العنوان الاتفاقات في الساحة العربية ما مغزاها؟
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 26-أبريل-1983
مشاهدات 94
نشر في العدد 618
نشر في الصفحة 21
الثلاثاء 26-أبريل-1983
·
الخطر الإسلامي هو الخطر الحقيقي وفقًا للسائد
والمراد الآن في المنطقة!
كثرت «الاتفاقيات» في
الساحة العربية في الفترة الأخيرة، وانتظمت كثيرًا من دول المنطقة حتى لا تكاد تجد
اليوم دولة عربية منفردة وحدها في الساحة خلا لبنان وهي الاستثناء الذي يثبت
القاعدة! ولا نود أن نخوض في التصنيف الاصطلاحي لهذه الاتفاقيات بأنها ظاهرة
وأنها تستحق الدراسة والتأمل، وما إليه من هذه الكلمات التي ملها الكاتب والقارئ،
على أننا نجد أنفسنا ملزمين بإبداء ملاحظاتنا حول هذه الاتفاقيات محاولين التعرف
على الخيوط التي تربطها والملابسات الكثيرة التي أحاطت بها؛ إذ إن ذلك مما لا يمكن
تجاهله حين العرض، فلا شك أن لحظات الميلاد لا تأتي عفوًا وإنما تسبقها ظروف تخلق
وتكون حتى يكتمل المولود ويؤذن بخروجه.
آخر العنقود:
يوم
السبت التاسع عشر من مارس 1983م، تم توقيع اتفاقية بين تونس والجزائر سميت
باتفاقية «التآخي والتضامن» -مرة واحدة- وليس المثير أن تتم اتفاقية أو
اتفاقيات بين تونس والجزائر أو غيرهما من بلاد العالم الإسلامي، ولو أننا أرجعنا
البصر في المسألة لوجدنا أن منطق «الاتفاقيات» هذا غريب على حقيقة الأمة
المسلمة ومصادر تكوينها بحسبان والوحدة المطلقة هي الأصل، وإنما تكون مثل هذه
الاتفاقيات بين الأطراف الغريبة على بعضها أو هذا هو منطق الإسلام.
ولكن
وبحكم كثير من العوامل التاريخية والفكرية والنفسية وجدت الأمة الإسلامية نفسها
قطعًا متناثرة وشراذم يقاتل بعضها بعضًا بعد أن أذهلت عن حقيقتها وأصولها ومنابع
تكوينها، وذابت في كيان المدارس الفكرية الاستعمارية ونقلت معارك المجتمع الغربي
إلى داخل حصونها لتضيفها إلى ما لديها من معارك الفقر والجهل والمرض وما إليه.
ونتج
عن ذلك تبدل البناء الأصلي ومثول الصور التجسيدية للمفاهيم الوطنية والإقليمية
المتهافتة، والتي نتجت عبر مسيرة تاريخية خاصة للمجتمع الغربي وفي ظروف مغايرة
تمامًا لما عليه الحال في عالمنا الإسلامي هذا.
على
أن التفريغ الذي أصاب جسد الأمة الإيماني ومن ثم الثقافي والفكري جعل نفرًا من
أبنائها ينادي بذلك ويتبناه حتى صارت الإقليمية هي الأصل والأساس ودعوات الوحدة هي
الشذوذ!
وبلاد المغرب:
أما تلك المنطقة الجغرافية والتي تكون الجناح
الغربي للعالم الإسلامي والمتكونة من دول الشمال وما وراءها، فإن الناظر إليها يجد
أن جغرافيتها وتاريخها -من حيث المعاناة خاصة- شيء مشترك إن لم يكن
مماثلًا تمامًا لبعضه في السمات والتفاصيل، ومع أنها كانت وحدات سياسية منفصلة إلا
أن هذا الانفصال كان إطارًا شكليًا فقط أما أمور السدود والحدود هذه والجنسيات
والتصنيفات العرقية وغير العرقية فلم تكن هي المقياس والفيصل كما هو الحال الآن،
وإن وجدت فهي عاهات دخيلة وأعراض طارئة وليست أساسًا أو أصلًا يبنى عليه وتتفرع
الأشياء عنه.
ولكن
الداء العضال الذي تخلل الجسد المسلم وصل حدًا جعل تونس تستظهر بفرنسا في أحداث
قفصه (يناير 1980م) لصد الهجوم الذي أتاها من معارض نظامها والذي
انطلق من ليبيا ليعبر الجزائر مغيرًا على قفصه!
