العنوان الاختطاف الجماعي.. بين الحقيقة والخيال
الكاتب حسين الدليمي
تاريخ النشر السبت 30-ديسمبر-2006
مشاهدات 77
نشر في العدد 1733
نشر في الصفحة 22
السبت 30-ديسمبر-2006
قوات الجيش ومغاوير الداخلية يسهلون مهمات ميليشيات الموت الطائفي بتواطؤ الاحتلال الأمريكي
أخطر عمليات الخطف الجماعي التي لم تعرها الحكومة أي اهتمام: اختطاف مزيفي الهلال الأحمر العراقي وعشرات التجار في سوق السنك ببغداد وأعضاء اللجنة الأولمبية ورئيسها.. واختطاف 100 من موظفي ومراجعي وزارة التعليم العالي
منذ أن ابتلي العراق بالاحتلال الهمجي البغيض، الذي شنته الولايات المتحدة الأمريكية بتحالف صهيوني عام ۲۰۰۳م.. منذ ذلك الحين ابتلي هذا البلد بعادات غريبة على مجتمعه، مما لم يعرفه من قبل.
وعلى رأسها «ظاهرة الاختطاف الجماعي» الذي كثر في السنتين الأخيرتين، بعد أن شهدت الساحة العراقية تجاذبات سياسية حادة، يبتغى منها التنافس البغيض على السلطة والحكم.. ومما يفاقم تداعيات «الاختطاف الجماعي» تورط الأحزاب السياسية المشاركة في الحكومة، خاصة تلك التي تمتلك مليشيات القتل، وأهمها الكتلة الصدرية التي يتزعمها مقتدى الصدر، والمجلس الأعلى للثورة الإسلامية الذي يتزعمه عبد العزيز الحكيم، وحزب الدعوة الذي يتزعمه إبراهيم الجعفري!
ومعلوم لدى الجميع أن هذه الأحزاب مدعومة دعمًا كاملًا من الحكومة الإيرانية، التي تتدخل تدخلًا مفضوحًا في شؤون العراق الداخلية، فهي التي تصدر قوائم الإعدام والاغتيال بحق الشرفاء والمخلصين من العلماء والمفكرين والأطباء والدعاة وأصحاب التخصصات الدقيقة وشيوخ العشائر وضباط الجيش العراقي السابق وكل من له موقف واضح تجاهها..
الملف الأسود
وأخطر تلك العمليات:
اختطاف موظفي الهلال الأحمر العراقي ببغداد: ورغم أن مؤسسة الهلال الأحمر العراقي من المؤسسات الخدمية والاجتماعية والصحية، التي تقدم خدماتها لكل أبناء المجتمع العراقي، دونما تفريق بين طائفة وأخرى، أو منطقة دون أخرى.. وهي تعمل على تقديم المعونات الغذائية والصحية وغيرها للعوائل المنكوبة والمهجرة، أو تلك التي تتعرض مناطقهم لعمليات الخراب والدمار التي تقوم بها قوات الاحتلال، فقد قام المتاجرون بدماء العراقيين من مغاوير الداخلية العراقية، وممن يستقلون سياراتهم بالهجوم على هذه المؤسسة وخطف ما يقرب من ٤٠ من موظفيها وحراسها وبعض المراجعين، في ٢٠٠٦/١٢/١٨م من مقر الهلال الأحمر بالكرادة وسط بغداد، وبعد يوم واحد أطلقوا سراح ١٧ مختطفًا منهم معظمهم من العمال والحراس وكبار السن... كما أكد الأمين العام لجمعية الهلال الأحمر مازن عبد الله سلوم فقدان (۱۹) مختطفًا آخرين لا يزال الخاطفون يحتفظون بهم... مضيفًا: أن موظفي فروع الجمعية ينتسبون إلى جميع الطوائف والأعراق، وكانت الجمعية قد أصدرت تعليماتها إلى العاملين قبل أشهر بمنع الإشارة إلى ألقاب عائلاتهم وعشائرهم؛ حتى لا يعرف انتماؤهم المذهبي.
