العنوان الابتكار .. طعم آخر للحياة: البحث عن المفاتيح
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر السبت 08-يوليو-2006
مشاهدات 62
نشر في العدد 1709
نشر في الصفحة 57
السبت 08-يوليو-2006
لقد خلق الله هذا الكون الفسيح، ومما خلقه في هذا الكون كوكب الأرض الذي شاء سبحانه وتعالى أن ينزل إليه هذا الإنسان، وخلق مع الإنسان سننًا يستعين بها ليزاول عمارة هذه الأرض، وتسخير كل ما خلق الله فيها من النعم من أجل سعادته من خلال تحقيقه للعبودية..
هذه السنن بمثابة المفاتيح التي من ملكها أو عرف كيف يستعملها يستطيع بها فتح كنوز الارتقاء في جميع مجالات هذه الحياة، وزيادة الإنتاجية، وتقليل الخسائر المادية والمعنوية والبشرية بأقل ما يمكن.
إن البحث عن هذه المفاتيح والعثور عليها مهم للغاية، ولكن لا يكفي، حيث إن الأهم هو استخدامها بعد العثور عليها، هذا العثور وهذا الاستخدام يحتاجان إلى جرأة لا يملكها إلا من توافرت فيه صفات المبتكر، وهذا لا يتم إلا إذا عرفنا مواضع أقدامنا على هذه الأرض، ومواضع أقدام الآخرين، واعترفنا - دون مكابرة - بالبون الشاسع بين مواضع أقدامنا ومواضع أقدام الآخرين الذين سبقونا من الأمم، وأدركنا أن أحد أبرز أسباب تقدمهم العلمي والمادي والإعلامي والعسكري والاجتماعي وغيره هو جرأتهم بالبحث عن تلك المفاتيح، ثم الجرأة باستعمالها حيث إن هذه المفاتيح قد خلقها الله للجميع، ولكنه حرم الانتفاع بها إلا لمن قرر الانتفاع بها .
اتخاذ قرار البحث
يقول تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حتى يغيروا ما بأنفسهم﴾ (الرعد :11)، وهذا يعني أننا من الممكن أن نلحق بالأمم المتقدمة، بل نتجاوزها إذا ما قررنا ذلك، ومتى ما تخلينا عن جمودنا، وبقائنا في مواقعنا وامتلكنا الجرأة بتشخيص واقعنا بكل صدق ودقة، وعدم الاكتفاء بالبكاء والحسرة على هذا الواقع، أو التمجيد لماضي الأجداد الذين استخدموا تلك المفاتيح فقادوا وسادوا إلى أن ضيعها الأحفاد من هذه الأمة.
إن البحث عن تلك المفاتيح التي تفتح آفاق التغيير والتقدم والارتقاء في جميع المجالات، لا يتأتى إلا إذا قام بتلك المهمة، المبتكرون من هذه الأمة في جميع مجالات الحياة التجارية والعلمية، والإعلامية والتربوية والدعوية، والخيرية، وغيرها من المجالات، فلا يكون الالتزام والرجوع إلى منهج الحق للتقدم والارتقاء ومنافسة أمم الأرض دون مصاحبة ذلك بالبحث عن مفاتيح الابتكار واستخدامها .
إن هذه الحلقات محاولة للبحث عن قضية الابتكار في جميع مجالاته، حتى نستطيع استغلال الطاقات الكامنة لدينا التي خلقها الله فينا، ثم نبحث عن تلك السنن التي نفتح بها كنوز التقدم والارتقاء.
ترك الابتكار خيانة
يقول ياساتوشي ياسوميرا في كتابه (فن التفكير الإبداعي) : « إن الفشل في استغلال الإبداع الكامن لدى الإنسان، بسبب جهله بوجود هذه القدرة، أو عدم المبالاة، أو بسبب التعنت المقصود ليس هدرًا بقدر ما هو خيانة للنفس».
إن ذلك لا يعتبر خيانة للنفس فحسب، بل خيانة للدين، وخيانة للأمة، حيث يقبل الإنسان أن يكون تابعًا في هذه الحياة، يستهلك ما يصنعه له الآخرون، ويأكل ما يزرعه له الآخرون، فإذا ما منعوا منه ذلك رضي أن يموت أو أن يكون أسيرًا ذليلاً لهؤلاء الذي قرروا البحث عن المفاتيح، وملكوا الجرأة باستعمالها، ثم استحوذوا على كنوز المعرفة.
سر نجومية العظماء
عندما قلبت كتب التاريخ، وصفحات العظماء من هذه الأمة، وغيرها من الأمم أدركت إدراكًا لا يخالجني فيه شك أن هؤلاء العظماء لم يبزغ نجمهم، وتعلو أعمالهم، وتخلد أسماؤهم إلا بوجود الابتكار كصفة رئيسة مع صفاتهم الأخرى التي رشحتهم لذلك المجد.
الجامدون في هذه الحياة، والكارهون للتغيير، والقابعون في زوايا القوالب القديمة قد ينجحون نجاحًا جزئيًّا لا يلبث أن يزول، ليتجاوزهم، ويذهب إلى أولئك المبتكرين الذين يقدمون إنجازاتهم ومنتجاتهم بصور متعددة على الدوام؛ لتجذب النفوس التي جُبلت على محبة الجديد، والنفور من الجامد الذي يأبى التغيير.
كذب ذلك المدعي
الذي يدعي أننا أمة جامدة لم نعرف الابتكار من قبل كما عرفته الأمم الأخرى كاذب لا يعرف التاريخ، فلو أنه أنصف قليلاً وتمعن في سيرة سيد الخلق، لرأى كيف فتح الله تعالى على رسولنا صلى الله عليه وسلم بأساليب الابتكار التي كانت داعمًا لكلمات الحق التي أرسل بها، فكانت منهجًا نبويًّا في الدعوة إلى الله وبعد ذلك في تربية الصحابة الكرام، وكذلك في حروبه للكفار، وإقامة دولة الإسلام .