أي
إن البعض يحس باقتراب قاهر ومستعبد الأمس إلى نفسه ويأنس بالاقتراب منه بل
الاستنجاد به أكثر من شقيقه وأخيه!!
وصار
الشمال الإفريقي مثالًا مجسدًا ومسرحًا عاكسًا لكل التيارات التي يعوج بها العالم
الغربي سياسية وفكرية وفنية وغيرها، فضلًا عن الإفرازات الداخلية الناتجة من
العوامل الموجودة أصلًا في البيئة والتي تفاعلت مع العوامل الجديدة لتبرز دعوات
مناهضة للأصول السائدة نابذة لرباط الإسلام والعروبة تريد أن تقفل راجعة مئات
السنين بل ألوفها تبحث عن أصل عرقي أو عنصري أو لهجة محصورة تزعمها أصلًا قام عليه
نوع الإنسان!
إن
الشمال الإفريقي يصور وبدقة أشكال الصراع والإفرازات التي أفرزها القهر الغربي
الصليبي للمنطقة وضحاياه الكثر الذي تعج بهم ساحاته اليوم.
إلى الاتفاقيات:
أحببنا
أن نسهب فيما سبق حتى نضع هذه الاتفاقيات في الموضع الذي ينبغي أن توضع فيه، وحتى
لا نسيء فهمها ولا نغفل عن معانيها وأهدافها البعيدة.
وكما
قلنا إن الأصل هو الاتفاق أو قل الوحدة بين كل أجزاء الجسد المسلم، ولكن عوامل
التبديل والتغير التي اعترت كياننا وأصابت جسدنا من الداخل والخارج هي التي
أعادتنا إلى المراحل الأولى مراحل اكتشاف خصائصنا وأصولنا المشتركة وما إليه، وفي
ديباجة الاتفاقيات ذات الطابع السياسي دائمًا ما يشار إلى «العلاقات
الأزلية» والروابط المشتركة وما إليه من العبارات التي كادت تمل سامعها.
وبعيدًا
عن تلك الديباجات التي تزف فيها الاتفاقيات نود أن نعرض لهذه الاتفاقية ولغيرها من
الاتفاقيات التي تسود مناطقنا هذه الأيام.
تونس والجزائر!
وبداية
نقول إن المفاجأة التي برزت في «مسودة» الاتفاقيات في المنطقة العربية
وفي مغربه بوجه أكثر تحديدًا إنها أتت بين تونس والجزائر ومع تسليمنا بأن كل
الخلافات مفتعلة بين البلدين ومزيفة حتى في شكلها العقائدي، ولكن المنطق -إن
كان التقييم به- كان يقتضي أن تكون الاتفاقية بين المغرب وتونس مثلًا في
البداية ثم تتسع لما بعدهما إذ أن أنظمة البلدين متقاربة إلى حد بعيد، وإذا نوه
أحدهم بأن تونس جمهورية والمغرب ملكية فإننا نقول بأن ملكية النظام البورقيبي لا
ينقصها إلا الاسم من خارج، وأما في فحواها فعلها تتفوق على أي ملكية قائمة!
فهذه
خصيصة مشتركة كما ترى فضلًا عن «الهوى الغربي» المشترك وما يتخلل ذلك من
كثير من الأهداف والمرامي الأصلية والفرعية والخلاف العقائدي بين تونس والجزائر
يجعل الأخيرة تصنف الأولى في خانة «الإمبريالية» وفقًا لمصطلحات قاموسها
السياسي وليس هو بالتصنيف الشكلي التنظيري فقط ولكنه تصنيف دعمته المحاولة والسعي
لتغييره كما كان ذلك عبر حوادث قفصه والدور المعلوم للجزائر فيها، حتى إن تونس
استنجدت بفرنسا كما سبقت الإشارة!
وعليه
فإننا نتساءل كيف يتم اتفاق بين بلدين متناقضين سعى أحدهما لتغيير نظام الآخر قبل
ثلاث سنوات وقليل من الشهور؟
وكيف
سويت هذه الهوة الفاصلة بينهما وفي هذه المدة الوجيزة؟!
