; الاستبداد أصل الفساد | مجلة المجتمع

العنوان الاستبداد أصل الفساد

الكاتب عبدالقادر بن محمد العماري

تاريخ النشر الثلاثاء 29-نوفمبر-1988

مشاهدات 71

نشر في العدد 893

نشر في الصفحة 44

الثلاثاء 29-نوفمبر-1988

  • لا يجوز للعلماء أن يفتوا للحكام بأن الشورى غير ملزمة.
  • الحكام ملزمون بالشورى حتى لا نعطيهم الحجة ليتخلصوا من كل أوامر الشرع بالتأويلات البعيدة.

الملاحظ أن الاستبداد في العالم بدأ يتقلص وأن الدكتاتورية تشارف على الغروب، ولم يعد يرى العالم انقلابات عسكرية بين الحين والآخر إلا في حالات نادرة لم نعد نرى دكتاتورًا يذهب وآخر يجيء ويشتد صراع الأسلحة في الدولة الواحدة والجيش الواحد، ويحسم الموقف لصالح من كان في جانبه السلاح الجوي، ونظام الحزب الواحد الذي يدعي قادته أن كل كفاءات البشر وعقولهم وكل صفات الخير قد تجمعت فيهم، وأن كل الناس وكل العناصر في سائر الاتجاهات ما هم إلا أصفار على الشمال، لا تفكير عندهم، ولا عقول توجههم، ولا صفات إنسانية تؤهلهم للمشاركة في خدمة مجتمعاتهم، هؤلاء القادة بدأت الأرض تهتز من تحتهم، وبدأت أحزابهم تتأكل فقهوا متغيرات العصر وتجاوبوا مع رغبات الشعوب في أن تعيش حرة، لا يتحكم فيها أشخاص یرون أنفسهم أوصياء على الناس، سواء من بلادهم أو من غير بلادهم، وأن الأولى بالقيادة هو من يملك العقل الحصيف، والعلم المفيد، ويملك الإخلاص في العمل من أجل المصلحة العامة.

 ونحن المسلمين عندنا أعظم دستور سماوي جاء بالشورى، فما أحرانا أن نسير عليه، فمن أهم الأسس التي أقام عليها الأمة الإسلامية أنهم متساوون أمام الله، لا فضل لأحدهم على الآخر إلا بالتقوى، وإن العلاقات بينهم تقوم على أساس التكافل والتعاون والتشاور فيما بينهم، وقد وصفهم القرآن بقوله: ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ (سورة الشورى: ۳۸)، نلاحظ أنه جعل الشورى في هذه الآية بين الصلاة والإنفاق منزكاة وغيرها.

ولقد قدم القرآن الكريم نماذج للحكم الفاسد، والحكم الصالح وندد بالحاكم الطاغية المستبد في النموذج فرعون، قال تعالى ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ ۚ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ (سورة القصص:4)..

ولا يمكن للحكم الفاسد أن يدوم لذلك أهلك الله فرعون ومكن لموسى وقومه في الأرض ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ، وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ (القصص6:٥)

وضرب الله مثلًا للحكم الصالح بداوود حيث قال ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ (سورة ص:٢٦)

وقد أشاد القرآن بتصرف ملكة سبأ عندما استشارت الملأ من قومها فيما يجب عمله في کتاب سليمان ﴿قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُون﴾ (النمل:32)

