العنوان الاختفاء القسري لسياسيين يمنيين..والدور الاستخباراتي
الكاتب عبده عايش
تاريخ النشر الجمعة 11-يونيو-2004
مشاهدات 82
نشر في العدد 1604
نشر في الصفحة 36
الجمعة 11-يونيو-2004
رسالة من رجل الأعمال اليمني «الحيلة» تكشف أبعاد التواط الاستخباراتي المصري اليمني الأمريكي
منذ أحداث 11 سبتمبر، وما أعقبها من تداعيات ضد العرب والمسلمين، كان لليمنيين نصيب وافر من حملة الإدارة الأمريكية ضد ما يسمى بـ «الإرهاب»، ولعبت الأجهزة الأمنية والمخابراتية دورًا رئيسًا في مطاردة واعتقال وقتل يمنيين يشتبه في صلتهم بتنظيم القاعدة وعلاقاتهم بعمليات تفجيرية ضد مصالح أمريكية وأجنبية على الأراضي اليمنية. وخلال الأعوام الأخيرة لعبت المخابرات الأمريكية.بالتعاون مع نظيراتها اليمنية والعربية. دورًا مهمًا في حملة تعقب واعتقال يمنيين. ومنهم الشيخ محمد المؤيد عضو مجلس شوری حزب الإصلاح الإسلامي الذي اعتقل في فرانكفورت الألمانية في يناير ٢٠٠٢م، وسلمته سلطانها ومرافقه «زايد» إلى السلطات الأمريكية في نوفمبر من العام نفسه. ولا يزال في أحد سجون نيويورك حتى الآن، فيما تقوم محكمة أمريكية في بروكلين بمحاكمته،وقد فشلت الإدارة الأمريكية حتى الآن في تقديم أي دليل على اتهامها له بدعم الإرهاب.
وفي السياق نفسه كان سياسيان آخران، أحدهما ينتمي إلى حزب المؤتمر الشعبي الحاكم هو عبد السلام الحيلة، والآخر أحمد سالم عبيد من الحزب الاشتراكي، قد اختفيا من شوارع القاهرة، في وقت أشارت المصادر كافة إلى ضلوع المخابرات الأمريكية والمصرية في عملية اختفائهما.
من القاهرة إلى أفغانستان
شكل اكتشاف مكان رجل الأعمال اليمني وضابط الاستخبارات السابق عبد السلام الحيلة الذي اختطف في سبتمبر ٢٠٠٢ من العاصمة المصرية القاهرة ضربة لجهود التعتيم الرسمية حول مصيره، حيث لم تتوقف أصوات الصحافة اليمنية عن إثارة قضيته والاستفهام عن مصيره وعما إذا كان ثمة تواطؤ يمني مع المخابرات المصرية والأمريكية، أو أن صنعاء لا تريد إثارة الموضوع بقوة، خوفًا من تداعي العلاقات اليمنية المصرية في الوقت الراهن.
ويبدو أن «الرسالة الاكتشاف» التي بعث بها الحيلة من سجنه الانفرادي في العاصمة الأفغانية كابول كانت دليلًا واضحًا على صدق تكهنات الصحافة اليمنية. فالحيلة في رسالته التي بعث بها إلى السفير اليمني في باكستان بتاريخ ١٢ يناير الماضي يؤكد أنه اختطف من مصر بعد سفره إليها في مهمة عمل ليتم نقله إلى أفغانستان حيث لم يعرف أنه نقل إليها إلا بعد أربعة أشهر، ويكشف أيضًا أن الأمريكيين كانوا يريدون منه معلومات، وحين اكتشفوا أنه لن يفصح عن شيء وضع في زنزانة انفرادية.
وأفاد المخطوف اليمني-نقلًا عن يمني آخر في زنزانة مجاورة واسمه أمين اليافعي أنت به القوات الأمريكية من تايلاند-أن ثمة سبعة مواطنين عرب تم نقلهم من دول أخرى إلى افغانستان.
