العنوان الابتلاء ثمرات ودروس
الكاتب أحمد زهران
تاريخ النشر السبت 13-ديسمبر-2003
مشاهدات 67
نشر في العدد 1580
نشر في الصفحة 52
السبت 13-ديسمبر-2003
(سكرتير تحرير مجلة الرسالة – القاهرة)
الابتلاءات تعلم المؤمنين ما جهلوا من سنن الدين والحياة وتميز بين الخبيث والطيب
التجارب العملية تربي الإنسان وتظهر مدى استعداده الحقيقي لمجابهة المحن
الابتلاء يستثير عناصر المقاومة ويذكي نار التحدي ويعلي من درجات الاستعداد واليقظة
الإيمان دعوى لا بد أن يقام الدليل على صدقها، وقد جعل الله ذلك الدليل متمثلًا في الصبر على ما يصيب المؤمن من نصب وألم ولأواء، وما يطرأ عليه من نعم ومنح، يقول تعالى: ﴿الٓمٓ * أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتۡرَكُوٓاْ أَن يَقُولُوٓاْ ءَامَنَّا وَهُمۡ لَا يُفۡتَنُونَ * وَلَقَدۡ فَتَنَّا ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۖ فَلَيَعۡلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَلَيَعۡلَمَنَّ ٱلۡكَٰذِبِينَ﴾ (العتكبوت: 1-3).
وقد ينزل البلاء بالمؤمن والكافر، والمهتدي والفاسق والصالح والطالح، فمن شكر فقد وفي بالحق، ومن كفر فإن الله غني عن العالمين: ﴿إِنَّا خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ مِن نُّطۡفَةٍ أَمۡشَاجٖ نَّبۡتَلِيهِ فَجَعَلۡنَٰهُ سَمِيعَۢا بَصِيرًا ٢ إِنَّا هَدَيۡنَٰهُ ٱلسَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرٗا وَإِمَّا كَفُورًا ﴾ (الإنسان: 2-3). والإنسان - عامة - يفرح عند ورود النعمة، ويجزع عند حلول المصيبة: ﴿فَأَمَّاٱلۡإِنسَٰنُ إِذَا مَا ٱبۡتَلَىٰهُ رَبُّهُۥ فَأَكۡرَمَهُۥ وَنَعَّمَهُۥ فَيَقُولُ رَبِّيٓ أَكۡرَمَنِ * وَأَمَّآ إِذَا مَا ٱبۡتَلَىٰهُ فَقَدَرَ عَلَيۡهِ رِزۡقَهُۥ فَيَقُولُ رَبِّيٓ أَهَٰنَنِ﴾ (الإنسان: 15-16).
أما المؤمن فله خصوصية ليست لبقية الناس، إنه يقف مع كل بلية نزلت به ينظر بعين بصيرة وفكر ثاقب، وعقل واع، فيجد مع كل بلاء ثمرة، ومع كل محنة منفعة، ومن هذه الثمرات والمنافع:
إيقاظ النفوس وترقيق القلوب و مادام الخير فيها مركوزًا، فإنها تتجه إلى الله، ترجو منه، وتتضرع إليه ﴿ٱلَّذِينَ ٱسۡتَجَابُواْ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ مِنۢ بَعۡدِ مَآ أَصَابَهُمُ ٱلۡقَرۡحُۚ لِلَّذِينَ أَحۡسَنُواْ مِنۡهُمۡ وَٱتَّقَوۡاْ أَجۡرٌ عَظِيمٌ * ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدۡ جَمَعُواْ لَكُمۡ فَٱخۡشَوۡهُمۡ فَزَادَهُمۡ إِيمَٰنٗا وَقَالُواْ حَسۡبُنَا ٱللَّهُ وَنِعۡمَ ٱلۡوَكِيلُ * فَٱنقَلَبُواْ بِنِعۡمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضۡلٖ لَّمۡ يَمۡسَسۡهُمۡ سُوٓءٞ وَٱتَّبَعُواْ رِضۡوَٰنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ ذُو فَضۡلٍ عَظِيمٍ﴾ (آل عمران: 172-174) فالمؤمنون بعد غزوة أحد كانوا مثخنين بالجراح؛ الجسدية منها والنفسية، وبرغم ذلك نهضوا إستجابة لأمر النبي صلى الله عليه وسلم فأثنى الله عليهم خيرًا.
أما النفوس المريضة فتتخذ من الألم والمصائب ذريعة للتخلف والاعتذار، وربما لا يكون هناك ألم، وإنما هي لذة الراحة وحب الدنيا: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ ﴾ (التوبة: 49).
استثارة عناصر المقاومة، وإذكاء نار التحدى ورفع درجات الاستعداد واليقظة، فيظل المؤمن أبدًا رافعًا شعار «كن مستعدًا»، وهو يعلم أن الابتلاء ربما أصابه اليوم أو غدًا.
وتأمل سحرة فرعون عقب إيمانهم وتهديد فرعون لهم، فما لانوا وما جزعوا، وإنما أصروا على الحق الذي آمنوا به واتبعوه، متحدين في ذلك الطاغوت. يقول الله تعالى: ﴿قَالُواْ لَن نُّؤۡثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَآءَنَا مِنَ ٱلۡبَيِّنَٰتِ وَٱلَّذِي فَطَرَنَاۖ فَٱقۡضِ مَآ أَنتَ قَاضٍۖ إِنَّمَا تَقۡضِي هَٰذِهِ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَآ * إِنَّآ ءَامَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغۡفِرَ لَنَا خَطَٰيَٰنَا وَمَآ أَكۡرَهۡتَنَا عَلَيۡهِ مِنَ ٱلسِّحۡرِۗ وَٱللَّهُ خَيۡرٞ وَأَبۡقَىٰٓ ﴾ (طه: 72-73).
وتأمل سيرة بلال على بطحاء مكة وهو يعلن تحديه: «أحد أحد»، «لو أعلم كلمة هي أغيظ لهم منها لقلتها».
وانظر إلى عثمان بن مظعون بعدما كان يسير في جوار المشركين آمنًا، إذا به يرد جوارهم، فيناله الأذى، وتفقأ عينه، فيعير أنه كان في عز ومنعة، فما تلكأ، وما اهتز، وإنما ثبت وأنشد:
فــإن تك عينــــــــــــــــــــــــــــــــي أصابهــــــــــــــــا يـــــــــــد ملحـــــــــــــــــد غي وليـــــــــــس بمهتد
فقد عوض الرحمن منا ثوابه ومن يرضه الرحمن يا قوم يسعد
الابتلاءات تعلم المؤمنين ما جهلوا من سنن الدين والحياة، أو تذكرهم بما نسوا من ذلك؛ فالمؤمن -مهما عظمت بالله صلته- لا ينبغي أن يغتر به، أو يحسب الدنيا دانت له أو يظن قوانينها الثابتة طوع يديه..كلا فالحذر البالغ، والعمل الدائم هما عدتا المسلم لبلوغ أهدافه المرسومة، ويوم يحسب المسلم أن الأيام كلها كتبت له، وأن شيئًا منها لن يكون عليه، وأن أمجاد الدارين تنال دون بذل التكاليف الباهظة، فقد سار في طريق الفشل الذريع: ﴿إِن يَمۡسَسۡكُمۡ قَرۡحٞ فَقَدۡ مَسَّ ٱلۡقَوۡمَ قَرۡحٞ مِّثۡلُهُۥۚ وَتِلۡكَ ٱلۡأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيۡنَ ٱلنَّاسِ وَلِيَعۡلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمۡ شُهَدَآءَۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلظَّٰلِمِينَ * وَلِيُمَحِّصَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَيَمۡحَقَ ٱلۡكَٰفِرِينَ * أَمۡ حَسِبۡتُمۡ أَن تَدۡخُلُواْ ٱلۡجَنَّةَ وَلَمَّا يَعۡلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَٰهَدُواْ مِنكُمۡ وَيَعۡلَمَ ٱلصَّٰبِرِينَ﴾ (آل عمران: 140-142) (فقه السيرة للشيخ الغزالي ص 304).
والابتلاءات تميز الخبيث من الطيب: «فالدعوات -إبان امتدادها وانتصارها- تغري الكثيرين بالانضواء تحت لوائها» فيختلط المخلص بالمغرض، والأصيل بالدخيل، وهذا الاختلاط مضر أكبر الضرر بسير الرسالات الكبيرة وإنتاجها، ومن مصلحتها الأولى أن تصاب برجات عنيفة تعزل الخبث عنها، (فقه السيرة للغزالي ص 299).
فالدعوات حال الأمن والرخاء والعافية وامتلاك منابر الدعوة من دون التعرض إلى التضييق أو الأذى والفتنة، ربما دخل فيها ظاهرًا من كان يكيد لها باطنًا، وربما تبوأ ذلك الدعي مكانة أو وصل إلى درجة تمكنه من بث بذور الفتنة، أو بذر بذور الشقاق.
يقول الله تعالى: ﴿مَّا كَانَ ٱللَّهُ لِيَذَرَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ عَلَىٰ مَآ أَنتُمۡ عَلَيۡهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ ٱلۡخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِۗ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُطۡلِعَكُمۡ عَلَى ٱلۡغَيۡبِ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَجۡتَبِي مِن رُّسُلِهِۦ مَن يَشَآءُۖ فَـَٔامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦۚ وَإِن تُؤۡمِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَلَكُمۡ أَجۡرٌ عَظِيمٞ﴾ (آل عمران: 179).
والفارق بين النموذجين كبير؛ «فالخبيث يتلكأ ويختلق المعاذير، فقد عاش حياته في رخاء»، وهو غير مستعد لأن يستبدل بالرخاء شدة، ولا باليسر عسرًا، ولا بالنعمة شظفًا، ولا بالعافية ضرًا، ولا بالأمن خوفًا، أما الطيب فهو النموذج الصالح الذي يؤمن بقوله تعالى: ﴿قُل لَّن يُصِيبَنَآ إِلَّا مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَنَا هُوَ مَوۡلَىٰنَاۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ﴾ (التوبة: 51)، وفي هذا تمحيص للصف وتثبيت للمؤمنين وطرد للأدعياء المنافقين (الظلال 3 / 1337).
﴿وَلِيَعۡلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ (آل عمران: 140) فالمؤمن يثبت على إيمانه ويزيد،والمنافق ينكص ويحيد، وقد مدح الله المؤمنين في غزوة بدر ونصرهم لما علم من إيمانهم وانكسار قلوبهم بين يديه سبحانه: ﴿وَلَقَدۡ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدۡرٖ وَأَنتُمۡ أَذِلَّةٞۖ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ﴾ (آل عمران: 123) فالله يحب أن يستخرج عبودية المؤمنين في السراء والضراء، وفيما يحبون وما يكرهون، وفي حال ظفرهم وظفر أعدائهم بهم، فإن ثبتوا على الطاعة والعبودية فيما يحبون وما يكرهون فهم عبيده حقًّا، وليسوا كمن يعبد الله على حرف واحد من السراء والنعمة والعافية (زاد المعاد).
﴿وَيَتَّخِذَ مِنكُمۡ شُهَدَآءَۗ﴾ (آل عمران: 140)، فمن فكر في عاقبة المحن، وأنه لو مات في سبيل دينه وعقيدته، فسيكون شهيدًا عند الله تعالى وينال ما يناله الشهيد من: غفران الذنوب، والأمن من الفزع والشفاعة لسبعين من أهل بيته، وسكن جنة عرضها السماوات والأرض... إلخ، فلن تجزع نفسه أو تخور عزيمته، وإنما يقدم ويصبر.
﴿وَلِيُمَحِّصَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَيَمۡحَقَ ٱلۡكَٰفِرِينَ﴾ (آل عمران: 141) فالتجارب العملية هي التي تربي الإنسان وهي التي تظهر مدى استعداده الحقيقي لمجابهة القوارع التي تنزل به وبدينه وأمته، فليست الأماني هي محك الحكم على الإنسان، وإنما هو ميدان العمل والجهاد.
يقول تعالى: ﴿أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلۡمَلَإِ مِنۢ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ مِنۢ بَعۡدِ مُوسَىٰٓ إِذۡ قَالُواْ لِنَبِيّٖ لَّهُمُ ٱبۡعَثۡ لَنَا مَلِكٗا نُّقَٰتِلۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۖ قَالَ هَلۡ عَسَيۡتُمۡ إِن كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡقِتَالُ أَلَّا تُقَٰتِلُواْۖ قَالُواْ وَمَا لَنَآ أَلَّا نُقَٰتِلَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَقَدۡ أُخۡرِجۡنَا مِن دِيَٰرِنَا وَأَبۡنَآئِنَاۖ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيۡهِمُ ٱلۡقِتَالُ تَوَلَّوۡاْ إِلَّا قَلِيلٗا مِّنۡهُمۡۚ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِٱلظَّٰلِمِينَ﴾ (البقرة: 246).
«والتمحيص درجة بعد الفرز والتمييز، التمحيص عملية تتم في داخل النفس، وفي مكنون الضمير، إنها عملية كشف لمكنونات الشخصية، وتسليط الضوء على هذه المكنونات تمهيدًا لإخراج الدخل والدغل والأوشاب، وتركها نقية واضحة مستقرة على الحق بلا غبش ولا ضباب، وكثيرًا ما يجهل الإنسان نفسه ومخابئها ودروبها ومنحنياتها، وكثيرًا ما يجهل حقيقة ضعفها وقوتها، وحقيقة ما استكن فيها من رواسب، لا تظهر إلا بمثير.
ولقد يظن الإنسان في نفسه القدرة والشجاعة والتجرد والخلاص من الشح والحرص، ثم إذا هو يكشف -على ضوء التجربة العملية، وفي مواجهة الأحداث الواقعية- أن في نفسه عقابيل لم تمحص، وأنه لم يتهيأ لمثل هذا المستوى من الضغوط، ومن الخير أن يعلم هذا من نفسه، ليعاود المحاولة في سبكها من جديد، على مستوى الضغوط التي تقتضيها طبيعة هذه الدعوة، وعلى مستوى التكاليف التي تقتضيها هذه العقيدة، (في ظلال القرآن 1 / 482 - 483).
وهذا أمر عظيم، ينبغي أن تقطن إليه القيادة الرشيدة للجماعة المسلمة، فلا يجوز أن تضع خططها على أساس ما تسمعه من الرغبات والأماني من أعضائها الدعاة أو الأنصار والمؤيدين؛ فالرغبة في الشيء شيء والقيام به وبمتطلباته شيء آخر، (المستفاد من قصص القرآن للدعوة والدعاة 2/ 198- 199 للدكتور عبد الكريم زيدان).