وعلى الجانب الآخر بدا موقف حكومة المالكي أكثر عمومية إزاء تلك الحادثة، حيث علق المتحدث باسم وزارة الدفاع قائلًا: إن الوزارة استطاعت تحديد الجهات التي تقف وراء عمليات الخطف، موضحًا أنها «مجموعات بعينها، غايتها وقف الحياة والعمل في المؤسسات والدوائر العلمية والإنسانية».. هكذا تحدث المسؤول العسكري بصيغة العموم، وكأنه يجهل أو يتجاهل الفاعلين، الذين يقفون وراء هذه العملية المريبة..
استكمال مهمة الاحتلال
وبقراءة تلك المواقف وردود الأفعال يتداعى أمران أساسيان:
أولهما: سكوت الحكومة العجيب تجاه هذه العمليات القذرة، في الوقت الذي نجدها تقيم الدنيا ولا تقعدها مقـابل عمليات أقل منها بكثير.
ثانيهما: السبب الذي يخطف بسببه موظفون يعملون في مؤسسة إنسانية.. وكأن المختطفين يريدون تعطيل حتى حياة الضرورة في بلد أثخن أهله بالجراح بسبب أفعال قوات الاحتلال والحكومة.
وفعلًا حدث هذا: فقد اضطرت الجمعية إلى إيقاف نشاطاتها وتعليق أعمالها: استنكارًا لما تعرض له منتسبوها...
اختطاف عشرات التجار في سوق السنك ببغداد: أما التجار والمستهلكون فنصيبهم عند عصابات الخطف والاغتيال كبير، فقبل أيام قام ما يقرب من ١٠٠ مسلح -يرتدون زي مغاوير الداخلية- يخطف نحو 50 شخصًا من منطقة السنك التجارية.
وأكد شهود عيان أن نحو ۱۰۰ مسلح يستقلون ۲۰ سيارة تابعة لقوات الأمن، ترافقها سيارات إسعاف حاصرت السوق، قائلين: «لدينا مهمة هنا»، وقاموا بعدها بخطف الناس بشكل عشوائي.. رغم أن الشرطة العراقية كانت قريبة من موقع الحادث، ولم تتدخل كالعادة!
اختطاف موظفي ومراجعي وزارة التعليم العالي:
ويقول المراقبون: إن هذه العملية هي أكبر عملية اختطاف منذ أن احتلت القوات الأمريكية العراق عام ٢٠٠٣م، وهي عملية مكشوفة تعد حلقة جديدة في مسلسل التصفية المذهبية، شاركت فيها مليشيات المهدي بالتعاون مع قوات الأمن الحكومية..
ففي الساعة العاشرة من صباح الثلاثاء ٢٠٠٦/١١/١٤م دخلت إلى منطقة الكرادة ببغداد ما يقرب من ٥٠ سيارة من نوعي «مونيكا» و«لاندروفر» توجهت بمن فيها إلى «دائرة البعثات العلمية» التابعة لوزارة التعليم العالي والبحث العلمي.. وخطفوا ما يزيد على (۱۰۰) موظف ومراجع أغلبهم من أهل السنة، بعد أن عزلوا النساء عن الرجال، واستولوا على كافة أجهزة الهاتف النقال، لتتجه هذه السيارات فيما بعد صوب «شارع فلسطين» الذي ينتهي إلى جسر القناة حيث منطقة «الصدر» أو مدينة «الثورة المنورة» معقل جيش المهدي!
وقال أحد المختطفين المفرج عنهم: «إن الخاطفين كانوا من جيش المهدي؛ لأن أحدهم خاطبني عندما تأكد من كوني شيعي بقوله: نحن جيش الإمام المهدي لا نؤذي شيعة أهل البيت، فنحن نحميكم، أما النواصب.. فهذا قليل بحقهم».
ولعل توقيت وسهولة تنفيذ عمليات الخطف التي تتم في وضح النهار وسط انتشار مغاوير الداخلية، وجنود الاحتلال يشير بوضوح إلى الجهات التي تقف وراء تلك العمليات القذرة.. في إطار عمليات التصفية القذرة ضد أهل السنة، الذين يواجهون بسيل من الأوصاف التحريضية المشينة بصورة يومية، مثل: «الصداميون و«البعثيون» و«النواصب» و«التكفيريون» و«الإرهابيون»...