الاختفاء والاعتقال
يذكر أن أزمة استخباراتية نشبت بين صنعاء والقاهرة منذ منتصف أكتوبر ٢٠٠٢ أدت إلى فتور في العلاقات الثنائية وزادت من هوة عدم الثقة بين البلدين عقب اعتقال المخابرات المصرية للحيلة. وتسليمه إلى أمريكا التي كانت قد طلبته رسميًا من اليمن في يونيو ۲۰۰۲ للقبض عليه بتهمة علاقته بتنظيم القاعدة وعلمه المسبق بهجمات سبتمبر.
حينها التزمت صنعاء بردها المتمثل بأن الحيلة رجل أعمال يملك جواز سفر دبلوماسيًا وكان قد غادر اليمن قبل ١١ سبتمبر وأنها لا تملك أي معلومات عن مكانه، إلا أن القاهرة كانت قد نقلت لواشنطن معلومات تفيد أنه على علاقة وثيقة بالقاعدة ولديه معلومات كثيرة عن الإسلاميين وخاصة المجاهدين السابقين في أفغانستان.
وادعت الاستخبارات الأمريكية أن السلطات الإيطالية سجلت له في أغسطس ۲۰۰۰ مكالمات هاتفية تشير بوضوح إلى مخطط اختطاف طائرات ووردت فيها إشارات إلى «مطار» و «طائرات» و «هجمات ستصبح حدثًا تاريخيًا»وهو ما اعتبرته علمًا مسبقًا بأحداث سبتمبر. وشاركت المخابرات المصرية بالتنسيق مع نظيرتها الأمريكية وبعض العملاء اليمنيين في عملية اعتقاله، وأكدت مصادر مطلعة اتصال اثنين من موظفي شركة «المقاولون العرب، في صنعاء بـ «عبد السلام» وإيهامه بضرورة سفره إلى القاهرة لإتمام صفقة تجارية، وكإجراء احترازي التقى السفير المصري في صنعاء (د. الكومي حينئذ) الذي أكد له عدم وجود أي خطر. ويبدو أن «الحيلة»، انطلت عليه «الحيلة» ووقع في شباك رجال المخابرات، وسلم إلى المخابرات الأمريكية اعتباره، صيدًا ثمينًا، ورأسًا، يحوي الكثير من المعلومات.
وتضاربت المعلومات وقتئذ حول مكان وجوده، فالسلطات المصرية أكدت أنه غادرها إلى آذربيجان، فيما المصادر اليمنية قالت إنه سلم للأمريكيين الذين قاموا بنقله إلى قاعدة أمريكية في تركيا، ومن هناك إلى قاعدة جوانتانامو حيث يعتقل مئات من أسرى طالبان والقاعدة. وتردد تسريبات مخابراتية أن الحيلة قام بتوفير وثائق سفر بمنية مزورة وتذاكر طيران الإسلاميين غادروا اليمن إلى بلدان أوروبية وخصوصًا سويسرا.
كما تدعي أن أخًا له يدعي نبيل، اعتقل في عام ۱۹٩٨م بالبلقان بسبب نشاط له وصف بـ «الإرهابي» خلال عام ۱۹۹۷ في مدينة موستار الكرواتية، وقد أفرج عنه العام الماضي.
ويبدو أن القمة التي جمعت الرئيسين اليمني والمصري بداية العام الجاري لم تفلح في فك طلاسم وسر اختفاء الحيلة بالرغم من توقيع البلدين على اتفاقيات أمنية مشتركة.
لكن الأقدار شاءت أن تفضح سر اختفاء الحيلة على لسانه وبقلمه وأن تصل المعلومات إلى حالة التأكيد بأن المخابرات المصرية والأمريكية وراء اختطافه واعتقاله.
ويتكرر السيناريو
وبرغم انقشاع غيوم الشك وانحسار سحب القلق حول الاختفاء الغامض للسياسي اليمني الاشتراكي الوزير السابق العميد أحمد سالم عبيد من أحد شوارع القاهرة، حيث كان يقيم نازحًا ىثم ظهوره المفاجئ في صنعاء سالمًا معافى، وتأكيده أن الطبيب كان يزوره مرتين يوميًا في السجن، إلا أن قصة اختفائه مازالت تثير استفهامات كثيرة حول حقيقة أربعة أشهر من الاختفاء.
