يدمج بين المبادئ المسيحية وبين الوثنية الرومانية.. لتستحيل إلى خليط يوافق شهواته ويحقـــــق مطامعه في السيطرة على الشعــــب والتحكم فيه، والوقوف في وجــــه العدو الفارسي الذي يهدد كيانه.. ويقلق راحته.. ولم تستطيع هذه المسيحية- الوثنية التي حادت عـن الحق.. وبعدت عن جوهر التوحيـد- أن تبعث في الرومان حياة جديدة.. فلجأت إلى ابتداع «الرهبنة» العاتية التي تخطت حدود العقل.. وأثرت في أخلاق المجتمع الروماني تأثيرًا سيئاً.. فكانت بذلك وبالاً على الإنسانية.. ودماراً للعقول البشرية.. ودانت أوربا لسلطان «رجال الدين» فاستغل أولئك الرجال سلطانهم استغــــــلالاً فظيعاً فنشروا الرعب والخرافــــات والأساطير.. وجعلوا الشعـــــوب تتسكع في دياجير الجهل والانحطاط.. ودسوا في كتبهم الدينية معلومـــات بشرية ومسلمات عن التاريخ والعلوم الطبيعية التي كانت آنذاك حقائـــق وقتية.. أو ظنوناً لا تسندها الأدلة.. ولكن رجال الدين جعلوها حقائق أبدية لا يجوز الخروج عليها أو الحيد عنها.. واحتجزت الكنيسة لنفسها حق فهـــــم «الكتاب» وتفسـيره وحظرت على أي عقل خارج الكنيسة أن يحاول فهمه أو تفسيره.. وبذلك سحقت الكنيسة كل ضروب النشاط العقلي. وأصيب العقل بالعقـــم والجمود.. • ولكن اتصال الغرب بالمسلمين إبان الحروب الصليبية، وقبل ذلك في الأندلس عن طريق البعثات العلميـــة التي كانت تأتي لتلقي العلم.. ونهل الفكر النير.. والأدب الرائع.. وكان لهذا الاتصال أثره الطيب في إشعال قبة من نور العلم.. والتفكيــــر الصحيح.. في الظلام الأوروبي.. فبدأت حركة علمية.. في أوروبا.. وتحرك العقل بعد جمود فأثبت كثيراً من الحقائق. وزيف العلماء كثيراً من النظريات «الكنسية» وثار علماء الطبيعة والعلوم على تلك النظريات ونقدوها نقدًا صارمًا.. مما أحنق عليهم رجال الدين فراحوا يكفـرون أولئك العلماء ويستحلون دماءهـــم وأموالهم وأنشئت محاكم التفتيش التي تحاكم كل من يخالف تلك النظريات. وقتلت تلك المحاكم كثيراً من العلماء منهم: « برونو» الذي أحرق حياً!! ومنهم « جليلو» الذي كان يعتقـــــد بدوران الأرض حول الشمس. • وامتدت الحرب بين رجال الدين.. والمتنورين.. ومقت المتنورون كل ما يتصل بالدين واستحالت الحرب- بعد فترة- حرباً بين العلم والدين مطلقاً.. واعتقد الجميع أن العلم والدين ضدان لا يجتمعان.. وعدوان لا يتصالحان.. وكان لهـــذا الصراع أثره السيء.. وفعله الخطـــير.. ليس في حياة الأمم الغربية فحسب.. بل وفي معتقدات وأفكار الأمم الأخرى.. وكان له دوره.. وجنايته على الدين ومفهومه، في كثير من بقـاع الأرض... وخلف من بعدهم خلف تحللوا من قيم الأديان.. وعقائد الأمم.. واتجه الفكر العربي وجهة مادية.. واقعية.. لا تقيم لغير المادة وزنًا.. ولا تعترف إلا بالمصلحة.. ولا تؤمن إلا بالنفع.. وتهدم كل نزعــة تخالف نزعة المادة وتخرج عن حدود النفعية والمصلحة.. • وانطلقت النهضة العلمية الحديثة في أوربا على أنقاض هذا الاتجــــــاه المادي النفعي الواقعي.. دون أن تعتمد على فلسفة إنسانية واضحة المعالم.. متكاملة الجوانب.. وبذلك أهملت القيم الروحية.. والأخلاقية.. وبنت الحضارة الغربية الحثيثة على الجانب المادي.. فحسب.. وإن كانت تعتمد أيضاً على الجانب العقلي في بعض جوانبه.. إذ لا يمكنها أن تستغنى عن العقل.. في المجال العلمي. • وانطلقت «الحركة الاستشراقية» بوحي من دوائرهـــــــا الاستعمارية المعروفة بكل ما أوتيت من خبث ومكر وبكل ما منحت من دعم وتأييد وسند.. أن تشوه صورة الإسلام في نفوس أتباعه.. بعد أن تيقنوا أنه الدين الذي سيكون له مستقبل العالم.. وأنه الخطر الذي يهدد كيانهم المادي.. وحضارتهم... ومن ضمن خطة الحرب الاستشراقية الاستعمارية ضــد الإسلام.. اتهامهم الإسلام بأنه كبت الفكر.. وحارب الحرية.. ووقف في وجه الحركات العلمية وكان من