والغريب من بعض علماء الدين أن يؤيدوا الاستبداد بالقول بعدم إلزامية الشورى، مع الأمر الواضح بها في القرآن في قوله تعالى ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ (آل عمران:159) فإذا كان الله سبحانه وتعالى قد أمر رسوله بالشورى وهو الغني عنها بالوحي، ولا ينطق عن الهوى، فكيف بالحاكم في هذا العصر الذي لم يؤت عقلًا كعقل محمد فضلًا عن الوحي النازل من أحكم الحاكمين، وإذا كان بعض الفقهاء السابقين يقول إن الشورى غير ملزمة للرسول صلى الله عليه وسلم لأنه يوحى إليه فمع ضعف دليلهم فإنه لا يمكن أن يقاس الرسول بأحد على الإطلاق، وأن يقال إن الشورى غير ملزمة للحاكم، والقول الأصوب والأرجح أن الشورى ملزمة على الإطلاق، وأن الله ألزم رسوله بها فيما لا وحي فيه، بدليل سبب نزول الآية نفسها، وليس في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم واقعة واحدة استشار أصحابه فيها ثم خالفهم، بل إنه عمل برأي أكثرية أهل الشورى في الوقائع كلها حتى التي كان رأيه فيها مخالفًا لرأي الأكثرية، وليس هناك دليل واحد يصح الاعتماد عليه من قرآن أو سنة لتأييد القول بأن الشورى غير ملزمة للحاكم أو غير واجبة عليه، والذين قالوا إن الأمر في الآية للندب مخطئون، إذ مطلق الأمر للوجوب لا للندب، إذ ليس هناك صارف يصرفه عن الوجوب، أما أخذ معنى عدم الوجوب من قوله تعالى في الآية ﴿فإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ﴾ (آل عمران:159) فغير واضح إذ معنى العزم هو الرأي المروى المنقح كما قاله مجاهد في تفسيره ونقله عنه القرطبي، قال القرطبي «ولا يكون ركوب الرأي دون روية عزمًا»أي أنه الرأي الذي يتم بعد المشورة، ولم تقل الآية فإذا عزمت فتوكل على الله بدون مشورة، أو إذا كان لك رأي مخالف فاعمل برأيك، فالعزم والتوكل على الله لا ينافي المشورة، إن فهم العزم والتوكل في الآية على أنه العمل بدون مشورة أو لو خالفت أهل الشورى فهو بعيد جدًا، ولا يجب أن يكون هذا الفهم حجة أمام الأمر الواضح الصريح فالأمر من الله للرسول صلى الله عليه وسلم مع إمكان نزول الوحي والاستغناء عن الشورى يعطينا الدليل الأقوى بأن الأمر بالنسبة لغيره من الحكام أمر لازم لا جدال فيه، وإن مراد الله الاقتداء من الأمة بالرسول في الشورى، وإن الحكام ملزمون بالشورى وإلا أعطيناهم الحجة ليتخلصوا من كل أوامر الشرع بالتأويلات البعيدة.

قال الشيخ محمد عبده «إذا علمنا أن مناصحة الأمراء أمر واجب على الرعية كما تدل عليه الآيات والأحاديث وجب على ولاة الأمر ألا يمنعوهم من قضاء هذا الواجب فدل ذلك على أن الأمر في قوله تعالى ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ (آل عمران:159) للوجوب لا للندب، وهو ما يؤخذ من عبارات المحققين من علماء التفسير، فوضح من هذا أن تصرف الواحد في الكل ممنوع شرعا، وأن الرعية يجب عليها أن تجعل الحاكم والمحكوم بحيث لا يخرجان عن حد الشريعة الحقة، وأن الولاة يجب عليهم استشارة ذوي الرأي في مصالح البلاد ومنافع العباد، وأن الشورى من الأمور الشرعية الواجبة، فمن رام أمرًا شرعيًا قضت به الشريعة وحتمته على الحاكم والمحكوم جميعًا، بحيث لو منعناه لاكتسبنا بذلك إثمًا مبينًا، ومعلوم أن الشرع لم يجيء ببيان كيفية مخصوصة لمناصحة الحكام، ولا طريقة معروفة للشورى عليهم، كما لم يمنع كيفية من كيفياتها الموجبة لبلوغ المراد منها، فالشورى واجب شرعي وكيفية إجرائها غير محصورة في طريق معين فاختيار الطريق المعين باق على الأصل من الإباحة والجواز كما هو القاعدة في كل ما لم يرد نصبنفيهأو اثباته».

إننا نقول لعلماء الدين الذين لا زالوا يفتون الحكام بأن الشورى غير ملزمة: ليتقوا الله في دينهم وأمتهم، ولا يكونون سندًا للطغيان ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ﴾ (سورة هود: ۱۱۳)

 ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً ۖ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (سورة الأنفال: ٢٥).

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل