العنوان الابتكار في الدعوة
الكاتب محمد رشيد العويد
تاريخ النشر الثلاثاء 18-أغسطس-1992
مشاهدات 66
نشر في العدد 1012
نشر في الصفحة 46
الثلاثاء 18-أغسطس-1992
الابتكار في الدعوة
بقلم: محمد رشيد
العويد
لا يكفي أن تكون
مادة الداعية هي الحق ليقنع الناس بها، فالناس المدعوون سينظرون بأعينهم إلى هذا
الذي يدعوهم وسيتأثرون بأسلوبه في دعوتهم، وستتشكل مواقفهم منه نتيجة هذا التأثر.
ولمزيد من التوضيح لنتأمل في دعوة النبي -صلى الله عليه وسلم- كان نبيًا مرسلًا،
وكان مؤيَّدًا من الله تعالى، كانت مادة دعوته هي: هذا القرآن الموحى به إليه من
السماء؛ أي أن اقتناع الناس المدعوين نتيجة طبيعية لتلك المقدمات، هكذا يحسب بعض
الناس، لكن الله -تعالى- يبين أن هذا كله لا يكفي للإقناع، لا يكفي أن يكون
الداعية على حق، وأن ما يدعو إليه حق حتى ولو كان من يدعو نبيًا مرسلًا، ولو كانت
مادة الدعوة وحيًا من الله تعالى، فهناك أسلوب التوصيل، وطريقة الدعوة، وشخص
الداعية، يقول -سبحانه-: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ
اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ
حَوْلِكَ﴾. لانفضوا من حوله حتى ولو كان نبيًا مرسلًا يدعو إلى حق منزل من
الله، مادام فظًا غليظ القلب. يا سبحان الله! إذا كان الله -تعالى- يقرر هذه
الحقيقة مخاطبًا بها نبيه الكريم -صلى الله عليه وسلم-، فماذا يقال لدعاة اليوم
الذين يرجون استجابة الناس دون أن يلينوا لهم، أو يأملون في إقناعهم بما يدعونهم
إليه وهم يوجهونهم بفظاظة، أو يأمرونهم بالمعروف بقسوة، أو ينهونهم عن المنكر
بغلظة، أو يحدثونهم عن الإسلام دون أن تفيض الرحمة من عيونهم، أو يحثونهم على
الالتزام دون أن يشعروهم بحبهم لهم وخشيتهم عليهم، وحرصهم على نجاتهم وفوزهم؟
من هذا يمكن
القول إن من مواصفات المقنع ما يلي:
1.
أن تخالط الرحمة حديثه، وتمتزج مع كلماته،
وتنبع من قلبه، وتطل من عينيه، حتى يشعر بها من يتوجه إليه بدعوته.
2.
ألا يجعل من حواره ونقاشه حلبة مصارعة هدفه
فيها الانتصار على الطرف الآخر، بل حوار مشفق على محاوره، راغب في إيصال الحقيقة
إليه.
3.
أن يكون حال المقنع مطابقًا لما يدعو إليه،
فكيف يقنع المدعو بالصدق، ومن يدعو إليه يكذب، أو بالتواضع ومن يدعو إليه متكبر،
أو بالحجاب وزوجة من يدعو إليه سافرة وهكذا.
4.
ألا يبغي المقنع من وراء دعوته أو حواره أجرًا
دنيويًا؛ حتى يتأكد الإخلاص في نواياه، ويطمئن المدعو إلى حرص الداعي عليه، لا على
مال أو سمعة أو غيرهما.
5.
أن تكون عباراته واضحة لا غموض فيها، وكلماته
سهلة متداولة لا معاضلة فيها، وأفكاره قريبة من الفهم لا ألغاز فيها.
6.
الأمثلة والتشبيهات والمقارنات تقرب الأفكار
والمبادئ والقيم من الأذهان، فيحسن أن يستخدمها المقنع لمزيد من البيان.
أما طرق الإقناع
فمختلفة ومتعددة، فمنها ما يعتمد العقل والمنطق، ومنها ما يعتمد المثل والواقع،
ومنها ما يعتمد القدوة والأسوة، وإنما تختلف طرق الإقناع لاختلاف الناس أنفسهم،
فمن الناس من أُوتي الحكمة، ورُزق المنطق القويم، وهذا تكفيه الدعوة المباشرة حتى
يؤمن ويلتزم. ومنهم من لا يرقى عقله إلى التجريد فتُضرب له الأمثلة، وتُقارن له
الحقائق بأخرى يُسلم بها وتكون أقرب إلى إحساسه. ومنهم من يتأثر بالقدوة، ويعجب
بها فيقتفي أثرها، ويقبل منها دون مناقشة أو جدال. وهكذا وعليه فإن من طرق الإقناع
ما يلي:
مجاراة المخاطب بما هو حق: لأن مخالفة من نحاوره باستمرار يؤلم نفسه،
ويظهره وكأنه لا يقول حقًا أبدًا، وقد يدفعه هذا إلى العناد. ولهذا يحسن الوقوف
عند بعض الأفكار الصحيحة، التي ترد في كلام من نحاوره فنستدرك ما بُني عليها من
خطأ فنصححه، أو نصحح النتائج الخاطئة المراد الوصول إليها منها، ويكون المدخل إلى
هذا عبارات، من مثل: «أنا معك في هذا كذلك، ولكن» أو «أنت على حق في قولك كذا، وهو
يعني كيت وكيت». وهذا الأسلوب من أساليب الرسل -عليهم السلام- كما يحكي لنا القرآن
الكريم. يقول تعالى: ﴿قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن
نَّحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ
مِنْ عِبَادِهِ ۖ وَمَا كَانَ لَنَا أَن نَّأْتِيَكُم بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ
اللَّهِ ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (سورة إبراهيم: 11).
يقول السيوطي:
«فقولهم: إن نحن إلا بشر مثلكم فيه اعتراف الرسل بكونهم مقصورين على البشرية،
فكأنهم سلموا انتفاء الرسالة عنهم، وليس مرادًا، بل هو من مجاراة الخصم لِيُعْثَر،
فكأنهم قالوا: ما ادعيتم من كوننا بشرًا حق لا نُنكره، ولكن هذا لا ينافي أن يمن
الله -تعالى- علينا بالرسالة».
مجاراة المخاطب في باطل يعتقد: وهذه المجاراة مؤقتة، المقصود منها تنبيه
المخاطب إلى أن هذا الباطل لا يؤدي إلى حق، ولا يوصل إلى صواب، ولعل خير مثال على
هذا مجاراة إبراهيم -عليه السلام- لقومه في نسب الفعل إلى كبير الأصنام بعد أن حطم
إبراهيم -عليه السلام- الأصنام الأخرى. يقول تعالى: ﴿قَالُوا
أَأَنتَ فَعَلْتَ هَٰذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ (62) قَالَ بَلْ فَعَلَهُ
كَبِيرُهُمْ هَٰذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ (63) فَرَجَعُوا إِلَىٰ
أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنتُمُ الظَّالِمُونَ (64) ثُمَّ نُكِسُوا
عَلَىٰ رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَٰؤُلَاءِ يَنطِقُونَ (65) قَالَ
أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ
(66) أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ۖ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾
(سورة الأنبياء: 62-67).
يقول القرطبي
-رحمه الله-: «لقد قال إبراهيم (بل فعله كبيرهم هذا) ليقولوا إنهم لا ينطقون، ولا
ينفعون، ولا يضرون فيقول لهم: فلم تعبدونهم؟ فتقوم عليهم الحجة منهم. ولهذا يجوز
عند الأئمة فرض الباطل مع الخصم حتى يرجع إلى الحق من ذات نفسه، فإنه أقرب في
الحجة وأقطع للشبهة». (القرطبي ج 12 ص 300).
التدرج: في محاورة
الإقناع يحسن أن يبدأ المحاور بالأساسيات، ويؤجل الفرعيات، ويؤخرها لأنه إذا ما سلَّم
من تحاوره بالأساسيات سهل اقتناعه وتسليمه بالفرعيات؛ لأنها نتائج طبيعية
للأساسيات، ففي الدعوة إلى الالتزام بشرع الله -مثلًا- لا نقف عند جزئية، ونجادل
حولها طويلًا، بل نحاور في أساس الاعتقاد، وهو الإيمان بالله ربًا، وبمحمد -صلى
الله عليه وسلم- نبيًا ورسولًا، فإذا تحقق هذا لا يمكن للمرء أن يرفض الالتزام بكل
ما جاء في كتاب الله تعالى وسنة نبيه -صلى الله عليه وسلم-. ويضيق المجال عن
الحديث عن وسائل الإقناع الأخرى التي أرجو أن تتاح فرصة أخرى لعرضها بتفصيل وافٍ.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل