; التيار العلماني... من المأزق إلى المخارج (۳).. الارتهان للغرب | مجلة المجتمع

العنوان التيار العلماني... من المأزق إلى المخارج (۳).. الارتهان للغرب

الكاتب بلال التليدي

تاريخ النشر السبت 08-سبتمبر-2007

مشاهدات 81

نشر في العدد 1768

نشر في الصفحة 66

السبت 08-سبتمبر-2007

ونأتي إلى المأزق الرابع للعلمانيين العرب وهو «الارتهان للغرب»، فحين بدأت الإدارة الأمريكية تبشر بمشروعها لنشر الديمقراطية في الوطن العربي، اختلف الموقف لدى النخب العلمانية المتطلعة للحرية، فهناك من رفض مطلقًا أن ينخرط في أي مشروع ترعاه هذه الإدارة، كان منطلق هذا الموقف مبدئيًا واستراتيجيًا، إذ إنه ينطلق من قراءة للواقع الحالي، تقدر أن قضية نشر الديمقراطية ما هي إلا ذريعة تتوسل بها الإدارة الأمريكية لبلوغ بعض الأهداف الإستراتيجية التي عجزت أن تبلغها دون إشراك قوى محلية.

كانت هذه القراءة تنطلق من تقدير سياسي واستراتيجي واضح، مفاده أن مآلات الديمقراطية وثمارها ستكون بالضرورة ضد مصالح الإدارة الأمريكية، وما كان لأمريكا أن تدعم شيئا يؤول في النهاية إلى عكس مصالحها.

وكان هناك موقف آخر لبعض التوجهات العلمانية يرى أنه لا بد من استثمار الضغط الخارجي وتوجيهه لتحقيق مكاسب ديمقراطية في الداخل، لكن دون لعب دور المقاول للإدارة الأمريكية، ورأي ثالث يثق في نوايا أمريكا أو على الأقل يريد أن يلعب دور المرتزق الذي يتلقى الأموال الأمريكية تحت شعار نشر الديمقراطية في الوطن العربي. لكن، سرعان ما صارت الوقائع في اتجاه آخر لقد وقعت الإدارة الأمريكية في المأزق الإسلامي بعدما اقتنعت بأن أي حرية أو ديمقراطية في الوطن العربي ستصب في النهاية في صالح الحركة الإسلامية، وبدأت بعض الدراسات تنفتح على أطياف من الحركة الإسلامية، وتدرس الواقع السياسي العربي بكل تعقيداته، لكن الخلاصة التي آلت إليها، أنه من الاستحالة الحديث عن تحول ديمقراطي في المنطقة العربية، دون أن تكون الحركة الإسلامية هي حجر الزاوية.

هذه النتيجة، لم تكن بالضرورة متوافقة مع التطلع الأمريكي ولذلك تغيرت الإستراتيجية الأمريكية في اتجاهين.

الأول: هو محاولة الدفع بالحركة الإسلامية لتصير أحزابًا ديمقراطية على شاكلة الأحزاب المسيحية الديمقراطية.

الثاني: هو محاولة المراهنة على الأحزاب العلمانية ليبرالية ويسارية.

لكن كلا الاتجاهين لم تخرج منهما الإستراتيجية الأمريكية بطائل، فلا الحركات الإسلامية يمكن أن تكون مثل الأحزاب الديمقراطية المسيحية، ولا الأحزاب العلمانية قادرة على لعب دور رئيس في عملية التحول الديمقراطي بحكم الضعف والهامشية.

لم يعد للإدارة الأمريكية سوى خيار واحد، لكنه قد يتعدد ويأخذ أكثر من شكل بحسب الوضع الذي يتنزل فيه. خيار دعم الأنظمة والمحافظة على المصالح الإستراتيجية للإدارة الأمريكية لكن هذا الخيار يطرح عليها تحديًا كبيرًا، فقد كانت منذ عهد قريب تبشر بنشر الديمقراطية في الوطن العربي، فكيف يمكن لها أن تبرر هذا التحول في إستراتيجيتها.

الحل الذي أقدمت عليه الولايات المتحدة الأمريكية هو تحويل هذا المشروع إلى منطقتين أساسيتين: هما سورية وإيران، هما المنطقتان الوحيدتان الآن اللتان يمكن أن يكون لنشر الديمقراطية فيهما دور استراتيجي تنتفع منه الإدارة الأمريكية، ولذلك بدأ الدعم الأمريكي ينشط للحركات العلمانية وحركات حقوق الإنسان ولكل الشبكات العاملة في مجال الديمقراطية والحرية في هاتين المنطقتين، وهو ما يفسر انقطاع الدعم الأمريكي للتوجهات العلمانية العاملة في شبكات نشر الديمقراطية في الوطن العربي.

حقيقة المأزق الذي تعيشه بعض التوجهات العلمانية من جراء ارتهانها إلى المساندة الخارجية لنشر الديمقراطية هو في قراءتها للموقف الأمريكي وفي عدم فهمها للتحول في الإستراتيجية الأمريكية، وعدم إيمانها بأن الديمقراطية هي فعل ذاتي يخرج من مكونات الأمة، وأن الضغوط الخارجية ليست أبدًا في صالح الديمقراطية المحلية، بل يمكن أن تكون عامل إجهاض وتعطيل لها. خاصة إذا ضربت مصالح قوى الهيمنة في العالم، وأن الحاجة ماسة بالنسبة لهذه التوجهات العلمانية على هذا المستوى لترشيد مسارها وتغيير رهاناتها، وجعل الأرضية الديمقراطية إطارًا حقيقيًا لالتقاء كل التطلعات المخلصة، وتأسيس جبهة عريضة لكل التواقين إلى الحرية والعدل والديمقراطية من إسلاميين وليبراليين وقوميين ماركسيين.

هذه بعض المأزق التي تشل رؤية العلمانيين العرب، وتجعلهم غير قادرين على الفعل، وهو ما يفسر ما خلصت إليه الدراسة التي نشرتها مؤسسة كارنيجي من أن الأحزاب العلمانية في الوطن العربي أحزاب أقلية هامشية وأنها تعيش أزمة عميقة، وليس لها إلا جمهور انتخابي راكد، وأنها لا تمتلك أدنى خطة الاسترجاع المواقع التي خسرتها خاصة في المغرب ومصر وأنها في الغالب تستعمل خطابًا تبريريًا يعتمد على المظلومية في الوقت الذي تلقي فيه باللوم على الآخر الحركة الإسلامية ونظام الحكم..

الرابط المختصر :