تذكرة لابُدَّ منها:
إننا
إذا حاولنا معالجة الموضوع في إطار تجزيئي يفصل بين وحداته المختلفة فسيخطئنا
التقدير، أي إنه لا يمكن تقييم الموضوع للاتفاقية بين تونس والجزائر وما يتلوها
إذا حصرنا نظرنا في هذا المكان فقط ومن ثم فإننا ننصح -ولا نلزم أحدًا بهذا
التصور- أن تتوجه أنظارنا إلى «بيت
المقدس» ونجعله «قبلة» في هذا التحليل، على أن نستحضر في الذهن
صورة واشنطن وتل أبيب ولو أعدت الترتيب بجعل تل أبيب مقدمة على واشنطن فإن ذلك
يعينك على فهم أعمق لما يجول الآن!
شرقهم الأوسط:
العالم
الغربي يسمي المنطقة الإسلامية بالشرق الاوسط بحسبان الموقع الجغرافي بالنسبة
إليه، والببغاء الموجود والمتكاثر يردد اللفظ دون اعتبار وليس هذا هو موضوعنا
الآن، وإنما موضوعنا أن العالم الطاغوتي الغربي ينظر لهذه المنطقة كوحدة متكاملة
ويسمي مشكلة الصراع الإسلامي اليهودي -«الإسرائيلي»- بمشكلة الشرق
الأوسط أي إنه يعترف بأنها مشكلة شاملة وليست خاصة برقعة جغرافية معينة، وهو يعلم
تمام العلم عن أصول هذا الصراع وعن التطورات المختلفة التي مر خلالها، كما أن
موقفهم معلوم حول هذه القضية فكل أطراف العالم الطاغوتي الغربي تؤيد إسرائيل وإنما
تتنوع صور هذا التأييد فيصنفه البعض اختلافًا ويبدأ الرهان على هذا الطرف أو ذلك.
الهدف الأميركي:
ثم
إن أميركا رأس ذلك الطاغوت الغربي والقوة الضاربة التأثير والمتغلغلة في البناء
الداخلي للعالم الإسلامي حتى لا تكاد تفرق في ملامحه بعض الأحيان، خاصة إذا نظرت
في السياسات المتبناة هاهنا فإنه وفي بعض المناطق تسود السياسات الأميركية بما
يعجز الأميركان أنفسهم عن صنعه إذا أمسكوا بمقاليد الأمور عندنا!
وأقرب
مثال على ذلك ضرب الحركات الإسلامية الذي ينتظم المنطقة هذه الأيام، ومنذ فترات
غير قصيرة وليس وهمًا أو خيالًا أن نقول: إن هذه المسألة هدف أميركي أساسي
وقد صرح كارتر إبان رئاسته بأن الخطر الحقيقي الذي يتهدد المصالح الأميركية في
المنطقة هو الحركات الإسلامية ووجه أجهزة استخباراته «لدراستها» وقد
نستغني جميعًا في التعرف على حقيقة هذه الدراسة ووسائلها!
ما لا تملك أميركا التفريط فيه:
إن
الولايات المتحدة الأميركية لا تفتأ تؤكد حرصها على بقاء أمن إسرائيل وتلك مسلمة
في السياسة الأميركية لا يملك أحد أن يغالط فيها.. وغني عن القول أن دور
إسرائيل في المنطقة هنا هو تأمين المصالح الغربية ورعايتها، وإسرائيل هي الحليف
الذي أثبت قابليته لأداء الدور أكثر من الحلفاء الآخرين وتجربة أميركا عبر
إيران «الشاه» للخليج ومع غيره من الأنظمة لا تجعلها تطمئن للحلفاء
القابلين للانهيار والذين تعج بلادهم بقابليات مناهضة لأهدافها وسياساتها القريبة
والبعيدة، وإسرائيل تثبت تفوقها على مدى الأيام وإذ ظهرت قوتها وفعاليتها، فقد تم
تثبيتها على مقعد الحليف الأول والأساس، وبقية الحلفاء مهمتهم تدور حول هذا الحليف
أو هي مكملة له لا سيما في هذا الظرف.
الدور الإسرائيلي:
إن
الدور الإسرائيلي يتمثل كما أسلفنا في الحفاظ على مصالح الغرب في هذه المنطقة،
وتأمين هذه المصالح لا يقف في حدود الشيء القائم، وإنما يتعداه للمحتمل أيضًا،
ولعل الإيضاح هنا لازم.
