; المؤتمر الدولي عن البوسنة في لندن يؤكد: نظرة الغرب لم تتغير تجاه المسلمين | مجلة المجتمع

العنوان المؤتمر الدولي عن البوسنة في لندن يؤكد: نظرة الغرب لم تتغير تجاه المسلمين

الكاتب هشام العوضي

تاريخ النشر الثلاثاء 17-ديسمبر-1996

مشاهدات 68

نشر في العدد 1230

نشر في الصفحة 31

الثلاثاء 17-ديسمبر-1996

 اختتم «مؤتمر لندن الدولي» لبحث مشكلة البوسنة والهرسك أعماله في العاصمة البريطانية الأسبوع الماضي وحضرته الأطراف المعنية وعلى رأسها الرئيس البوسني علي عزت بيجوفيتش، وعلى الرغم من أن مصادر الحكومة البريطانية أكدت أن المؤتمر كان ناجحًا، إلا أن مصادر أخرى أفادت بأن نتائجه جاءت مخيبة للآمال.

 وقد خرج المؤتمر الذي انعقد في لندن من 4-5 ديسمبر الحالي بتقرير وصلت صفحاته إلى ٤١ صفحة يمكن تلخيصها في فكرة واحدة هي أن تقديم المساعدات الأوروبية أصبح مرهونًا بعدى التزام الكروات والصرب ومسلمي البوسنة بمعاهدة دايتون التي أبرمت سنة ١٩٩٥م وكان الاهتمام الأوروبي انحسر في النهاية في مجرد المطالبة بورقة «حسن سير وسلوك»، لتقديم أي مساعدة تنموية للبناء، ومع أن الوزيرة البريطانية المشاريع التنمية في الخارج البارونة «شالكر» أكدت أن هذا الشرط ليس من قبيل الابتزاز إلا أنه لا يكون إلا من قبيل الابتزاز فعلًا وفي بعض الأحيان الإذلال أيضًا، وإلا فما معنى تعليق المساعدة الأوروبية على شروط معنية في الوقت الذي ساهمت فيه سياسة الدول الأوروبية في صنع الوضع المأساوي الذي وصلت إليه الحرب الأهلية في البوسنة والهرسك - فالأمر من هذه الناحية ليس متعلقًا بحفنة دولارات «مشروطة» تقدمها الدول الأوروبية على سبيل التبرع، وإنما هي من قبيل «الفرض الواجب»، وتسجل «المساعدة الأوروبية المشروطة»، تحول في السياسة الأوروبية بدرجة ١٨٠ عن سياستها التي وضعتها السنة الماضية والتي وعدت فيها أن المساعدة الأوروبية في البناء والتعمير ستكون فورية سرعان ما تقوم الأطراف المعنية بالتوقيع على المعاهدة، ولم يكن في ذلك الوقت أي كلام عن مساعدات مشروطة، فما هو السبب في هذه المماطلة. والابتزاز الذي تحاول وزير التنمية البريطانية نفيه؟

ثم إن هناك ازدواجية فاضحة في السياسة الأوروبية تجاه موضوع المساعدات المادية، إذا ما قورن ذلك بحجم المساعدات المقدمة إلى إسرائيل، وفي الوقت الذي تبدي فيه الدول الأوروبية استياء من السياسة الإسرائيلية نحو عملية السلام، فإنها لا تشرط أي مساعدات تقدمها للحكومة الإسرائيلية بتغيير هذه السياسة، أما الحال في البوسنة، فمع أن التنمية فيه تنمية حقيقية قائمة على الحاجة الماسة للإعمار وليس بناء المستوطنات إلا أن المساعدة الأوروبية تأتي مشروطة في المقابل.

الموقف من مجرمي الحرب

إن المؤتمر كان يتكلم عن واجبات الأطراف المعنية أكثر من كلامه عن حقوقهم الغائبة، وإحدى هذه الحقوق -وتخص بقوة الطرف البوسني المسلم- فمتعلق بالقبض على مجرمي الحرب الصرب «رادوفان كارانيتش» «وراتكو ميلاديتش» بأسرع وقت ممكن، وهي مهمة غير مستحيلة إذا ما أخذ في الاعتبار جدارة السلطات الأوروبية في القبض على مجرمي الحرب النازيين في حق اليهود بعد مرور عشرات السنين وقد بلغ هؤلاء المجرمون من العمر عتيا، فهناك شعور قوي بأن أوروبا غير جادة في القبض على هؤلاء مثلما هي جادة في وضع شروط المساعدات التنموية، وقد انتقد ۱۱ قاضيًا -موكولين بالنظر والحكم في قضية مجرمي الحرب الصرب- المؤتمر لأنه غير جاد في موضوع القبض على هؤلاء المجرمين، وأشار القضاة في بيان لهم أن المؤتمر تجاوز هذا الموضوع في برنامجه، وهون من قيمته من خلال الاكتفاء بدعوة القضاة كأعضاء مراقبين في المؤتمر وليس وفدًا مشاركًا، وتضيف مصادر أخرى بأن الحكومة البريطانية غير جادة هي الأخرى في نفس الموضوع لأنها لم تبد أي براهين في حديثها تدل على اهتمامها. فكلًا من الكلمة الافتتاحية لرئيس الوزراء «جون ميجور» وكلمة وزير خارجيته «مالكوم ريفكند» جاءت عامة وخالية من أي تحديدات.