أصابع المخابرات
القصة بدأت فصولها المثيرة في ١٨ فبراير الماضي عندما تلقى شقيق العميد عبيد اتصالًا هاتفيًا منه يخبره فيه أنه لن يستطيع الرجوع إلى منزله في القاهرة، نظرًا لظروف تحول دون ذلك ولم يبد أي أسباب أخرى. وقد طلب شقيقه رقم الهاتف الذي يتحدث منه. لكن لم يجبه وأنهى المكالمة دون أي تفصيلات أخرى.
قبل ذلك تكشف زوجته أم أوسان أن شخصين تعتقد أنهما من المخابرات المصرية زارا شقة عبيد قبيل فترة وجيزة من اختفائه، وعرفا نفسيهما بأنهما من التعداد السكاني أو البحث الاجتماعي وأظهرا وثائق تثبت صحة قولهما. وقالت إنها وزوجها عبيد جلسا مع الرجلين الذين طلبا معلومات مفصلة حول الأسرة في مصر واليمن، وطلبا جوازات السفر ووجها العديد من الأسئلة وجمعا معلومات كثيرة بصورة مريبة، مشيرة إلى أن الرجلين لم يقوما بزيارة أي من الشقق المجاورة في العمارة التي يسكنانها.
وتغيب عبيد أكثر من ثلاثة أيام دون أن يعرف أحد عنه شيئًا، بعدها تلقى شقيقه اتصالًا هاتفيًا آخر منه. أخبره فيه أنه لدى الأجهزة الأمنية، وطلب أحمد عبيد من شقيقه أن يملي عليه أسماء الأدوية التي يتعاطاها، حيث كان مريضًا بالضغط، والسكري، والجلوكوما، وبعد انتهاء المكالمة انقطعت أخبار العميد عبيد نهائيًا. وهو ما دفع شقيقه وابنته إلى إبلاغ السلطات.
المصرية وتحرير محضر بواقعة الاختفاء بقسم شرطة الدقي في ٢١ فبراير ٢٠٠٤م. وقاما بإبلاغ السفارة اليمنية بالقاهرة، ولكن لم يحصلا على أي معلومات من شأنها استجلاء مصير العميد عبيد.
مناشدات بلا فائدة
الاشتراكي «عبيد» اختفى في أحد شوارع القاهرة وظهر فجأة في صنعاء بعد أربعة شهور كيف ولماذا؟
تصاعدت وتيرة الاهتمام السياسي بقضية اختفاء عبيد حيث بدأت لجنة الحقوق والحريات في البرلمان اليمني التحقيق في القضية بعدما تسلمت وثائقها من عائلته في اليمن، التي طالبت يكشف غموض واقعة اختفائه. ومن جانبها رفعت جمعية حقوق الإنسان لمساعدة السجناء في مصر دعوى قضائية ضد وزارة الداخلية المصرية والسفارة اليمنية بالقاهرة للكشف عن مصير عبيد.
وقالت الجمعية إن مصر واليمن مسؤولتان عن حمايته وأن الحكومة المصرية بموجب القانون والدستور مسؤولة عما يتعرض له الأجانب على أرضها وأن عدم الكشف عن مصيره يعني تقصيرها في حماية المقيمين فيها،مشيرة إلى أن السفارة اليمنية في القاهرة مسؤولة عن رعاياها خارج اليمن وما قد يتعرضون له من أخطار أو محن،من شأنها أن تحط من كرامتهم وفقًا للمعايير الدولية والإنسانية. ويبدو أن تصاعد وتيرة الاهتمام بمصير عبيد من قبل البرلمان اليمني وأحزاب المعارضة ومنظمات المجتمع المدني. لم يجد أذنًا صاغية من قبل الحكومتين المصرية واليمنية، حتى ظن البعض أن اهتمام الجميع بمصير عبيد. كصراخ في كهف مهجور.
