; الابتعاث للخارج.. مخاطره والحاجة إليه | مجلة المجتمع

العنوان الابتعاث للخارج.. مخاطره والحاجة إليه

الكاتب د. عوض بن محمد القرني

تاريخ النشر السبت 22-أبريل-2006

مشاهدات 81

نشر في العدد 1698

نشر في الصفحة 36

السبت 22-أبريل-2006

  • لن تستغني أمة من الأمم عن غيرها ولن تستقل بأمرها كله ومن هنا فإن السفر لطلب العلم أمر أصيل في ديننا وعرف راسخ في تاريخنا وحضارتنا.

  • الخطورة الحقيقية فيمن ذهبوا ليدرسوا هناك الدين الإسلامي والتاريخ الإسلامي واللغة العربية، فعادوا بشر ما يعود به وافد إلى قومه.

  • أدعو رجال الأعمال وقطاع المال والبنوك للاستثمار في إنشاء الجامعات الخاصة أو دعمها بتخصيص منح دراسية دائمة فيها للموهوبين والمتميزين.

إن من مسلمات العلم، وبديهيات العقول، وخلاصة التجارب، فضلًا عن حث الوحي وتقعيد الشريعة الغراء، أن العلم الدنيوي والحكمة في الحياة عارية بين الأمم، ومشترك بين الحضارات ومتداول بين الثقافات والمدنيات والمجتمعات. 

وبالتالي فلن تستغني أمة من الأمم عن غيرها، ولن تستقل بأمرها كله، ومن هنا فإن الهجرة لطلب العلم والسفر لنيل المعرفة أمر أصيل في ديننا، وعرف راسخ في تاريخنا وحضارتنا. 

على أن هذا الأمر الأصيل والعرف الراسخ كان فيما مضى وإلى ما قبل قرنين من الزمان يتم داخل الأمة الواحدة، يوم أن كانت قبلة العلم ومقصد طلابه ونموذج الحضارة وكعبة زوارها مع تنوع ثقافات شعوبها، وإبداعات أقاليمها، وتخصصات قوماتها.

فكان لا يكاد يذكر في القرون المتطاولة سفر وهجرة أحد من طلاب العلم وعشاق المعرفة إلى خارج أقاليم الدولة الإسلامية وإن كان فهو في الغالب الدراسة جغرافيا وتاريخ الأمم الأخرى ومعرفة أحوالها فقط وما ذلك إلا لأن أغلب الأمم ذات التاريخ العريق في العلم والحضارة في العالم القديم دخلت في الإسلام من وقت مبكر، ومعها إبداعها وحضارتها التي أعادت صياغتها وتوظيفها وفق رسالتها الجديدة التي اعتنقتها، ثم دالت الأيام، وتقدم الغرب، وجمد المسلمون، واحتاجوا إلى أن يبعثوا أبناءهم للغرب الدراسة علوم الحياة المختلفة من فيزياء وكيمياء وهندسة وطب وفلك وعلوم طبقات الأرض واللغات الأجنبية وغيرها من العلوم.

وتجاوز بعض المسلمين ذلك، فابتعثوا من أبنائهم من يدرس الشريعة وعلوم العربية والعلوم الإنسانية في الغرب، وكان هذا الأمر في بعض جوانبه ضرورة لا بد منها، لنقل منجزات الثورة الصناعية والعلمية والنهوض بالمجتمعات الإسلامية.

مخاطر الابتعاث

وكان لهذه الضرورة بعض الأخطار والخسائر حيث إن من ذهب لنقل العلم والصناعة عاد بمسخ الأخلاق والانسلاخ من الدين وازدراء المجتمع والأمة والتاريخ. 

لكن الخطورة الحقيقية فيمن ذهبوا ليدرسوا هناك الدين الإسلامي والتاريخ الإسلامي واللغة العربية، فعادوا بشر ما يعود به وافد إلى قومه.

أما في العلوم الطبيعية البحتة فكان المفترض أن تتضاءل هذه البعثات مع مرور الزمن واكتفاء البلاد وافتتاح الجامعات وانتشار التعليم، لتصبح منتجين للإبداع والعلم والتقنية والتقدم، ولا تبقى عالة على الآخرين إلى الأبد، كما فعلت اليابان مثلًا. 

ويبقى حينئذ الابتعاث مقصورًا على تخصصات محدودة ونادرة وللمتميزين من المتخصصين في تلك التخصصات النادرة. 

بل المفترض أن يكون بعد هذا الزمن الطويل من تاريخ النهضة التعليمية لدينا، ونحن شعب محدود العدد واسع الموارد – أن يكون التعليم الجامعي والعالي لدينا أحد ركائز الاستثمار وموارد الدخل الكبرى فيبتعث العالم أبناءه للدراسة لدينا وبخاصة أبناء المسلمين الذين تهفو نفوسهم لهذه البلاد المباركة وكل ما يصدر عنها أو ينتسب إليها.

ونحن نعلم أن كثيرًا من دول العالم من أهم مصادر دخلها التعليم والتنمية البشرية حيث أصبحت جامعاتها الرسمية والخاصة قنوات لدعم الاقتصاد، بل إن بعض دول المنطقة - التي هي أقل منا بكثير في إمكاناتها ومواردها – دخلت في العقدين الأخيرين هذه السوق وانتشرت فيها الجامعات التي أصبح أبناؤنا فيها بالآلاف، في حين عجزت جامعاتنا عن استيعابهم، وكذلك أبناء المقيمين لدينا، والذي كان يمكن أن يكونوا مصدر دخل، وأن يتم إعادة تدوير لأموالهم في الاقتصاد الوطني من خلال تعليمهم. ومن الأمثلة القريبة على ذلك الأردن والسودان واليمن!

لكن بدلًا من معالجة هذا الخلل الخطير فوجئنا بخطوة في ظني أنها جانبت الصواب وأنها ليست حلًا، بل هي من باب وداوني بالتي كانت هي الداء.

لقد فوجئ الناس يفتح باب الابتعاث إلى أمريكا على مصراعيه للذكور والإناث في جميع المستويات التي فوق الثانوية، ومهما كانت التقديرات في الثانوية، وفي أكثر التخصصات.

فقط على الطالب أو الطالبة إحضار قبول من أمريكا بالمراسلة، وتأشيرة من السفارة ويتم بعد ذلك تسجيله في البعثات وتغيير التخصص بعد ذلك في أمريكا أمر أسهل من شرب الماء. وهذا الأمر بهذه الكيفية يشكل – من وجهة نظري – خطورة بالغة على مستقبل البلد.

مقترحات ضرورية

ولذا فإنني أحببت الإسهام في طرح بعض المقترحات لعلها تساعد في معالجة هذه الظاهرة الخطيرة والبحث عن حلول لها.

ومن هذه المقترحات:

1- عدم التوسع في الابتعاث للضرورات القصوى التي لا يمكننا توفير تخصصاتها لدينا الآن، وقصر ذلك على الدراسات العليا (الماجستير والدكتوراه وما يعادلها)، والاقتصار في الابتعاث على أصحاب التفوق والتميز في تلك التخصصات والذين سيكون في ابتعاثهم مردود إيجابي واضح في السعي لنقل تدريس تلك التخصصات، وتوطينها في جامعاتنا. 

2- عدم ابتعاث النساء إلا حين تكون مع محرم لها مبتعث وعدم التوسع في ذلك قدر الإمكان، والحذر من إلقاء بناتنا في سن المراهقة في تلك المجتمعات التي نعلم جميعًا أوضاعها غير الأخلاقية. 

3. التوسع الحقيقي في التعليم الجامعي والعالي وإنفاق الأموال الطائلة التي ستنفق على المبتعثين على تطوير وتوسعة الجامعات وافتتاح المزيد منها، وعدم الاكتفاء بالتظاهرات الإعلامية الخادعة التي لا تغير من الواقع شيئًا، أليس من المصائب أن من أبنائنا من يحصل في الثانوية وفي القسم العلمي على معدل أعلى من ٩٠% ثم لا يجد قبولًا في جامعاتنا إلا أن يكون في أقسام لا يصلح لها ولا تصلح له، وربما قد انتهت صلاحية تلك الأقسام منذ سنوات، وهي مازالت تقبل الطلاب وتخرجهم ليتسكعوا في الطرقات والمقاهي ومقاهي الإنترنت. 

4. تسهيل إجراءات إنشاء الجامعات الخاصة، والتوسع في ذلك، وعدم تعقيد إجراءاتها.

والأهم من ذلك أن الإجراءات العملية لإنشاء التعليم الجامعي الخاص، فيها من التعقيد والروتين والتسويف والشروط التعجيزية ما يجعل المرء يكاد يجزم بأن اللوائح على قصورها في واد، والواقع في واد آخر أشد قصورًا وتعقيدًا.

وبهذه المناسبة أدعو رجال الأعمال وقطاع المال والبنوك للمبادرة إلى الاستثمار في إنشاء الجامعات الخاصة، أو دعمها بتخصيص منح دراسية دائمة فيها للموهوبين والمتميزين ويمكن أيضًا التعاقد مع أولئك الدارسين من قبل تلك المؤسسات للعمل لديها بعد التخرج. 

5- إنشاء مؤسسات خاصة وقفية خيرية الرعاية المبتعثين من حيث البحث في الجامعات والأقسام المناسبة لهم، والقيام بإجراءات لإحضار القبول لهم من الجامعات المناسبة، وإنشاء دور لرعايتهم وإسكانهم، وحل مشكلاتهم في أرض المهجر أو في بلاد الغربة، والوقوف معهم فيما يحتاجون إليه من إرشاد ورعاية وعون، ويمكن حتى لو لم تكن مؤسسات وقفية، أن تكون مؤسسات استثمارية خاصة، تبدأ مع الطالب بتقديم الاستشارات له والتدريب والدورات، وبهذا تستطيع أن نبقى على صلة بأبنائنا، وأن توجههم وترشدهم ونقف معهم لتحقيق ما يطمحون إليه من بعثاتهم، وهنا أيضًا أدعو رجال المال ورجال الفكر إلى الإسهام في مثل هذا المقترح أي إنشاء الوقفات الخاصة برعاية المبتعثين أو إنشاء المؤسسات الاستثمارية المدروسة والتي بمقابل رسوم رمزية يمكن أن تقدم خدمات يكون المبتعث في أشد الحاجة إليها.

وفي هذا السياق – أيضًا – أدعو إلى إنشاء موقع على الإنترنت للمبتعث يكون همزة وصل بينه وبين وطنه وبينه وبين قومه وبينه وبين أهله، وكذلك يقدم له الحلول والاستشارات والمعلومات عن الجامعات التي يريد أن يدرس فيها.

6- كذلك اقترح على المؤسسات الرسمية والشعبية أن تعمل على التوظيف المناسب للابتعاث فأبناؤنا المبتعثون في العقود الماضية قدموا خدمات جلى للمسلمين في ديار الغرب بل وللمجتمعات الغربية نفسها حين عرفوها بالإسلام وأقاموا جسورًا للتواصل فيما بيننا وبينها، ولعل من صور التميز في قضايا الابتعاث لدينا دورة المبتعثين التي كانت تعقد سابقا، والتي مازال بعض المؤسسات الرسمية لدينا يحافظ عليها، والتي تؤهل المبتعث نفسيًا وفكريًا، واجتماعيًا للتكيف مع المجتمع الغربي ومعرفته والتعامل معه بعلم.

ولذا فإنني أدعو بقوة إلى إعادة تلك الدورات – دورات المبتعثين – وجعلها إلزامية لكل مبتعث وكذلك تفعيل الملحقيات الثقافية في سفاراتنا في الغرب لتقوم بدورها في رعاية أبنائنا من جميع الجوانب. 

7- أقترح أن تحظى هذه الخطوة - أي فتح باب الابتعاث على مصراعيه – في ظل هذه الظروف بدراسة معمقة، هذه الدراسة تقوم بها الجهات التعليمية العلمية لدينا ويمكن أن تكلف بها بعض الجامعات لتقوم على الحقائق والإحصاءات والمعلومات، ويحدد من خلالها إمكانية التطوير الجامعي لدينا وتحدد أيضًا هي التخصصات التي نحتاج إلى الابتعاث فيها، ثم يأتي الابتعاث بناء على هذه الدراسة، ويمكن أن يسهم في هذه الدراسة أيضًا المثقفون والإعلاميون والباحثون ومراكز البحث والعلماء والجامعات، وألا يكون الابتعاث كما يشاع في بعض الكتابات وبعض الطروحات نوعًا من إعادة تعديل الميزان التجاري بيننا وبين أمريكا فقط بسبب ارتفاع أسعار البترول أو كما يقولون إن أمريكا فتحت أبواب الابتعاث بعد أن أغلقتها زمنًا في وجوه أبنائنا من أجل إعادة تأهيل الساحة العلمية والثقافية والأكاديمية لدينا التغيير البنية الثقافية بما يتفق مع المتطلبات الأمريكية في القرن القادم. 

أريد أن أخلص من هذه القضية إلى أننا في حاجة إلى تطوير التعليم لدينا، وفي حاجة إلى أن يربط أمر الابتعاث بهذا التطوير تطوير التعليم العالي، وأن يكون ذلك قائمًا على دراسات علمية معمقة.

8- كذلك نحن بحاجة إلى معلومات توفر وتنشر من خلال الجامعات ومن خلال الملحقيات ومن خلال وزارة التعليم العالي عن واقع الابتعاث وعن حقيقته، وعن الأخطار الحقيقية - وليست المتوهمة - التي تنتظر أبناءنا وتنتظر وطننا من هذا الابتعاث، وعن الحاجة الحقيقية أيضًا لهذا الابتعاث وبالتالي فأنا لا أعترض على المبدأ ولكنني أدعو إلى ترشيده والبحث عن جدواه والاكتفاء منه بما نحن في حاجة إليه.

هذه بعض الأفكار التي أحببت الإسهام بها في موضوع الابتعاث أخطاره ومدى الحاجة إليه، وإنني أدعو الكتاب والباحثين إلى الإدلاء بدلوهم في هذا الموضوع.

والله من وراء القصد.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1

977

الثلاثاء 17-مارس-1970

دروس من الهجــرة وما سبقها

نشر في العدد 2100

118

السبت 01-أكتوبر-2016

دروس للمهاجرين المعاصرين