لقد
انتهت المرحلة التي كانت الكيانات الشيوعية أو الاشتراكية بعبعًا مخيفًا للمصالح
الأميركية والغربية، ولعل الأيام تثبت أن هذه الكيانات المختلفة هي نفسها كانت من
وسائل التأمين للمصالح الغربية! إذ إنها -وعلى أقل تقدير- تمد الساسة في
المنطقة، كما أنها تصعد بها دعاوى الخطر الشيوعي الموهوم والذي يدفع دفعًا للتسليم
بالوجود والسيطرة الأميركية الظاهرة والخفية.
وإن
الخطر الآخر والحقيقي هو الخطر الإسلامي، ولم تعد السياسة الغربية قانعة بأساليب
المواجهة المؤقتة والطارئة وإنما صار هدفها أن تستأصل كل صور الاحتمالات وقابليتها
وإنما يقضي على احتمال الخطر الإسلامي وقابليته بأمرين:
الأول: وهو
الضرب المباشر وصوره ليست مما يحتاج إلى تنويه.
الثاني: هو
التغريب بمسح الشخصية الثقافية للمنطقة الإسلامية وتذويب ذاتيتها حتى تكون وعلى
المدى الطويل كيانًا ذائبًا في الغرب لا يناوئ مصالحه ولا يتعرض لها بأي حال، وهذا
الدور منوط بالحكومات والمؤسسات، وليس سرًا أن بعض الأفراد المتسمين بالإسلام صار
يساهم في هذا الدور وبصور عملية مختلفة.. والشاهد معنا أن كثيرًا من صور
المسخ الثقافي والفكري مصبها الأساسي المصالح الغربية سلم الناس بذلك أم لم
يسلموا، وقس على ذلك موجات التحلل الأخلاقي السافرة هذه الأيام -ومنذ
زمان- عبر الوسائط الإعلامية، والدعوات الواضحة للانحلال وما إليه من أمور.
أمن إسرائيل:
إن
إسرائيل في الفترة الأخيرة صارت تطالب «بالتطبيع الكامل» كشرط من شروط
أمنها وسلامها، أي تمازج الحياتين في إسرائيل ودول المنطقة وفي مختلف الشؤون.. وقد
بدأت ذلك في مصر وحقق بعض النجاحات وتفرضه الآن على لبنان وإن كان لبنان ليس في
حاجة إلى تطبيع وإنما تريد إسرائيل تقنينه!
وتعلم
إسرائيل ومن وراءها من الأميركان أن تحقيق هذا لن يتم إلا في أجواء من التعتيم
التام، وأهم جانب من جوانب هذا التعتيم أن تختفي الأصوات التي لا تحمل صور
المساومة أو التنازل والتي تنادي بالاستئصال لكل جذور الداء.
تفسير من اتفاقية الإخاء والتضامن:
لقد
نصت اتفاقية الإخاء والتضامن على عدم السماح بتنظيم جماعات تضر بالأمن أو
السيادة الوطنية لإحداهما (تونس والجزائر) أو جماعات تحاول تغيير نظام
أي من الدولتين بالقوة والعنف، وهذا هو النص الظاهر، وأما تفسيره عند أصحاب الأمر
فلا حاجة بنا للتذكير بأمثلته.
والحق
إن هذا النص ليس قاصرًا على هذه الاتفاقية فكل الاتفاقيات التي انتظمت المنطقة في
السنين الأخيرة صارت تركز على الجانب الأمني للأنظمة أكثر ما تركز، ولو سقنا
مثالًا فإن اتفاقية التكامل بين مصر والسودان مثلًا تنص على التدخل المباشر إذا ما
طرأ طارئ لإحدى الدولتين، والمقصود بهذا الهدف حماية النظام في السودان، إذ
لا مجال للموازنة بين قوة مصر وقوة السودان، وقس على ذلك مختلف الاتفاقيات
الأخيرة التي صارت تعقد فإنها تركز على مسائل أمن الأنظمة هذه بصورة أساسية.
وجهان للمسألة:
أما
الوجه الأول فإن الأنظمة صارت مهتزة ومهترئة في كل أنحاء المنطقة -ما في ذلك
شك- وهي تحس بأنها معرضة للانهيار، وهذا المصير المشترك جعل للأنظمة
العقائدية -كالجزائر مثلًا- تتنازل عن «مثاليتها» المبدئية
المزعومة وتقبل التحالف مع تونس مع الفوارق الأساسية الفاصلة بين النظامين، ويتضح
هذا إذا علمنا أن الاتفاقية تنص على إمكانية إلحاق أنظمة أخرى بها والمعني بذلك هو
المغرب، ولابد أن تتأمل في جامع يجمع بين تونس والجزائر والمغرب معًا وفي هذا
الوقت بالذات!