هذا في الوقت الذي أشارت فيه مصادر مطلعة بأن يوم حادثة الاختطاف كان مخصص لمراجعة مدرسي وموظفي محافظات «الأنبار» و«صلاح الدين» و«الموصل» وكلها محافظات سنية، وكانت كل من روسيا وفرنسا والصين قد أعلنت عن استقبال بعثات دراسية للكوادر العلمية العراقية.
اختطاف أعضاء اللجنة الأولمبية ورئيسها: وفي الكرادة ببغداد وبالقرب من دائرة البعثات التابعة لوزارة التعليم العالي.. اقتحم ما يزيد على ٥٠ مسلحًا يرتدون ملابس عسكرية «المركز الثقافي النفطي» مؤخرًا وطلب المسلحون من الحاضرين في القاعة الجلوس على الأرض والتزام أماكنهم، ثم قاموا بتقييد أيدي رئيس اللجنة الأولمبية العراقية «أحمد الحجية» وهو سني من سامراء، والأمين العام وبعض المسؤولين... واختطاف ما يزيد على ٣٠ شخصًا في هذه المسرحية الغادرة.. ثم تكتمل الملهاة بتصريح وزير الداخلية «البولاني» بأن وزارته لم تصدر أي أمر باعتقال رئيس اللجنة الأولمبية، مؤكدًا أن ما حصل هو حادث اختطاف نفذته جهة مجهولة! هذه «الجهة المجهولة» هي الشماعة التي لا تفتأ أن تعلق عليها الحكومة كل أعمال الخطف والدمار وحرق المساجد والقتل والتهجير لأبناء السنة خاصة!! فهل صحيح أنها «مجهولة»؟!
اختطاف موظفي شركة الراوي التجارية ببغداد: وقصة هذه الحلقة من مسلسل الاختطاف تتجه صوب منطقة «العرصات» ببغداد لتطال موظفي «شركة الراوي للهواتف النقالة»، حيث قام عدد كبير من المسلحين الذين يرتدون زي مغاوير الشرطة العراقية كانوا يستقلون ١٥ آلية من طراز «GMC» أمريكية الصنع مطلية باللون العسكري، اقتحموا الشركة، واختطفوا ٢٥ موظفًا واقتادوهم إلى جهة مجهولة..
ولم يكتف المختطفون بتلك الغنيمة، بل اقتحموا مقر «غرفة التجارة والصناعة العراقية الأمريكية» القريبة من شركة الراوي ليضيفوا ۱۲ مختطفًا، آخرين إلى العدد السابق.. إلا أنهم أطلقوا سراح موظفي غرفة التجارة والصناعة، وأبقوا على موظفي «شركة الراوي»، وحتى الآن لم تعرف أماكن جثثهم..
كل هذه الأمثلة وغيرها كثير من عمليات الخطف، كتلك التي وقعت في الصالحية في مكاتب السفر، أو تلك التي طالت عشرات الموظفين في شركة النصر في منطقة التاجي شمال بغداد! كل ذلك يدعو إلى طرح سؤال مهم جدًا: أين الحكومة مما يحدث؟!
فالخطف بمجرده لفرد من أفراد المجتمع يعد خطوة خطيرة، أما أن يحصل وسط عاصمة يبلغ عدد رجال الأمن والشرطة والجيش فيها ما يربو على ١٠٠ ألف فرد، فالمسألة مخيفة للغاية! ولأن المنطقة محاطة بالأجهزة الأمنية، فالقضية تحتاج إلى أكثر من وقفة، ولأن المستهدفين من العلماء وأساتذة الجامعات والأطباء والموظفين والفقراء والمساكين فلا بد من مراجعة حقيقة لما يجري..
كما أن عدم تدخل الحكومة في أغلب عمليات الخطف يضع أمام مصداقيتها المزيد من علامات استفهام وتعجب!!
فهي إما أن تعرف هؤلاء وتتستر عليهم، وعليها عندئذ أن تتنحى عن كراسيها وتعلن هزيمتها أمام هذه القوى الطاغية، أو أنها تكون متواطئة معهم، وتكون شريكة لتدمير العراق وأهله.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل