العنوان الأخوه الأكراد قادمون
الكاتب محمد المحمود
تاريخ النشر السبت 14-ديسمبر-2002
مشاهدات 74
نشر في العدد 1531
نشر في الصفحة 30
السبت 14-ديسمبر-2002
• إذا قيل إن هناك مخططات يطرحها الأعداء لإعادة رسم خريطة المنطقة والأكراد يستغلون الظرف.. نقول إن وجود هذه المخططات يستدعي إحباطها بمنع وسائل الاحتقان وكسب الأكراد إلى جانب أشقائهم.
بعد ربع قرن أو يزيد من حكم حزب قومي عربي السورية، يقرأ العروبة قراءات متعددة إحداها القومية (العنصرية) (الشوفينية)، ممثلة ومطبقة بـالحزام العربي، وباضطهاد شامل لقطاع أصيل من المجتمع في لغته، وحقه بالتمتع بمفردات المواطنة الكاملة من جنسية وخدمات تحتية وحرية تنقل، وتعيين في وظائف الدولة العليا، وحق التعبير والاجتماع والتنظيم.. بعد هذا الردح من الزمن تأني تظاهرة مواطنين أكراد يوم ١٠/١٢/٢٠٠٢م للمطالبة بحقوق مهضومة، أمام مجلس الشعب السوري متأخرة عن زمانها.
وفي السياق السوري من الاحتقان العام تعد هذه التظاهرة فتحًا مبينًا في التحليل السياسي، فاعجب إذا شئت العجب، لأن التظاهر الشعبي غير المفروض فرضًا بالأدوات والأساليب المعروفة، غير مسموح به، بل هو في ظل المادة 4 من الدستور الحزب الحاكم قائد الدولة والمجتمع، وفي ظل شروحها الجبهة المتحالفة مع الحزب الحاكم أو المتماهية معه. وفي ظل تطبيق قانون الطوارئ مدة أربعين عامًا بعد مثل هذه المظاهرة جريمة وطنية وقانونية.
فعلام فقهاء السلطان - إذا خلوت بهم أو بأحدهم واطمأن لك - يصرحون بأن ما أصاب الإخوة المواطنين الأكراد السوريين وما يزال يصيبهم هو من باب عموم البلوى، يعنون أنهم مواطنون سوريون والسوريون كلهم، أو الرعية في الأقل أحوالها سيئة، ومن ساواك بنفسه ما ظلم في هذا المنطق أكثر من مغالطة ففضلًا عن تساوي المواطنين الأكراد ببقية المواطنين (العامة) بمكرمات الحكم الشمولي (من استلاب الحريات والكرامات والثروات، فإن لهم حصة مستقلة، بل مضاعفة من هذه الهبات.
مثلًا، بعد حرب يونيو ١٩٦٧، كان اللواء سويداني في جولة تفقدية للقطعات العسكرية على الجبهة. وبعد الكلمات، فتح المجال للاستفسارات، فقام عسكري واستأذن، وقال بصوت عال هل أنا مواطن سوري؟ فقيل له: اختصر وادخل في موضوعك. فقال والألم باد على نبرات صوته وملامح وجهه لي الشرف أنني مقاتل في جيش وطني وبلادي، ولكنني أنا وأمي وأبي وأولادي محرومون من الهوية ومن قيد النفوس ومن الجنسية ومن السفر ومن التملك، فإذا لم أكن مواطنًا سوريًا، فكيف أدعى إلى خدمة العلم وأتشرف بالمشاركة في الحرب ضد الأعداء... قالوا السبب أنني كردي، فهل هذا عدل وبالمناسبة كان السؤال الذي بعده أشد خطورة فغطى عليه قال آخر: نرجو أن تتكرموا فتذكروا لنا من هو المسؤول عن سقوط هضبة الجولان؟ وكان الجواب سيلًا من السباب والاتهام والتهديد والوعيد، واللوم على الطليان.
بمناسبة الحديث عن الستينيات أكتفي بذكر واقعتين اثنتين الأولى بعد تخرجي في جامعة دمشق، عملت مدرسًا للغة العربية في مدينة عفرين) شمال حلب أواخر عهد الانفصال وبداية عهد الثامن من آذار... هناك حيث تكون الأغلبية للإخوة الأكراد. وحيث تمارس الأجهزة الأمنية دورها (المعروف) لا سيما ضد المواطنين الأكراد، ومع ارتفاع المد القومي العربي في السلطة، وحيث ينعكس ذلك يوميًا شقاقات وصراعات بين المواطنين والطلاب في المرحلتين الإعدادية والثانوية بشكل خاص. وبصفتي مدرسًا، يرفض التمييز والنفاق خططت لنفسي واجب العدل والإنصاف بين طلابي، خلافًا للسياسات العليا والدنيا فاستدعيت أكثر من مرة لزيارة جهاز الأمن، وفي إحدى المرات قال لي الضابط (السبسبي) في التحقيق لماذا يمشي معك الطلاب جماعات خارج المدرسة بعد الانصراف؟ قلت: لأنني ناجح في عملي، وهذا مؤشر حسن قال: أريد أن أفهم، هل أنت مدرس لغة عربية، أم مدرس تربية إسلامية؟ أجبت: متى انفصلت العروبة عن الإسلام، كما أن عددًا من نصوص مادة القراءة هي من القرآن الكريم والحديث الشريف. ثم إن الطلاب الأكراد، يحبون العرب من حبهم للإسلام، فما الخطأ وصباح اليوم التالي من سقوط الجولان وكنت أحد المعتقلين ساعة الإفراج واعتذار محافظ حلب لنا - كان الضابط المذكور خلف المحافظ، فحرك رأسه بالتحية لي. فحركت رأسي أيضًا. وفي السجن آنذاك تعرفت إلى بعض الإخوة الأكراد بسبب قضيتهم المعلومة.
الواقعة الثانية عام ١٩٦١م قبل التحاقي بالتدريس، كنت أعمل مع الدكتور مصطفى السباعي في إدارة تحرير مجلته حضارة الإسلام فنقلت له خبرًا من الصحافة، مفاده أن أحد الشعوب الإسلامية في وسط أسيا، قد أنجز ترجمة معاني القرآن الكريم إلى لغته القومية، وشرع بطباعة القرآن مترجمًا، ففرح السباعي يرحمه الله فرحًا عظيمًا للخبر.
ترجمة معاني القرآن الكريم، كتاب العربية الأول. إلى لغة شعب مسلم، والقرآن من أقدس مقدسات العرب والمسلمين. و﴿ لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾.. أفلا يجوز للشعوب الإسلامية في أصقاعها، أو في ظل الحكومات العربية أن تتكلم بلغتها القومية، أو تتعهد آدابها، أو أن تعامل معاملة الأخ أو الشريك الوطني، وفي التعبير السياسي الحديث بـ (المواطنة)؟
في (تركيا العثمانية) و(الكمالية) ترجمت (العلمانية) عداء للدين، وللإسلام بالذات وهي في فلسفتها، وفي تطبيقاتها الأوروبية ليست كذلك، وإن جاز التعبير هي محايدة وترجمت (القومية) أيضًا بـ (العنصرية) و(الشوفينية)، فكان ما كان من سياسات(التتريك)، واضطهاد الأقوام غير التركية، لا سيما العرب ولغتهم العربية وثقافتهم وآدابهم. وهي مقوم، بل مسوغ أساسي في الخلافة العثمانية. فما بال بعض القوميين فينا يكررون المأساة في الستينيات، وفي مدينة (عامودا)، ألم يتجرأ بعض المهووسين للنيل من معركة حطين لأنها جاءتنا بصلاح الدين ويستغربون بعد ذلك خروج مظاهرة صغيرة من مواطنين أكراد في دمشق؟