والوجه
الآخر وجه خارجي ذو بعد داخلي وهو أن البنية الحالية لأنظمة المنطقة بالوجوه
الماثلة والمسيطرة أثبتت فائدتها للمصالح الأميركية وقابليتها لمسايرتها إلى حد
تنسى فيه نفسها وربما مصالحها الذاتية في بعض الأحيان!
وهذا
يحتم المحافظة عليها ويأتي في أول ذلك إزالة التناقضات غير العملية بين
مختلف هذه الأنظمة، وهذا ما يفسر التقاء أشكال متناقضة عبر اتفاقية معينة.
السكوت المطلوب:
أيام
الغزو الإسرائيلي الأخير للفلسطينيين في لبنان لاذت «جبهة الصمود والتصدي»
-والتي تشمل الأنظمة «الثورية» في المنطقة- بصمت غريب من نوعه، ومن
تحدث منها قال الحكماء: ليته سكت لعوار ما نطق به. وقد تساءلت الجموع الطيبة
يومها من بين الأمة عن سر هذا الصمت مع ما قامت به إسرائيل من فظاعات وبشاعات،
وإحدى دول الصمود -مثلًا- كانت شاهدة على الموقف برمته لم تفتها منه
لحظة واحدة، ومع وجود رجالها وأسلحتها وفي ذات المكان إلا أنه لم يفتح عليها بإطلاق
رصاصة واحدة.
نسوق
هذا كخلفية للرابط الجديد بين إحدى دول الصمود هذي- الجزائر- وكيف التقت
مع دولة معروفة الموقف والاتجاه من مسألة فلسطين منذ الستينيات من هذا القرن
الميلادي وربما قبله تونس.
وذلك
يعني أن الصمود -واقعيًا- تجاه الجاري من الأحداث، فمن شهد منهم
الاستئصال الفلسطيني يصمت صمت القبور، ورفيق آخر لهم يرسل برقية يوصي فيها
بالانتحار للفلسطينيين.. كل ما تملك تقديمه والآن طرف آخر من أطراف الصمود يدخل
فيما يقتضيه أن يكون صموتًا!
لا
نقول إن جبهة الصمود قد دجنت وإنما انتهى دورها المنوط بها في سابق الأيام، لقد
كان دورها دور البطل المنافح أما الآن، فدورها دور المبارك لما يتم والصامت عن
كثير مما للصمود فيه مقال!
أميركا ريغان:
إن
أميركا ريغان واضحة في سياساتها تجاه المنطقة وهي لا تبحث عن حجاب تتخفى وراءه،
كيف لا وبعض حلفائها يتجاوز حماسه حماسها وجرأته جرأتها.
إن
المتابع للإذاعة الأميركية هذه الأيام يسمع عجبًا، فحين قطع عرفات محادثاته مع
الحسين، أبدى ريغان امتعاضه الشديد وصرح بكل وضوح أنه ليس من خيار غير خياره الذي
طرحه، وقال إنه سيتصل «بكبار الحلفاء» في المنطقة لإقناع عرفات، والذي
يستمع للهجة ريغان لا يشك في أن هناك اتفاقًا تامًا بين إدارته وبين حلفائه في
شرقهم الأوسط، وأنه مطمئن تمام الاطمئنان إلى ثبات هؤلاء الحلفاء على مواقفهم وأنهم
لن يخذلوه مهما ساءت الأحوال.
إن
أميركا لا تلام فهي ذات أهداف واضحة في منطقتنا، ومن السذاجة في حقها أن تجد
سبيلًا سهلًا ومعبدًا ثم لا تسلكه، وهذا الانهيار الشامل للساحة العربية الإسلامية
يغريهم بالمزيد من التنازلات المستمرة.
عود على بدء:
إن
هذه الاتفاقيات وغيرها من المجمد والقادم تعني القضاء على أصوات الصدق والحق، وقد
تعمى أهدافها بكثير من العبارات والتنميقات وبعض الأطر الاقتصادية وما إليه، ولكن
مصبها في النهاية واحد هو ما سبق ذكره.
وإن
لم يملك الناس ردها واستئصالها فلا أقل من المحاولة للتعرف عليها وقد حاولنا في
هذا المقال على كل حال.