; الابتكار.. طعم آخر للحياة,, ابتكارات خالد بن الوليد | مجلة المجتمع

العنوان الابتكار.. طعم آخر للحياة,, ابتكارات خالد بن الوليد

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر السبت 12-مايو-2007

مشاهدات 59

نشر في العدد 1751

نشر في الصفحة 59

السبت 12-مايو-2007

albelali@bashaer.org

رئيس جمعية بشائر الخير الكويت

تناولنا في الحلقات السابقة، ابتكارات الرسول ﷺ في وسائل الإيضاح، وفي هذه الحلقة نتناول بعض ابتكارات القادة من الصحابة الكرام.

دين يصنع المبتكرين

يا له من دين عظيم يصنع أمة مبتكرة كيف لا وهو يعد الأمة لقيادة العالم، ولا يمكن إلا أن تكون صفة الابتكار صفة أساسية في القائد الناجح، فقد ملئ القرآن الكريم بالآيات التي تحث على التأمل والتفكر واستخدام العقل، ففي كلمة النظر وحدها ما يقارب الأربعين موضعا تتناول الأمر الإلهي بالتفكير والتأمل منها قوله تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ﴾، (سورة عبس: آية رقم 24)، وقوله تعالى ﴿وتنظر نفس ما قدمت لغد﴾ (الحشر: ۱۸) وقوله تعالى: ﴿وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾، (سورة الحشر: آية رقم 17)، وقوله تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ﴾، (سورة الطارق: آية رقم 5)، وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، (سورة الأعراف: آية رقم 184).

ولأن هذه البيئة هي بيئة الابتكار وتولد الأفكار الجديدة، فقد نشأ في مثل هذه البيئة الكثير من المبتكرين من الصحابة الكرام، ومن جاء بعدهم، ونختار على سبيل المثال لا الحصر من الصحابة الصحابي الجليل خالد بن الوليد، والقعقاع بن عمرو التميمي، ومن الأجيال التي أعقبتهم نختار السلطان محمد الفاتح الذي بشر به النبي قبل مولده.

خالد بن الوليد

لقد لمح الرسول ﷺ صفة الابتكار فيه وصفة توقد الفكر، وتوليد الأفكار حتى قبل إسلامه، لذلك فقد بعث له رسالة يدعوه فيها للإسلام، ويذكر له صفته هذه في الرسالة.

وعندما دخل خالد الإسلام أعطى للإسلام دفعًا جديدًا، ودمًا متحركًا لا يعرف السكون، وضرب أمثلة لا تحصى من العقل الراجح والفكر الحيوي المتجدد، والابتكارات المتعددة، والتي نختار منها:

انسحاب كأنه هجوم

ففي معركة مؤتة التي دارت أحداثها بين المسلمين والروم وبعض قبائل العرب الموالية للروم، كان عدد المسلمين نحو ثلاثة آلاف بينما عدد الروم ومن تبعهم مائتي ألف، أي أن النسبة ٦٦ إلى 1، ويعد هذا في الموازيين الحربية انتحارا، فكيف نجا خالد بهذا الجيش من هذه الكارثة بما يشبه النصر؟!! لقد كان ذلك بعد توكله على الله واستعانته بكفاية الله تعالى للفئة المؤمنة، أن ابتكر فكرة عجيبة انطلت على الجيش الرومي كله.. كيف كانت الفكرة؟!

بعد أن استشهد القادة الثلاثة الذين كلفهم النبي ﷺ بقيادة المعركة، وهم زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب، وعبد الله بن رواحة، أخذ الراية خالد وأدار المعركة بطريقة مبتكرة لم تخطر على بال أحد، يروي ابن هشام في روايته عن خالد فيقول: لقد قاتل يومه قتالا شديدا فلما أظلم الليل غير نظام جيشه، فجعل مقدمته ساقة (1) وساقته مقدمة، وكذلك فعل بالميمنة والميسرة (۲)، ويعلق اللواء الركن محمود شيت خطاب على ذلك فيقول، أي أنه سحب جيشه من ساقة المعركة، وأبقى ساقة تحمي الانسحاب نشر هذه الساقة ليحتل فرسانها مساحة شاسعة من الأرض، ويأمرهم أن يحدثوا أصواتًا مرتفعة، بما لديهم من أبواق وطبول وأدوات حربية، وإثارة الغبار بالخيل تدور بسرعة في دوائر ضيقة، كل ذلك جعل الروم لا يشعرون بانسحاب القسم الأكبر من المسلمين ليلا من جهة، ويعتقدون أن إمدادات قوية جاءتهم ليلًا، لهذا لم يقدم الروم على مطاردة المسلمين، فسهل ذلك لخالد مهمته بسحب رجاله من ساحة المعركة بأمان، ودون أن ينقلب الانسحاب إلى هزيمة، كما سهل مهمة سحب الساقة التي سترت انسحاب القسم الأكبر من قوات المسلمين، وذلك بعد أن اطمأن إلى أن القسم الأكبر من قواته قد وصل مأمنه (۳).

تناكر الماء الطبيعية

في معركة اليرموك كان الوقت يمضي لصالح الروم بحشد الكثير من الجيوش والتأهب الكامل للقتال، وأدرك الصديق المأزق الذي وقع فيه أبو عبيدة قائد الجيش، فأرسل إلى خالد بن الوليد للالتحاق بجيوش المسلمين بأقصى سرعة وعندما استشار أصحابه وقادة الجيش بالطريق الذي يسلكه ويخرج فيه من وراء جيوش الأعداء، أشاروا عليه بطريق خطرة وعرة، ولما استشار دليله رافع بن عميرة الطائي عن هذا الطريق قال له: «إنك لن تطيق ذلك بالخيل والأنفال، والله إن الراكب المفرد يخشى فيها على نفسه، إنها خمس ليال لا يصاب فيها ماء» (٤).

إذن المشكلة هي مشكلة الماء، فإذا ما وجدت فكرة وابتكار يوفر الماء للجيش استطاع تنفيذ العبور في أسرع وقت، وانقدحت الفكرة الجديدة، إنها صناعة تناكر طبيعية تحمل الماء معهم. يستطيع من خلالها تقنين التوزيع ليصل بالجيش بر الأمان بعد انقضاء الأيام الخمسة.

تفاصيل الابتكار

«أمر خالد أصحابه أن يستكثروا من الماء وأمر صاحب كل خيل أن يعد لها الماء بقدر ما يسقيها، وجمع عددا من الإبل السمان وظمأها حتى إذا أجهدها عطشا أوردها الماء عللا بعد نهل، فلما امتلأت صر ذانها، وشد مشافرها لئلا تجتر، وانطلق خالد بالجيش ينزلون كل يوم فيأكل الرجال، ويشربون مما معهم من ماء ثم يشقون بطون عشرة من الإبل، ويخرجون الماء منها، ويسقون الخيل حتى أدركوا الري بعد خمسة أيام، فدخل خالد، «سوى»، وهو ماء لبني بهراء قبيل صبح، فأغار على أهلها من بهراء، فأذعنوا، إذ لم يكونوا يتوقعون ظهور جيش المسلمين من هذا الاتجاه في هذا الوقت» (٥).

لقد وصل خالد بالجيش بأمان وكان لوصوله الأثر الكبير في الانتصار في معركة اليرموك.

الهامش

  1. الساقة هي مؤخرة الجيش.

  2. سيرة ابن هشام ٤٤٠/٣.

  3. قادة فتح العراق والجزيرة ص ۸۹-۸۰.

  4. ، 5) الطبري ٦٠٤/٢ وابن الأثير ٦٥/٢.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 55

104

الثلاثاء 13-أبريل-1971

مع القراء (55)

نشر في العدد 85

78

الثلاثاء 09-نوفمبر-1971

لقائي معكم.. رمضان ورمضان