العنوان الاتفاق الأردني – الإسرائيلي.. التوقعات والأبعاد
الكاتب عاطف الجولاني
تاريخ النشر الثلاثاء 10-نوفمبر-1992
مشاهدات 48
نشر في العدد 1024
نشر في الصفحة 28
الثلاثاء 10-نوفمبر-1992
جميع التوقعات كانت تشير إلى أن الوفود المفاوضة في واشنطن ستحقق تقدمًا على مختلف المسارات في الجولة السابعة للمفاوضات؛ بهدف تدعيم الموقف الانتخابي للرئيس الأمريكي جورج بوش في حملته الانتخابية، وأشارت تلك التوقعات إلى حرص الإدارة الأمريكية على توقيع اتفاقات مبدئية بين الأطراف المتفاوضة؛ لتلافي مأزق فشل المفاوضات في الجولة التي انتهت قبل بدء انتخابات الرئاسة الأمريكية بأيام قليلة.
ولكن نتائج تلك الجولة كانت مخالفة لتوقعات المراقبين، حيث إن الوفود المتفاوضة لم تحقق تقدمًا في غالبية المسارات، وتمثلت مفاجأة المفاوضات بإعلان الوفدين الأردني والإسرائيلي عن توصلهما إلى «اتفاق مبدئي على جدول أعمال المفاوضات» وهو ما أثار العديد من التساؤلات حول حقيقة هذا الاتفاق وأبعاده، واختلفت التقييمات حوله بشكل كبير، حيث ذهب بعض المراقبين إلى توقع عقد اتفاقية قريبة يوقعها كل من الملك حسين ورئيس الوزراء الإسرائيلي إسحق رابين.
والمتابع للتغطية الإعلامية الأردنية والإسرائيلية للاتفاق المبدئي المعلن، يلاحظ تباينًا واضحًا في حجم التفاؤل لدى كل من الطرفين إزاء الاتفاق، فالأوساط الإسرائيلية اعتبرت أن الاتفاق المعلن بين الطرفين هو إنجاز كبير، وأن الأردن وافق على التفاوض بشأن عقد اتفاقية سلام بين الطرفين، وأنه تعهد بذلك للمرة الأولى خطيًا في جدول الأعمال.
أما الأوساط الأردنية فقد أظهرت تحفظًا إزاء الاتفاق المعلن في بداية الأمر، وعتمت وسائل الإعلام عليه باستثناء صحيفة الرأي اليومية التي نشرت نص الاتفاق يوم 29/10/92 وقد رفض المسؤولون الأردنيون التعليق علي التصريحات الإسرائيلية، وامتنع وزير الإعلام الأردني في رده على أسئلة وكالة «فرانس برس» عن التعقيب على تصريحات المسؤولين الإسرائيليين حول تعهد الأردن بشأن عقد اتفاقية سلام مع إسرائيل، مع أن الاتفاق الذي أعلن عنه قد نص على أنه «من المقدر أن المسعى الوارد سيتوج بمعاهدة سلام في نهاية المطاف«.
ومن جانبها فقد باركت الإدارة الأمريكية الاتفاق الذي تم التوصل إليه بين الوفدين الأردني والإسرائيلي، والذي ينتظر أن تكون الحكومتين الأردنية والإسرائيلية قد وافقتا عليه، وأكدت تحقيق تقدم جدي على المسار الأردني الإسرائيلي.
المحاور الرئيسية للاتفاق
تضمن الاتفاق المبدئي الأردني – الإسرائيلي ثلاثة محاور رئيسية هي:
أولاً: المحور الأمني:
حيث سيطر الموضوع الأمني على الحيز الأكبر من الاتفاق المبدئي وبدا واضحًا تصميم الجانب الإسرائيلي على إعطاء هذا المحور الأولوية الأساسية، فقد تضمن الاتفاق تعهد الطرفين بـ«الإحجام عن أعمال أو نشاطات من أي طرف، قد تؤثر عكسيًا على أمن الطرف الآخر، أو تحكم مسبقًا على النتيجة النهائية للمفاوضات، كما تضمن تعهدًا متبادلًا بعدم تهديد أي طرف للآخر بأي استخدام للقوة، والإحجام عن أي تهديدات تمس الأمن «ناتجة عن جميع أنواع الإرهاب».
وأكدت الاتفاقية على «الاتفاق المتبادل على ترتيبات أمنية وتدابير بناء الثقة الأمنية».