الظهور المفاجئ في صنعاء
وبعد أن خيم اليأس على أسرة العميد المختفي، وحل الإحباط على المعارضة اليمنية ومنظمات حقوق الإنسان، تفجرت في ١٥ مايو الماضي مفاجأة من الطراز الغريب، إذ قالت مصادر أمنية إن عبيد موجود في صنعاء. وقد أفرج عنه، دون إعطاء مزيد من التفاصيل.
وجاء الإعلان عن وجوده في صنعاء، متوجًا بمزيد من علامات الاستغراب والتساؤلات الكثيرة التي لم تتوافر لها إجابات واضحة، فهو موجود في صنعاء. ولكن كيف اختفى من القاهرة في ١٨ فبراير الماضي، وأين كان طوال ما يقرب من أربعة أشهر، وما التهم التي على أساسها اختطف. وكيف وصل إلى صنعاء؟ أسئلة تبقى بلا إجابات إلى حين.
نجل عبيد كشف للصحافة اليمنية أن أسرته تلقت يوم ١٥ مايو الماضي بصورة مفاجئة اتصالًا من والدهم المختفي، أبلغهم خلاله أنه حاليًا في صنعاء، وأنه سيزورهم في عدن في اليوم التالي. ووصل عبيد إلى أسرته يوم ١٦ مايو، وقال إنه لم يتعرض لأي متاعب أو انتهاكات خلال فترة اختطافه.
وأشار إلى أنه حظي بمعاملة طيبة وكريمة (ممن؟ لم يعط تفاصيل) وأضاف أن الطبيب المشرف على حالته كان يزوره مرتين في اليوم.
ويبدو أن ثمة اتفاقًا حصل بين عبيد وخاطفيه أو معتقليه، كان على أساسه الإفراج عنه، في مقابل عدم الإفصاح عن الجهات التي اختطفته من القاهرة، وسلمته إلى أجهزة الأمن اليمنية، وهذا ما يؤشر إليه عدم إفصاح عبيد عن حقيقة اختفائه.
إحباط وأمل
وتبقى حقيقة اختفاء السياسي اليمني لغزًا لا يزال بحاجة إلى فك طلاسمه من عبيد نفسه،لكن ثمة مراقبين وجهات حقوقية تؤكد ضلوع المخابرات المصرية واليمنية في مسلسل اختفائه الغامض،وظهوره المفاجئ.وفي هذا السياق قالت الهيئة اليمنية للدفاع عن الحقوق والحريات المعروفة اختصارًا باسم«هود» إن عبيد اختطف وأخفي قسرًا من قبل حكومة مصر التي كان يقيم فيها لاجنًا سياسيًا،وبالتواطؤ مع حكومة اليمن خاصة مع صفقات تبادل المطلوبين.
وأكدت في بيان لها أن إجراء الاختطاف كان بعيدًا عن نظر القانون والشفافية الواجبة، معتبرة أن الإخفاء القسري له يعتبر في التوصيف القانوني الدولي من الجرائم ضد الإنسانية التي لا تسقط بالتقادم.
وأشارت «هود» إلى أن من المفارقات أن يظهر عبيد بعد يومين من تصريحات وزيري الداخلية والخارجية أمام مجلس النواب اليمني بأنه لا يزال البحث جاريًا عنه.
وهكذا يحاول البعض إسدال ستارة المسرح. والانتهاء من تداعيات اختفاء عبيد بمجرد إظهاره على الساحة، لكن أطرافًا حقوقية تحاول استغلال الواقعة للانطلاق نحو تكريس وعي حقوقي يؤكد حرمة إخفاء واختطاف السياسيين ورجال المجتمع البارزين أو المغمورين، دون مساءلة قانونية، ووضع حد العمليات الانتهاكات القانونية والدستورية لحقوق المواطنين تحت أي دواع، بما فيها الأمنية.