 والمشكلة في كل الأحوال عويصة ومعقدة، لأنها مرتبطة بسياسات خارجية تتصارع خارج دائرة البوسنة والهرسك ولكنها تتخذ هذه الدائرة إحدى حلبات هذا الصراع، فمصادر كثيرة ترى أن هناك صراعًا خفيًا قائمًا بين روسيا والدول الأوروبية ظهرت بعضًا من آثاره في مؤتمر لندن الأخير، فالمظاهرات الشعبية التي انطلقت مؤخرًا في صربيا اعتراضًا على سياسة الرئيس الصربي سلوبودان ميلوسيفيتش القمعية ظللت بغيومها على برنامج المؤتمر، ووضعت الدول الأوروبية في وضع محرج، فالدول الأوروبية تجد نفسها الآن في صعوبة من انتقاد ميلوسيفيتش مباشرة وقد دعمته في الماضي وتجاوزت عن سلوكه الديكتاتوري حينئذ، كما أنها تشعر أنه أحد الأطراف في معاهدة دايتون، وبالتالي لا تريد أن تستثيره بالعداء الصريح ومع أن ميلوسيفيتش انتهج مؤخرًا سياسات ديكتاتورية غير مبررة إلا أن الغرب لا يريد أن يهون من شأنه، لأنه ذو سيطرة سياسية وعسكرية قوية وإن لم يحظ برصيد شعبي كبير، وهذه هي أحد الأسباب التي جعلت المؤتمرين في لندن يتجاورون ضمنيًا عن مناقشة موضوع مجرمي الحرب لأنه سيعني الحديث عن تجاوزات الكروات- وهو ما يريد المؤتمرون تجاوزه، ولكن الأمر ليس بهذه البساطة أيضا، إذ تفيد مصادر أخرى بأنه من المحتمل أن تكون الدول الأوروبية تقوم بدور مزدوج نحو موقفها من ميلوسيفيتش ففي الوقت الذي تتجنب فيه أوروبا توجيه أي انتقاد مباشر إليه، إلا أنه ورقة ضغط مهمة على روسيا باعتبار علاقته التحالفية الوثيقة بها، وقد تبتز هذه الورقة مستقبلًا باسم المطالبة بالديمقراطية في البوسنة والهرسك على النمط الغربي وفي أسوأ الأحوال المطالبة الجدية بالقبض على ومحاكمة مجرمي الحرب الصرب.

 اللعبة القديمة

 ويعتبر هذا المؤتمر الثاني الذي ينعقد في لندن منذ انعقاد الأول سنة ۱۹۹۲م والذي كان يهدف إلى تأكيد حظر السلاح على مسلمي البوسنة بحجة أن ذلك سيزيد من فتيل الحرب الأهلية، وغض الطرف في الوقت نفسه عن التسليح الروسي للصرب، حيث استطاعت روسيا اختراق الحظر الدولي المفروض وتزويد الصرب بما قيمته ٣٦٠ مليون دولار من الأسلحة، إضافة إلى منع التدخل العسكري من جانب الولايات المتحدة أو أي جهة أخرى. حتى أن جون ميجور هدد المجتمع الدولي باستخدام حق الفيتو فيما لو قررت أمريكا التدخل، وكانت بريطانيا من الدول الداعية في هذا المؤتمر إلى السلام في الوقت الذي كان فيه المسلمون يتعرضون لأبشع أنواع المجازر على أيدي الصرب والكروات، واليوم تريد بريطانيا أن تلعب نفس اللعبة، ولكن بأرقام ورموز مختلفة، فهي تقول بأنها قررت إرسال وحدات إضافية من القوى البريطانية للانضمام إلى قوات الأمم المتحدة من دون الدخول في تفاصيل مهمة هذه القوى أو جدواها في القبض على مجرمي الحرب وتقديمهم للعدالة.

إن موضوع البوسنة والهرسك شائك و متداخل والغرب يستفيد من هذا التعقيد حتى كي يضع اللائمة على الأطراف غير المرضي عنها وخلق التبريرات المناسبة في هذا الشأن فالمسلمون هم آخر من يهدد بنود معاهدة دايتون، وهم أول المتضررين من مجرمي الحرب الذين ارتكبوا في حقهم المجازر ولا يزالون طلقاء، وهم أول من يحتاجون إلى مساعدات الإعمار والتنمية بعد أن حاصرهم الغرب من قبل عسكريًا، وشجع الصرب عن قصد أو بغير قصد في تدمير مدنه وبيوته، ومع ذلك يضع مؤتمر لندن الشروط تلو الشروط، ويعلق أو يعطل في مساعداته ووعوده السابقة، وكأنه يرمي من وراء ذلك أن يجعل مسلمي البوسنة ضحيته مرة أخرى.

الرابط المختصر :