العنوان الاخيرة عدد 1894
الكاتب أ. د. عبد المنعم الطائي
تاريخ النشر السبت 20-مارس-2010
مشاهدات 95
نشر في العدد 1894
نشر في الصفحة 66
السبت 20-مارس-2010
العقرب المتوقف والزمن الإسلامي
عقرب الساعة في الغرب توقف عند العقل، فعندما تحاول أن تتعامل به مع الزمن الإسلامي فإنه لن يهتز أو يتحرك أو يدور.
زمن مترع بالروح والوجدان الإيماني والتوق إلى الله سبحانه.. زمن ينبض بحقيقة الألوهية، ويتمحور عند بؤرة التوحيد.. زمن ممتد عبر آماد لا يكاد يبلغها تصور أو خيال بين الأبدية والخلود.. زمن يضع قبالته لحظة بعد أخرى يوم الحساب الجزاء، والجنة والنار.. زمن يتداخل في لحمته الروحي والمادي.. والطبيعي والميتافيزيقي.. والفناء والخلود.. والدنيا والآخرة.. والحياة والموت.. والمرحلي والخالد.. والله والإنسان.. إنه – بالضرورة – يتأبى على القياس بساعات جمدت عقاربها على مقولات العقل الصرف وثقل الكتل، وصلابة المواد والأشياء..
من أجل ذلك ما كان بمقدور الغربيين، ومن بينهم جل المستشرقين أن يسبروا غور التاريخ والحياة الإسلامية، وبخاصة في مراحلها المبكرة عصر النبوة، والفتح، والدفق الروحي، والاتصال اليومي بالسماء..
فقد حاول المستشرقون أن يجمعوا بين تفاحتين وبرتقالة لكي يصل إلى حاصل الجمع «۳» رغم كونه مستحيلا في علم الحساب...
وبعضهم بذل جهدا استثنائيا لكي يحقق المقاربة المطلوبة، ويقدم رؤية أكثر دقة ومصداقية للحالة موضوع الدراسة.. أذكر منهم المستشرق البريطاني المعاصر« مونتجمري واتفي » كتابيه «محمد في مكة» و«محمد في المدينة» وقال في مقدمته إنه سيحترم البعد الغيبي لعصر الرسالة، لكنه أخفق إخفاقا ذريعا لأنه – أسوة بمعظم المستشرقين – لم يستطع أن يتحرر من ضغوط الثقافة الغربية، وهي ثقافة مادية كافرة، أو علمانية جانحة في أفضل الأحوال..
ثقافة تتألق وهي تتعامل مع الكتل والأشياء، ولكنها تنطفئ عندما تحاول الاقتراب من حافات الروح والغيب اليوم تريد العولمة من خلال آليتيها الأسطوريتين: المعلوماتية، والإعلامية، أن تغزونا برؤيتها الأحادية الثقيلة هذه..
واليوم تسعى بقصد – أو بدون قصد – أن تطفئ ألق أرواحنا وتغيب منظومة قيمنا حيث لا يتبقى سوى الكتل والمواد والتكاثر بالأشياء..
اليوم تحاول أن تستبدل قيمنا الدينية المتوهجة بمبادئ «اللذة الأبيقورية»، و«المنفعة البراجماتية»، و«القوة الهوبزية» حتى تفقد الحياة عمقها الحقيقي.. جمالها وانسيابيتها... سر طلاوتها .. إنسانيتها وتوقها الأبدي للتحرر من ثقل القريب الملاصق، والانطلاق إلى سماوات الفرح والخلود.
وإنها لصفقة خاسرة بكل المعايير.. ليس للمسلمين وحدهم في هذا العالم، بل للعالم كله على امتداده، وهو يتطلع بشوق عارم إلى الخلاص.. إلى الخروج من البئر الضيقة التي يختنق فيها .. ولن يكون ذلك إلا على أيدي الأمة التي إن استطاعت إدراك المعادلة، وأحسنت التعامل مع مطالب مهمتها العقدية في العالم قدمت الخلاص لنفسها وللبشرية، وخرجت بالطرفين معا من ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن عبادة العباد والنظم والطواغيت إلى عبادة الله وحده، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام... أي دور كبير هذا الذي ينتظر عالم الإسلام وهو يدلف في مطالع القرن الحادي والعشرين ؟!