ثانياً: محور الحدود:
تطرق الاتفاق إلى الأراضي الأردنية التي تحتلها «إسرائيل» في ثلاثة مواقع منذ عام 1968 بشكل غامض، حيث نصت الاتفاقية على «الاتفاق على خطوط واضحة للحدود الدولية بين الأردن وإسرائيل فيما يتعلق بتعريف الحدود تحت الانتداب دون إضرار بوضع الأراضي الواقعة حاليًا تحت سيطرة الحكم العسكري الإسرائيلي».
ويذكر أن هذه الأراضي الأردنية تقدر مساحتها بحوالي (250) كيلو مترًا مربعًا، ولا يعلم كثير من الأردنيين مساحتها وموقعها.
وكما هو واضح فإن الحديث عن الأراضي الأردنية التي تحتلها إسرائيل قد جاء مبهمًا وغير واضح، ولم يتضمن اعترافًا إسرائيليًا صريحًا بالأراضي الأردنية المحتلة، وقد شكا أحد الكتاب الصحفيين الأردنيين من غموض نصوص الاتفاق، وأشار إلى أنه لم يفهم كثيرًا مما نشر في الاتفاق المعلن.
* الجانب الإسرائيلي لا يزال يحسن ويجيد لعبة المفاوضات أمام الوفود العربية |
ثالثا : التعاون الثنائي المستقبلي :
حيث نص الاتفاق على استكشاف الإمكانيات للتعاون الثنائي المستقبلي ضمن سياق إقليمي في مجالات الثروات الطبيعية (المياه، الطاقة، البيئة) والثروات البشرية (السكان، العمالة، الصحة، الحد من المخدرات) والبنية التحتية (النقل، الاتصالات) والمجالات السياحية.
الأبعاد والتوقعات
معظم المراقبين كانوا يعتقدون أن المسار الأردني - الإسرائيلي سيكون أسهل المسارات التفاوضية، نظرًا لعدم وجود عقبات كبيرة عالقة تعترض طريق هذا المسار، وقد أثار التأخر في تحقيق تقدم في هذا المسار استغراب المراقبين، والسؤال المطروح الآن هو: هل ما تم التوصل إليه بين الوفدين الأردني والإسرائيلي هو مجرد اتفاق مبدئي على جدول الأعمال بالفعل، أم أنه يتجاوز ذلك؟ وهل يُقدم الجانب الأردني على توقيع اتفاقية سلام منفردة مع إسرائيل بمعزل عن المسارات التفاوضية الأخرى؟
إن الاتفاق المبدئي الذي أعلنه الجانبان الأردني والإسرائيلي، يتجاوز كونه جدول أعمال مبدئيًا، حيث تضمن توجهات والتزامات متبادلة، وهو سيتحول بعد تحديد بعض التفصيلات تحت عناوينه الرئيسية إلى صيغة نهائية واتفاقيات، فليس من المعقول أن تكون حصيلة مفاوضات عام كامل على أسهل المسارات التفاوضية، هي مجرد اتفاق مبدئي على جدول أعمال كان يمكن التوصل إليه من خلال الجولات المكوكية لوزير الخارجية الأمريكي السابق جيمس بيكر دون الحاجة إلى إضاعة هذا الوقت الطويل.
أما بالنسبة لاتفاقية توقيع اتفاقية أردنية إسرائيلية منفردة، فإن هذا الاحتمال يبدو مستبعدًا نوعًا ما، بعد الضجة التي أثارها الجانب الفلسطيني إزاء التقدم على مسار التفاوض السوري – الإسرائيلي، والتوقعات التي أشارت إلى إمكانية توقيع اتفاقية بين الطرفين، وقد أكد المسؤولون الأردنيون بعد إعلان الاتفاق إلزام الأردن بتحقيق السلام على كافة الجبهات في محاولة لطمأنه الجانب الفلسطيني الذي أعرب عن قلقه إزاء الاتفاق.
وهكذا يبدو أن الجانب الإسرائيلي ما يزال يحسن إدارة لعبة المفاوضات مع الأطراف العربية المختلفة وبكل دهاء، فبعد عام كامل من المفاوضات والمباحثات ما يزال الجانب الإسرائيلي متمسكًا بثوابته دون تنازلات حقيقية، فهو تارة يتقدم في المفاوضات مع الفلسطينيين حين يعتقد الجميع أن الاتفاق بين الطرفين قد أصبح على الأبواب ثم ما يلبث أن ينقل جهوده التفاوضية إلى المسار السوري الإسرائيلي، ومن ثم الأردني، في محاولة لإرباك الوفود العربية وإضعاف التنسيق بينها والضغط عليها بما يدفعها إلى تقديم مزيد من التنازلات..
فهل أدركت الوفود العربية المفاوضة هذه الحقيقة؟ أم أنها لا تمتلك سوى خيار التنازل والاستمرار في المفاوضات؟