﴿وَيَمۡحَقَ ٱلۡكَٰفِرِينَ﴾ (آل عمران: 141) وهي من أدق الفوائد التي لا يشعر بها أصحاب الدعوات كثيرًا؛ فالله تعالى: إذا أراد أن يهلك أعداءه ويمحقهم، قيض لهم الأسباب التي يستوجبون بها هلاكهم ومحقهم، ومن أعظمها - بعد كفرهم- بغيهم وطغيانهم، ومبالغتهم في أذى أوليائه، ومحاربتهم وقتالهم والتسلط عليهم فيتمحص بذلك أولياؤه من ذنوبهم وعيوبهم ويزداد بذلك أعداؤه من أسباب محقهم وهلاكهم زاد المعاد (2 / 100)
صلاح النفوس وتهذيبها، فلو بسط الله لعباده النصر كما يبسط لهم الرزق لبغوا وطغت نفوسهم، ولكنه سبحانه أعلم بعباده: ما يصلحهم، وما يفسدهم ﴿أَلَا يَعۡلَمُ مَنۡ خَلَقَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلۡخَبِيرُ (الملك: 14)، فلا يصلح عباده إلا السراء والضراء، والشدة والرخاء، والقبض والبسط (زاد المعاد 2/ 100).
فالخير لا يعلمه إلا الله ورب محنة انقلبت إلى منحة، وكم من رزية لو فكر في عواقبها صاحبها لعلم أنها هدية: ﴿وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ وَأَنتُمۡ لَا تَعۡلَمُون﴾َ (النور: 19).
ومن أعظم ثمرات الابتلاء الحصول على تأييد المؤمنين بعد تأييد الله تعالى، ويكون ذلك بزيادة مستوى الحب والترابط بين أصحاب العمل الإسلامي، بل وبين المسلمين جميعًا، وانظر إلى المحن والابتلاءات التي تنزل بالمسلمين في المشارق والمغارب، كيف قاربت بين القلوب وألفت بين النفوس، «فالمصائب يجمعن المصابينا»، فأصبحنا نرى النصرة بالدعاء للمسلمين في فلسطين والعراق وكشمير والشيشان وغيرها من بلدان المسلمين، وذلك كله بسبب المحنة أو البلية التي نزلت بهذا البلد أو ذاك، فوحدت بين القلوب والمشاعر، وإن ظلت الأجساد متباعدة، يقول تعالى: ﴿وَإِن يُرِيدُوٓاْ أَن يَخۡدَعُوكَ فَإِنَّ حَسۡبَكَ ٱللَّهُۚ هُوَ ٱلَّذِيٓ أَيَّدَكَ بِنَصۡرِهِۦ وَبِٱلۡمُؤۡمِنِينَ * وَأَلَّفَ بَيۡنَ قُلُوبِهِمۡۚ لَوۡ أَنفَقۡتَ مَا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا مَّآ أَلَّفۡتَ بَيۡنَ قُلُوبِهِمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ أَلَّفَ بَيۡنَهُمۡۚ إِنَّهُۥ عَزِيزٌ حَكِيمٞ﴾ (الأنفال: 62-63).
ويكفي من ذلك تعاطف الناس مع الفكرة الإسلامية وتأييدهم لها، تجد ذلك واضحًا في أي انتخابات يخوضها الدعاة إلى الله بقصد الإصلاح والتغيير، فتشعر حينئذ- من التفاف الجماهير وهتافاتهم للإسلام ومنهجه وصلاحيته للتطبيق- براحة في الضمير، واطمئنان وثقة بنصر الله تعالى- وإن تأخر- إلا أنه حتمي الوقوع ﴿وَلَيَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُۥٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (الحج: 40)
تفجير الطاقات وبروز الكفاءات:
فمن المعلوم أن النفوس تكتسب من الرخاء والعافية الدائمة ركونًا إلى الدنيا، «فالرخاء ينسي، والمتاع يلهي، والثراء يطغي، فإذا أراد الله تبارك وتعالى بها خيرًا ذكرها بالابتلاء والشدة، استحياء لها بالألم، والألم خير مهذب، وخير مفجر لينابيع الخير المستكنة، وخير مرهف للحساسية في الضمائر الحية، وخير موجه إلى ظلال الرحمة التي تنسم على الضعاف المكروبين نسمات الراحة والعافية في ساعات العسرة والضيق لعلهم يضرعون» (في ظلال القرآن 3/ 1337).
وانظر كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستخرج هذه الينابيع من نفوس أصحابه في مواطن الشدائد، فتبرز الآراء والتوجيهات، وتبزغ القدرة على العطاء، وتطفو المواهب المستكنة فتعلن عن نفسها في وضوح، فهذا سلمان يصدع يوم الأحزاب بخندقه، وهذا نعيم بن مسعود يبرز بدهائه وحكمته، وذاك حذيفة يختار من بين الجموع لرويته وحسن تصرفه، والتاريخ مليء بأمثال هؤلاء.
غفران الذنوب وتكفير السيئات فقد روى الترمذي عن سعد عن أبيه قال: قلت يا رسول الله: أي الناس أشد بلاء؟ قال: الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل حسب دينه، فإن كان في دينه صلبًا اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة ابتلي على قدر دينه، فما يبرح البلاء بالعبد وما عليه من خطيئة.
التذكير بالله تعالى، وبالرجوع إليه، يقول تعالى: ﴿وَبَلَوۡنَٰهُم بِٱلۡحَسَنَٰتِ وَٱلسَّيِّـَٔاتِ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ﴾ (الأعراف: 168) فتوالي الإبتلاء -سواء أكان بالخير أم الشر- رحمة من الله بالعباد، وتذكير دائم لهم، ووقاية من النسيان المؤدي إلى الاغترار والبوار. فلعل من ابتلي بالحسنات أن يشكر، والشكر يقتضي الاعتراف بالمنعم جل جلاله، وبفضله وعطائه ومنّه، ومن ابتلي بالسيئات عليه أن يصبر والصبر نصف الإيمان فلا جزع ولا يأس.
يقول الإمام البنا (رحمه الله): «وهل تنضج الموهبة، ويصفو الجوهر النقي إلا بين المنحة والمحنة؟ وتلك سنة الله تبارك وتعالى في تنشئة الأفراد، وتربية الأمم، وسبيل أصحاب الدعوات، من اصطنع لنفسه من عباده، وصنع على يديه من خلقه ليكونوا أئمة يهدون بأمره ﴿وَنَبۡلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلۡخَيۡرِ فِتۡنَةٗۖ وَإِلَيۡنَا تُرۡجَعُونَ﴾ (الأنبياء: 35) (مجلة الدعوة العدد 82/ ص 43).
وتأمل قصة أصحاب الجنة في القرآن إذ جاء في آخرها: ﴿قَالَ أَوۡسَطُهُمۡ أَلَمۡ أَقُل لَّكُمۡ لَوۡلَا تُسَبِّحُونَ * قَالُواْ سُبۡحَٰنَ رَبِّنَآ إِنَّا كُنَّا ظَٰلِمِينَ * فَأَقۡبَلَ بَعۡضُهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖ يَتَلَٰوَمُونَ * قَالُواْ يَٰوَيۡلَنَآ إِنَّا كُنَّا طَٰغِينَ * عَسَىٰ رَبُّنَآ أَن يُبۡدِلَنَا خَيۡرٗا مِّنۡهَآ إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا رَٰغِبُونَ﴾ (القلم: 28-32) فكان الابتلاء في حقهم رحمة من الله بهم؛ فلو تركهم وما تآمروا عليه من قطع الخير ومنعه عن الآخرين ولم يبتلهم تذكيرًا لهم ولقلوبهم، لضلوا وماتوا على ضلالهم، فكان المنع موجبًا للعطاء بعد ذلك، ورحم الله ابن عطاء حينما قال: «ربما أعطاك فمنعك وربما منعك فأعطاك»، ولو تفكر المرء في المنع وأسبابه «لصار المنع هو عين العطاء»...
اليقين الجازم أن هذا هو طريق الأنبياء والمرسلين والدعاة والمصلحين، وفي قصص القرآن العبرة للدعاة إلى الله من أجل تثبيت القلوب وطمأنة النفوس. فما من نبي إلا أوذي في سبيل دعوته يقول تعالى: ﴿وَكُلّٗا نَّقُصُّ عَلَيۡكَ مِنۡ أَنۢبَآءِ ٱلرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِۦ فُؤَادَكَۚ وَجَآءَكَ فِي هَٰذِهِ ٱلۡحَقُّ وَمَوۡعِظَةٞ وَذِكۡرَىٰ لِلۡمُؤۡمِنِينَ﴾ (هود: 120).
فمن أراد التمكين فلا بد من البلاء، وقد سئل أحد أئمة المسلمين: أيمكن المرء أولًا أم يبتلى؟ فقال: لا يُمكّن المرء حتى يبتلى.
ولله در الإمام البنا -رحمه الله- وقد قرأ بعين نافذة وبصر ثاقب صفحات الماضي فصاغ منها نظرته إلى المستقبل، يقول: «لا زالت دعوتكم مجهولة عند كثير من الناس، ويوم يعرفونها ويدركون مراميها وأهدافها، ستلقى منهم خصومة شديدة وعداوة قاسية، وستدخلون بذلك -ولا شك- في دور التجربة والامتحان فستسجنون وتعتقلون وتشردون، وتصادر مصالحكم، وتعطل أعمالكم، وتفتش بيوتكم.. وقد يطول بكم الامتحان، ولكن الله وعدكم بعد هذا كله نصرة المجاهدين، ومثوبة العاملين المحسنين فهل أنتم مصرون على أن تكونوا أنصار الله؟» (مجموعة الرسائل).
فتح آفاق جديدة وأماكن جديدة للعمل الإسلامي، فما من دعوة يضيق عليها في أرضها ووسط أهلها، إلا والتمست كسب أرض جديدة أفضل مناخًا للعمل والعطاء؛ فحينما ضيق على الدعوة الأولى في مكة هاجر المسلمون إلى الحبشة، وهناك أسلم النجاشي وأمن الناس على دينهم، ونشروا بين الناس كلمة الحق فأسلم خلق كثيرون.
والحركة الإسلامية المعاصرة ضيق عليها في بلادها ووسط أهلها، فهاجر رجالها يلتمسون الأمن في أماكن أخرى، فإذا بدعوتهم الآن تنتشر في أرجاء الأرض.
يقول الإمام البنا في آخر ما كتبه -رحمه الله-: «ويعود إخوانكم من البعثات العلمية أو من الرحلات التجارية في إنجلترا أو أمريكا أو فرنسا أو غيرها من بلاد الغرب المتهالكة على المادة المتهافتة على الطغيان، فإذا بهم قد أنشأتهم المرحلة نشأة أخرى، وسمعوا ورأوا من حديث الناس هناك عنكم واهتمامكم بشأنكم والتعليق على جهادكم وجهودكم، بما يجعلهم يستشعرون التقصير في حق الدعوة، ويعتزمون بذل الجهد وفوق الجهد في العمل لها والجهاد في سبيلها، ولقد سمعت أحدهم بالأمس القريب يخاطبني في حماسة ويحادثني في قوة وحزم، فيقول: يا أخي، والله إننا لسنا مجهولين إلا في وطننا، ولا مغموطين إلا في أرضنا، فإذا أراد الناس أن يعرفونا، بل إذا أردنا نحن أن نعرف أنفسنا ومدى تأثير دعوتنا، فعلينا أن نرحل إلى هذه الأقطار، ونجوس خلال تلك الأمصار ونستمع إلى أهل تلك الديار في مجالسهم الخاصة أو مجامعهم العامة، وسنرى من ذلك العجب العاجب، والقول اللازب، فأقول له: لا بأس عليك فقديمًا قيل: «وزامر الحي لا يحظى بإطراب»، وليس لنبي كرامة في وطنه وبين عشيرته، وسيدرك قومنا بعد ذلك من نحن وماذا نصنع؟ والعاقبة للمتقين ﴿وَلَيَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُۥٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (الحج: 40) (مجلة الدعوة/ العدد 82).