; الاتصالات السوفيتية- اليهودية تمهيد لـ: الصفقة الكبرى | مجلة المجتمع

العنوان الاتصالات السوفيتية- اليهودية تمهيد لـ: الصفقة الكبرى

الكاتب عبدالعزيز العمري

تاريخ النشر الثلاثاء 25-أكتوبر-1988

مشاهدات 57

نشر في العدد 888

نشر في الصفحة 34

الثلاثاء 25-أكتوبر-1988

في كتابه: «إعادة البناء والتفكير الجديد» أكد زعيم الحزب الشيوعي السوفيتي ميخائيل غورباتشوف على أن «الاتحاد السوفيتي لا يكن مبدئيًّا لإسرائيل أي عداء ويعترف بحقها المشروع في الوجود.. وأن موسكو كانت سباقة للمساهمة في ظهور دولة إسرائيل.. وفيما يتعلق بالاتصالات القائمة بين بلدينا فإننا لا نزمع التخلي عنها...».

ولعل الزعيم السوفيتي غورباتشوف أراد بكلامه هذا أن يعطي مؤشرًا على طبيعة توجهاته فيما يخص العلاقات والاتصالات مع الكيان الصهيوني في فلسطين المحتلة.. ورغبته في إعادة هذه العلاقات.

اتصالات مستمرة:

ومراجعة متأنية في ملف العلاقات السوفيتية- الصهيونية تؤكد حقيقة واحدة مفادها أن هذه العلاقات والاتصالات بين الاتحاد السوفيتي والكيان الصهيوني لم تنقطع يومًا واحدًا، وإن كانت تحولت لأشكال أخرى سرية غير تلك العلاقات الدبلوماسية الرسمية المعروفة.. لكن المتتبع لهذه الاتصالات ووتيرتها يلاحظ تصاعد في نغمة الغزل بين الطرفين «الشيوعي- اليهودي» هذا الغزل الغير عفيف كان كثيرًا ما يعبر عن نفسه عبر اللقاءات والزيارات والمبعوثين والوسطاء.. كل ذلك تمهيدًا لصفقة أكبر وأهم بدت إرهاصاتها في الآونة الأخيرة.

ونورد هنا بعضًا من تلك المؤشرات والإرهاصات.

• ففي زيارته لفرنسا في شهر تشرين أول عام ۱۹۸5 قال غورباتشوف: «لقد ساهمنا في خلق دولة «إسرائيل» ونعترف بسيادتها وبحقها في الوجود وبحق دفاعها عن مصالحها الحيوية والأمنية».

• وأعلن نفس الموقف عند زيارة الرئيس السوري لموسكو: «أقولها بصراحة: إن غياب العلاقات الدبلوماسية بين الاتحاد السوفيتي و«إسرائيل» ليس أمرًا طبيعيًّا، لكن «إسرائيل» هي المسئولة عن قطع العلاقات الدبلوماسية».

• وفي يوليو ۱۹۸۷ كان وفد قنصلي سوفيتي يزور الكيان اليهودي بمهمة وصفت بأنها لتفقد أملاك الكنيسة الأرثوذكسية الروسية في الدولة العبرية! وظل هذا الوفد يحصل على تجديد إقامة كل ثلاثة أشهر، وما زال يقيم في الكيان اليهودي إلى اليوم؟!

• وفي ٢٨ يوليو ۱۹۸۸ بدأت زيارة الوفد الدبلوماسي اليهودي إلى موسكو، وهي الأولى لوفد من هذا النوع منذ «۲۱» عامًا؛ أي من العام ١٩٦٧.

والحقيقة أنه يصعب تصديق أن تفقد أملاك الكنيسة الكاثوليكية يحتاج إلى هذه الإقامة المديدة.. كما يصعب التصديق أن الكيان الصهيوني لا يستطيع الاطلاع على أعمال سفارة هولندا التي ترعى مصالحها في الاتحاد السوفيتي إلا عبر الزيارة الميدانية.. الأمر الذي فسره المراقبون بأنه يهدف إلى التأكيد على وجود قنوات اتصال في انتظار المعاودة الكاملة للعلاقات الدبلوماسية.

• وفي نفس الإطار جاء عقد لقاء سوفيتي- يهودي في هلسنكي تم إيقافه بعد «۹۰» دقيقة من بدايته.. بحجة الخوف من أن يترتب على هذااللقاء أبعاد سياسية!

• ثم اجتمع وزير الخارجية السوفيتي إدوارد شيفارنادزة مع رئيس وزراء العدو إسحاق شامير نيويورك.

الأمريكان واليهود السوفيت.. تطابق التصور:

كذلك فإن التغير الواضح في موقف الاتحاد السوفيتي من قضية الشرق الأوسط والذي كانت محط اهتمام المراقبين والمحللين السياسيين في الآونة الأخيرة يمكن تفسيره ضمن المعطيات السابقة.. فقد درج الاتحاد السوفيتي في الأعوام الماضية القول بأن عودته عن قرار قطع علاقاته الدبلوماسية مع الكيان الصهيوني مرهونة بزوال الأسباب التى أدت إلى اتخاذه -أي الانسحاب «الإسرائيلي»- كل الأراضي التي احتلتها عام ١٩٦٧. وبعد ذلك ألمحت موسكو إلى استعدادها لاستئناف العلاقة مع الكيان الصهيوني إبان عملية السلام نفسها، وحين يتأكد استعداد «إسرائيل» للانسحاب.. انتقلت موسكو بعد ذلك للحديث عن أن إعادة العلاقات مرهونة بموافقة «إسرائيل» المبدئية على عقد المؤتمر الدولي للسلام.

أما بالنسبة للمؤتمر الدولي فقد اتخذت موسكو في البداية موقفًا متشددًا بحيث يكون للمحتل صلاحيات تقريرية في حل الخلافات بين أطراف الصراع، وكانت تصر كذلك على ضرورة مشاركة منظمة التحرير الفلسطينية لتمثيل الشعب الفلسطيني في المؤتمر.

لكن هذا الموقف أصبح أكثر مرونة الآن بحيث تعد موسكو متمسكة بأن يكون للمؤتمر صلاحيات كاملة.. واقتربت وتطابقت بذلك من التوجه الأمريكي اليهودي بأن يكون المؤتمر مجرد ليست له سلطة فرض الحلول.. وكذا بالنسبة لموضوع التمثيل الفلسطيني.. وهذا ما يفسر قول الزعيم السوفيتي أن موضوع التمثيل أمر متروك الاتفاق عليه إلى العرب.. وكأنه يشير هنا إلى أن موسكو ستقبل بما يقبل به العرب أي بصيغة الوفد العربي المشترك أو أية صيغة توافق عليها منظمة التحرير ولو كانت صيغة وفد أردني- فلسطيني.

صفقة كبرى:

وهذه التطورات في طبيعة التعامل السوفيتي مع القضية الفلسطينية والعلاقة مع الكيان اليهودي في فلسطين المحتلة تعتبر تمهيدًا لصفقة كبرى بين الجانبين يقوم بمقتضاها السوفيت برفع القيود التي فرضوها على هجرة اليهود ويتعهدوا بإعادة العلاقات الدبلوماسية مع الكيان اليهودي مقابل أن يقبل هذا الأخير بمشاركة الاتحاد السوفيتي في المؤتمر الدولي وأخذ دوره في التسوية السلمية لقضية الشرق الأوسط! ويبدو أن الرد السوفيتي على الشروط اليهودية هو الإيجاب والموافقة في ظل سياسة الانفتاح الخارجي التي اعتمدها غورباتشوف، وفي ظل التقارب مع الولايات المتحدة والتفاهم على تبريد البؤر المشتعلة في العالم.

تحول حسب المصلحة:

والاتحاد السوفيتي الذي كان ثاني دولة في العالم تعترف بالكيان اليهودي في مايو «آيار» ١٩٤٨، وشارك مع دول شرق أوربا في نقل اليهود المدربين على حرب العصابات إلى ميناء حيفا وتزويد العصابات اليهودية بالأسلحة بعد الهدنة الأولى الأمر الذي دفع باتجاه اختلال التوازن العسكري لصالح العصابات اليهودية.. عدل موقفه -الرسمي طبعًا- من الكيان اليهودي بعد عملية حسابات دقيقة لمصالحه في المنطقة وفوائد ارتباطاته بهذه الدولة أو تلك وصل من خلالها إلى نتيجة مؤداها أن صداقة بعض الأطراف العربية ستفتح أمامه موانئ المياه الدافئة التي كانت من أهم الأهداف الخارجية الروسية منذ عهد القياصرة، فضلًا عن الإفادة من النقاط الاستراتيجية في الوطن العربي.

وكانت بداية التحول مع صفقة الأسلحة التشيكية لمصر في سبتمبر ١٩٥٥.. وبعد ذلك بدأ السوفيت تثبیت نفوذهم في المنطقة عن طريق صفقات الأسلحة والخبرات الفنية والقروض.. ووصلت العلاقات إلى حد القطيعة مع الكيان اليهودي في العام ١٩٦٧ عندما أحس الاتحاد السوفيتي بخطورة هزيمة أهم دولتين مرتبطتين به في المنطقة «مصر- سوريا» الأمر الذي يهدد مصالحه وموطئ ندمه.. الأمر الذي دفعه إلى قطع علاقاته الدبلوماسية مع الكيان اليهودي.

حسابات جديدة:

ولكن يبدو أن حسابات الاتحاد السوفيتي الجديدة وإعادة تقييمه لعلاقاته في المنطقة وفوائدها ومردوداتها أوصلته إلى نتائج مغايرة وجديدة هذه المرة أيضًا.. فالاتحاد السوفيتي كالولايات المتحدة قوة عالمية لها «مصالحها» التي لا تنحصر في جزء معين من العالم.. وهو أينما كانت مصالحه اتجهت سياساته.. والمصلحة السوفيتية «الآن» تقتضي أن يكون لموسكو دورها الفاعل والمؤثر في عملية التسوية في المنطقة العربية.. وتقتضي لذلك كسر حالة التفرد الأمريكي طوال أكثر من عشر سنوات بالمنطقة.. من أجل عمل الاتحاد السوفيتي على إزالة العوائق أمام مشاركته في تسوية المنطقة حتى لا يظل في الظل بعيدًا عن التأثير على مجريات الأمور في هذه المنطقة الحيوية.. وفي هذا السياق يمكن فهم ضغوطات الاتحاد السوفيتي «الصديق» على (م. ت. ف) من أجل تليين موقفها من عملية السلام ومطالبته لها بالاعتراف بالكيان اليهودي وقبول قراري مجلس الأمن رقم ٢٤٢ و٣٣٨.

ولهذا فإن عودة العلاقات السوفيتية- اليهودية أضحت مصلحة مشتركة ومطلبًا ملحًّا للطرفين.. فاليهود يريدون أن يقفزوا على الموقف السوفيتي السلبي تجاههم الذي يوصد في وجوههم كذلك التعامل مع عدد لا بأس به من دول الكتلة الشرقية.. الأمر الذي يمكن أن يسهم كذلك في تهيئة الظروف لعلاقات مع بعض الأطراف العربية التي تسير في الفلك السوفيتي.. وما يمكن أن يؤديه ذلك من إضعاف موقف (م. ت. ف) التي اعتبرت السوفيت دائمًا حليفًا استراتيجيًّا مهمًا... ثم إن ذلك يفتح المجال على أوسع أبوابه لموجات الهجرة اليهودية من الاتحاد السوفيتي الذي يعتبر ثاني أكبر تجمع لليهود في العالم بعد الولايات المتحدة.. حيث يتواجد به مليونان من اليهود، في حين يوجد في الولايات المتحدة «٦» ملايين يهودي.. وهو مطلب سوفيتي أيضًا كما بينا سابقًا.

الإسلام عدوهم المشترك:

ونحن إذ نسلط الأضواء على هذه الاتصالات وطبيعتها وأبعادها وما يمكن أن تتحول إليه، فإنما نفعل ذلك من باب معرفة العدو من الصديق واستبانة سبيل المجرمين.. ولا نحزن أو نعتب على عودة العلاقات السوفيتية مع الكيان اليهودي المحتل أو قطعها.. فالسوفيت كانوا دائمًا ينطلقون في بناء علاقاتهم مع الأطراف الفلسطينية أو العربية من مصالحهم هم وليس من مصالح المنظمة أو الأنظمة، وهم لم يكونوا يومًا ما ملتزمين بحلفائهم العرب والفلسطينيين كالتزام الإدارة الأمريكية بحليفها اليهودي في المنطقة.. ثم إننا ننطلق في منظورنا الإسلامي من أن «الكفر ملة واحدة».. والكيان اليهودي كما الاتحاد السوفيتي يعتبرون أن الإسلام عدوهم المشترك.. وقد نقلت صحيفة «ريبوبليكا» الإيطالية أنباء ندوة عقدت في القدس في معهد «فان لير الصهيوني» تحت عنوان «الاتحاد السوفيتي وغورباتشوف وإسرائيل واليهود» نسبت فيها إلى مدیر وزارة الخارجية السابق أفنيري القول: «إن الإسلام عدو مشترك لإسرائيل والاتحاد السوفيتي، ولأول مرة في تاريخ الاتحاد السوفيتي وإسرائيل يجدان معًا عدوًّا مشتركًا هو الأصولية الإسلامية، وهذا قد يتحول إلى نقطة حاسمة بين البلدين».

ملكيين أكثر من الملك:

وأخيرًا فإننا لا نطلب من السوفيت أن يكونوا ملكيين أكثر من الملك، وأن يلتزموا بالحق الفلسطيني والعربي، وألا يتنازلوا أو يلينوا.. في حين أن أصحاب الحق يسيرون في هذا الاتجاه ويبدون باستمرار رغبتهم في التنازل وبالسلام والتعايش مع الكيان اليهودي وإنشاء علاقات طبيعية معه.. فبأي حق بعد ذلك نطالب السوفيت بمواقف أكثر تشددًا ووطنية؟!

الرابط المختصر :