متى تحين الظروف سوف يقال للمتظاهرين ومن وراءهم، ولمن يتعاطف معهم. وأغلب المواطنين معهم - ليست الظروف مناسبة لا للتظاهر، ولا لبسط المطالب مهما كانت عادلة إلا ترون ولا تسمعون التهديدات الإسرائيلية والأمريكية و.... هذا (التوقيت)، ثم (المكان)، الم تجدوا مكانًا غير وسط العاصمة، وأمام مجلس الشعب، حيث الأجانب ووكالات الأنباء؟ هي الذرائع التي جوبهت بها المعارضة الوطنية سواء المنتديات الوطنية أو البيانات أو المؤتمر الأول للحوار الوطني. والجواب، بل الأجوبة متى تكون الظروف مناسبة؟ من يقدر أن الظروف مناسبة أو غير مناسبة؟ لماذا لم يستجب لهذه المطالب أو بعضها في الماضي وفي أوقات مناسبة حتى الآن وما الضمان أنه سوف يستجاب لها يوما ما بعد كل هذه الممارسات والتجارب المؤسفة، أليس الوطن يقوى بتوحيد جبهته الداخلية وبمواطنيه الأحرار المبدعين لا العبيد المحبطين أو المنبوذين من المستفيد من تسيد مواطن على مواطن، أو فئة على فئة، أو حزب على كل المواطنين والأحزاب لعل أهم حجة تتذرع بها الذهنية الاستئصالية الاستشهاد بالمخططات التي يطرحها الأعداء اليوم لإعادة رسم خريطة المنطقة، أو ما اصطلح على تسميته ب (سايكس بيكو) جديدة، وأن الأكراد يستغلون هذا التوقيت المحرج، للضغط من أجل إملاء شروطهم. إن الأكراد أو نخبهم السياسية متهمون بالنزعة الانفصالية، التي تلتقي مع مخطط الإمبريالية والصهيونية في تمزيق الوطن العربي، وبلقنته واقتطاع أقسام منه. والحقيقة أن هذه الذريعة مردودة على الاستئصاليين، لأن وجود مثل هذه المخططات التآمرية، يستدعي إحباطها بمنع وسائل الاحتقان أو الاستغلال، بل بكسب الإخوة الأكراد إلى جانب أشقائهم للقتال إلى جانبهم وهم أهل لذلك، كما أثبتت تجارب التاريخ في أحلك الظروف قديمًا وحديثًا، وفوق ذلك وقبله الحق أحق أن يتبع، وهو الميزان العدل بين البشر، فضلًا عن أن يكون ميزان أبناء الوطن الواحد. أما الخلاف المزعوم حول شرعية أو واقعية مطالب معينة للإخوة الأكراد دون أخرى فحله لمن يريد الحل يسير، لكنه على الاستئصالين جد عسير، ألا وهو الاحتكام للشعب أي لممثليه الحقيقيين عبر انتخابات نيابية حقيقية - والقطر على أبواب انتخابات. ينتج عنها مجلس نيابي حقيقي، وحكومة حقيقية مسؤولة أمام الشعب، وقضاء عادل مستقل. كلمته فوق الجميع، وصحافة حرة ترفل بالشفافية والرقابة الشعبية، وحينئذ يفرح المواطنون كل المواطنين. يؤسفنا أن نقول هذا الحل - وهو حل لكل أدواء الوطن - ما زال بعيدًا، وإن جراح الإخوة الأكراد كجراح المعتقلين منذ ربع قرن ثخينة مزمنة، لا تحتمل التأجيل أكثر، والسياسة عند الكثيرين هي فن الممكن، أو انتزاع ما يمكن انتزاعه، وإن تظاهرة مئة مواطن ليست زوبعة في فنجان، بل سيكون لها ما يكون. وما نيل المطالب بالتمني.