ضمن أولئك الحاقدين الذين تولوا كبر هذه التهمة: «أرنست رينان» بما أعلنه في كتابه «الإسلام والعلم».. وتأثر بهذه الفكرة كثير من مفكري المسلمين الذين درسوا في جامعات الغـــــرب ومعاهده أو رضعوا آراء الغربيين من خلال كتبهم ونظرياتهم وآرائهم.. فراحوا ينادون إلى السير في ركاب العلم الغربي الذي طرح عنه كــــل النواحي الغيبية «المعوقة!!» واستند إلى الواقع المادي.. في نهضته.. وطفقوا يعلنون أن سبب بلاء العالم الإسلامي وأساس تخلفه في مجــــــال العلم.. إنما هو في انصرافه عــن الناحية العقلية.. والحسية إلى الناحية الغيبية من الحياة.. ونادوا: إلى ثورة علمية في العالم الإسلامي تقوض أركان هذا الدين الذي وقف- في نظرهم- في وجه تقدم وازدهار العالم الإسلامي ردحًا من الزمن.. • نحن هنا سنتناقش مع أولئـــك المستغربين هذه المسألة نقاشـــــًا موضوعياً.. ولكننا قبل الخوض في ذلك لا بد من أن ننبه إلى نقطة هامة في الموضوع ألا وهي أن الواقع الذي يعيشه العالم الإسلامي- بكل آلامه المريرة- من تخلف وضياع وتأخر.. ليس هو المقياس في الموضوع.. ولا يمكن أن يكون صورة للواقع الـــذي ينشئه الإسلام بتعاليمه ومبادئه.. ولذلك فإننا- في هذا النقاش- لن نلتفت إلى الواقع الذي يعيشه العالم الإسلامي.. وإنما سنتجه إلى مصادر هذا الدين.. لنتعرف على ملامــــح الموقف الإسلامي من العلم.. ونستطلع ما سيحققه هذا المنهج – وقد حقق كثيراً مما نحلم به في فترة من الفترات- لو طبق التطبيق الصحيح.. وأدى دوره الأصيل في واقــــع المسلمين.. وحياتهم.. • إن الصورة الحقيقية لموقف الإسلام من العلم.. واضحة جلية بل إنـــها مضيئة مشرقة.. فقد كان الإسلام أعظم دین حض على العلم، ووجه إليه عنايته الفائقة وعرف له قدره في تكوين الشخصية الإنسانية وآيات القرآن الكريم في هذا المجال كثيرة.. فمن ذلك: - ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (الزمر: 9)  ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ۚ﴾ (المجادلة: 11) ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ (طه: 114) • والقرآن الكريم يحذر من الظنون والأوهام ويدعو إلى التيقن والتثبت: ﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُون﴾ (الأنعام: 116) • والظن في القرآن لا يفيد.. ولا يغنى ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا ۚ إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا ۚ﴾ (يونس: 26) • ويأمر بالتثبت في كل أمر ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ (الإسراء: 36). • وقد عمل القرآن على تفريغ العقل البشرى من كل المبادئ والمعتقدات السابقة التي قامت على الظــــن أو التقليد ونعى على المقلدين الذين يقولون: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّهْتَدُون﴾ (الزخرف: 22) ﴿قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ۗ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ (البقرة: 17). • ودعا إلى أن يسعى الانسان إلى طلب الأحسن ليأخذ به وامتدح من يفعل ذلك فقال ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ۚ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (الزمر: 18) • وللعقل في الإسلام مكانه الطبيعي، ومنزلته العظيمة. • وقد دعاه القرآن إلى تدبر نواميس الكون.. ومن شأن هذا التدبر الواعي أن يطبع العقل بطابع التفكير الصحيح، والاستدلال العلمـــــي، والتنظيم الدقيق. ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ لَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (آل عمران: 190- 191). • ودعاه إلى أن ينظر في حكمـــة التشريع وأسراره قدر المستطــــاع ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (البقرة: 179). ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ( سورة البقرة: 184) ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ ۖ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (البقرة: 240- 241). • ووجه العقل إلى النظر في سنن الله في الأرض والتأمل في أحوال الأمم والشعوب عبر التاريخ الإنساني.. ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ (الأنعام: 11) ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ. هَٰذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ﴾ (آل عمران: 137 – 138) • ووجهه إلى الانتفاع بالطاقــــة المادية وتذليلها لخدمة الإنسان على الأرض ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ ۖ﴾ (الملك: 15) ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ ۗ﴾ (الأعراف: 10). • وفوق ذلك فإن القرآن الكريـــم أشار إلى كثير من الحقائق العلمية.. وكشف كثيراً من المعلومات والمعارف التي لم يكتشف بعضها إلا في العصــــر الحديث..!! • والإسلام بعد ذلك.. وقبل ذلك.. يريد لهذا العلم الإنساني- الذي وضع أصوله وقواعده وأرشد إلى مناهجه وأسسه- أن يخدم وظيفة الإنسان الأولى في هذا الوجود... وأن يحقق عبوديته لله وحده.. ومن ثم خلافته له- سبحانه- على الأرض.. والفكر الإسلامي.. والعلم الإسلامي.. ليس فكراً مجرداً يعيش بمعزل عن العقيدة بل هو فكر يخدم العقيدة.. ولذلك يحرص الإسلام أشـــد الحرص على ربط القلب البشرى دائماً بالله وتوجيه العقل أثناء تأمله في أسرار الكون أو عمله في الاستفادة من الطاقات المادية في الأرض إلى الإيمان بخالق هذا الكون ومعرفة حكمته من الخلق..- كما رأينا في الآيات السابقة- ومن أجل ذلك فإن العقل في المنهج الإسلامي حينما يتعلم لا ينحرف عن طريق الخير- ولا يستخدم مصارفه وعلومه في سبيل الشر والطغيان… وكذلك فإن العلم الإسلامي مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالقيم الأخلاقية أو المبادئ الإنسانية، يسير معها جنباً إلى جنب.. وليس هناك اهتمام بالمصلحة والنفعية ما دامت تتعارض مع مبدأ خلقي أو قيمة إنسانية.. • ومناقشتنا للموقف الإسلامي من العلم والعمل العقلي يقودنا إلى أن نثبت – بكل وضوح ودقــــة- أن الإسلام حينما أعلن للعقل مكانته، وأعطاه دوره في الحياة.. فإنه بجانب ذلك خرج على الوجود الإنساني بقيم غيبية... وتحدث القرآن عن أمور.. ومعارف.. لا مجال للعقل فــي التفكير فيها أو معرفة كنهها وأسرارها.. إلا بقدر محدود- أمور خارجة عن نطاق العلم الحسي، فتحدث عن صفــــات الله- تعالى- وكماله المطلق، وتحدث عن الملائكة ونصرتهم للمؤمنين وعن الجن.. والشياطين. وتحدث عن مسائل المعجزات وقرر كثيراً من صور العبادات التي تتصل بالناحية الروحية في الإنسان كالصلاة والحج.. والخشوع والمحبة والتقوى.. وتحدث عن البعث والنشور.. وعن اليوم الآخر.. والجنة والنار وغير ذلك.. ولذلك فإن الإسلام حـــين أعطي للعقل حريته الواسعة.... ومنحه مكانته العالية.. ودعا إلى استخدامه دائما فإنه يدرك أن للعقل حدوداً لا يتجاوزها.. ومعالم ينتهى إليها.. ومتى جاوز هذه الحدود والمعالم اضطرب في عالم التيه والجهالة وتسكع في دياجير الأسطورة والبلبلة. • وهكذا نرى أن الإسلام في منهجه الإلهي.. عنى بالناحية الروحية.. والناحية العقلية «الفكرية» في الشخصية الإنسانية وربط بــــين الناحيتين ربطاً وثيقاً ووصل بينهما وصلاً محكماً.. وهو بعمله ذلــــك حقق وحدة الكائن البشري وامتزاج أجزائه وتفاعل نواحيه.. ويحقق أيضاً التوازن بين هاتين الناحيتين- وغيرهما- من شخصية الإنسان.. وهو بذلك يجاري الفطرة الإنسانية في تركيبها الإلهي. وهذه خصيصـــة متميزة ينفرد بها المنهج الإلهي عن بقية المناهج الأرضية التي تضخم العناية بناحية من نواحي الشخصية الإنسانية على حساب الناحية الأخرى أو تهمل جانباً من جوانب الفطرة البشرية على حساب الجانب الآخر. • وهكذا فهم المسلمون الأوائل «منهج الإسلام في العلم والفكـر» فانطلقوا في رحاب العلم يشــــيدون أمجاده ويكتشفون مجاهله، ويرتادون أصوله ومناهجه ومنابعــه دون أن يفتنهم ذلك العلم فيصرفهم عن عالــم الروح ودون أن يغرهم فيستغلوه في سبيل الشر.. بل سار العلم في ركاب العقيدة وهو يكشف للعالم جواهـــره وكنوزه.. ويمضي في دروب الخير قاصدًا مرضاة الله- سبحانه وتعالى. ثم مرت على العالم الإسلامي فترة من الزمن ترك فيه المسلمون طريــق العلم المفيد وأضاعوا ذكاءهم في مباحث فلسفية ودراسات كلامية لا تجـــــدى نفعاً واشتغلوا بمباحث الروح وفلسفة الإشراق ومسائل وحدة الوجود.. وغير ذلك.. فانتكس المسلمون وخيم عليهم الجهل والظلام وانتشرت البدع والخرافات وتوقفت مسيرة العلم التي امتدت عبر القرون الماضية عندما كان المسلمون ينطلقون من منهج الإسلام الأصيل.. • واذن: - فليس المنهج الإسلامي.. هو المعوق الذي أوقف حركة العلم ومسيرة الفكر في العالم الإسلامي- كما تزعم الدوائـــــر الاستشــــراقية الاستعمارية وأفراخـــها- بل إن المعوق هو: البعد عن ذلك المنهج.. أو عدم فهمه الفهم الصحيح.. وإقصائه عن الحياة وتسيير دفتها.. ووضعه في متاحف التاريخ والنسيان.. • وبقيت لنا كلمه.. إن المبهور بحضارة الغرب ومنجزاته العلمية الذي أغشاه ضوؤها عن رؤية منهجه الإسلامي فطفق يدعو- بكل حرارة- إلى تطبيق التجربة الغربية فـــي فصل الدين عن العلم حتـــى يصـــل شرقنا الإسلامي إلى نهضة علميـــة حقيقية. إن ذلك المبهور.. دفعه انبهاره إلى أن يتعامى عن حقيقــة أكيدة فيما جرى في الغرب من صراع حاد.. رهيب.. بين الكنيسة والعلم. ذلك الصراع الذي كان عمليــــة حتمية ونتيجة طبيعية بسبب تحجـــر رجال الدين المسيحي وتسلط الكهنوت ووقوفهم ضد عمل العقل وانطــــلاق الفكر وتقدم العلم.. إن المنطـق السليم كان يقضي بوجوب ذلــك الصراع.. ومن فطرة الإنسان التي أودعها الله فيه.. أن يستخدم هذا العقل.. ويتعلم.. ولكن ذلك الصراع ليس- إلا حدثاً أوروبياً محضاً نشأ في ظروف غربية... وجرى بأسباب تتعلق بهم وحدهم.. ولا يصح في منطق العقل: أن يحدث ذلك الحدث أو ينادي إلى تطبيق تلك التجربة في غير البيئة الغربية وخارج تلك الظروف.. أما أن يدعى إلى تطبيقها المسلمون... فذلك مرفوض.. ومردود. • لأن طبيعة الدين الإسلامي مختلفة تمامًا وبعيدة بعدًا شاسعـــًا عـــن المعتقدات التي أدخلها رجال الكهنوت في الدين المسيحي.. وقد رأينا فيما سبق موقف الإسلام من العلم.. ذلك الموقف الكريم المتميز. • ومرفوض الذي ساد في الكهنوت المسيحي.. إذ إنه لا توجد في الإسلام طبقة تحتجز تعاليم الدين ويدعــــى أصحابها أنهم رجال الدين الذين يحق لهم التصرف في مبادئه والتلاعــــب بنصوصه واحتجاز واحتكار تفســـير هذه النصوص وفهمها دون الطبقات الأخرى. إن هذا الوضع- غـــير السليم- غير حاصل في الإسلام بل إن الإسلام ليحاربه أشد الحرب.. ويطالب اتباعه جميعاً بأن يتعلموا مبادئ دينهم.. ويفقهوا نصوصه الفقه السليم.. حتى يستطيعوا العمل بموجب تلك المبادئ والنصوص.. ◘ إن المبهورين بحضارة الغــرب وتقدمه العلمي يغفلون عن منهــــج دينهم في التقدم العلمي.. وهم مدعوون- إن أرادوا الحقيقة الخالصة..- أن يدرسوا منهج الإسلام في الدعوة إلى الفكر الحي.. والنداء إلى العلم الصحيح.. بكل تجرد وأمانة.. أما أن يحكموا على الإسلام من خلال مفاهـــــــيم غربية «استشراقية»... أو تقليدًا واتباعًا... فذلك عين الخطل.. والبعد عن الصواب.. والمخلصون لدينهم والمؤمنون بعظمة رسالتهم. مدعوون.... لدراسة موقف الإسلام من العلم دراسة جيدة.. حتى يكونوا على بينة من الأمر.. فلا ينجرفوا في تيار الانحراف.. أو ينزلقوا في مواطئ... الشــــك والريب. «عبد القادر طاش التركستاني»
الرابط المختصر :