العنوان الاستغلال الأمريكي للأقليات (١٠) حقيقة تعداد المسيحيين المصريين
الكاتب د. محمد عمارة
تاريخ النشر السبت 23-أبريل-2011
مشاهدات 53
نشر في العدد 1949
نشر في الصفحة 56
السبت 23-أبريل-2011
- تقرير الخارجية الأمريكية يعيب على مصر تمثيل المسيحيين بـ 20% من عضوية مجلس حقوق الإنسان رغم أنهم 5% من السكان.
- السلبية المسيحية في المشاركة السياسية - قبل «ثورة يناير»- جزء من ظاهرة عامة وليس تمييزًا سلبيًا ضدهم.
بيد أن تقرير الخارجية الأمريكية ينطلق من الدعاوى التي تبالغ في تعداد المسيحيين في مصر، فلقد انتقد التقرير تمثيلهم في «المجلس القومي لحقوق الإنسان» بخمسة أعضاء؛ أي 1/5 أعضاء المجلس الخمسة والعشرين, لذلك وجب – في الرد على هذا التقرير - تقديم الحقائق التي اتفقت فيها وعليها المصادر الرسمية الممثلة في الحكومة المصرية، مع المصادر الأجنبية المتخصصة في الديموجرافيا، والتي كتبت عن تعداد المسيحيين في مصر، وفي هذا المقام نورد هذه الحقائق والمعلومات والأرقام:
- إن أحدث الإحصاءات والدراسات العلمية التي أجريت حول تعداد المسلمين في العالم، وحول الأقليات غير المسلمة في البلاد الإسلامية، والأقليات المسلمة في البلاد غير الإسلامية.. هو الإحصاء الذي أجراه «مركز بيو» الأمريكي، والذي نشر في سبتمبر سنة ٢٠٠٩م.
ولقد أجرى هذا المركز دراسته هذه في ۲۰۰ دولة، مستندًا إلى ٥٠٠ مصدر، وجاء في دراسته الإحصائية هذه عن مصر أن:
- العدد الإجمالي للسكان في مصر ۸۲ مليونًا.
- ونسبة المسلمين من سكان مصر هي 94.6% أي ٧٨,٥ مليون نسمة.
- ونسبة غير المسلمين – أي الطوائف العشر المسيحية مع اليهود – هي 5.4%؛ أي ٤,٥ مليون نسمة.[1]
ولقد جاءت هذه الدراسة الإحصائية الأمريكية الأحدث متسقة تمامًا مع مؤشرات التعدادات السكانية التي تجريها مصر كل عشر سنوات، والتي بدأت منذ سنة ۱۸۸۲ م – عندما احتلت إنجلترا مصر وأخذت في إجراء الإحصاءات السكانية المنتظمة، وكان الموظفون الأقباط هم الذين يشرفون على هذه الإحصاءات.
اعتراف مسيحي
وعن هذه الإحصاءات التي دأبت بعض الأوساط القبطية على التشكيك فيها دونما دليل كتب باحثان مسيحيان متخصصان في الديموجرافيا؛ هما: الباحث الفرنسي «فيليب فارج»، والباحث اللبناني «رفيق البستاني»، كتبا في كتابهما الإحصائي «أطلس معلومات العالم العربي» فقالا: كم عدد أكبر طائفة مسيحية في الشرق ؟ هل يبلغ أكثر قليلًا من ثلاثة ملايين؟ كما يمكن استنتاجه من آخر تعداد للسكان سنة ١٩٨٦م؟ أم هل يرتفع عددهم إلى 5 أو ٦ أو حتى 7 ملايين، كما تؤكد بعض الهيئات القبطية؟
إن التفاوت في التقدير أمر غريب في بلد تتوافر فيه الإحصاءات بغزارة، فمصر على عكس بعض بلدان المنطقة، لا تبخل بالمعلومات على سكانها إذ تجري التعداد بصفة منتظمة منذ ۱۸۸۲م، وجاء بحصيلة لا بأس بها من المعلومات، وهي حصيلة قابلة للتحقق منها، والمطابقة بينها وبين غيرها.
ومع هذا، فإن الجدل حول هذا الموضوع مازال قائمًا، فالطائفة القبطية تقول: إن تقرير عدد الأقباط بنسبة 6% من عدد السكان الكلي، كما تشير إلى ذلك الإحصاءات الرسمية، فيه تقليل من عددهم، ولكننا نلاحظ أن التعدادات التي أجريت في عهد الاستعمار تؤكد هذه الأرقام الرسمية، ونلاحظ تناقصًا طفيفًا في نسبة عدد الأقباط، كما يتبين من التعدادات التالية:
إذ كانت نسب الأقباط أعلى قليلاً من العدد الكلي للسكان في مصر، فيما بين عامي ۱۹۰۷ و ۱۹۳۷م، ثم هبطت النسبة إلى 7.9% في تعداد ١٩٤٧م، وإلى 7.3% في سنة ١٩٦٠م، 5.9% في سنة ١٩٨٦م، وليس هناك أي استثناء في هذا المنحنى الهابط، بانتظام مما يوحي بأنه ليس هناك افتعال في هذه الظاهرة.
فهل تركيز الأقباط في أمكنة بعينها، والتضامن القوي بينهم بسبب التوترات الدينية التي تظهر من وقت إلى آخر، هل كل ذلك يوهم الأقباط بأن عددهم أكبر من الأرقام الرسمية؟ والواقع أن الأقباط يتركزون في معظمهم في منطقتين: القاهرة والصعيد حول المنيا وأسيوط، حيث يمثلون 20% من السكان. والحقيقة أن أقباط مصر شأنهم في ذلك شأن مسيحيي الشرق الآخرين سبقوا المسلمين إلى تخفيض عدد المواليد، ولذلك قد هبطت نسبة عدد الأقباط بالنسبة للعدد الكلي للسكان من ٧,٣ % في سنة ١٩٦٠م إلى ٥,٩ في سنة ١٩٨٦م. [2]
تقرير غريب
فإذا كانت هذه هي حقائق الديموجرافيا عن عدد ونسبة المسيحيين في مصر التي أجمعت عليها دوائر ومراكز الإحصاء الإنجليزية والمصرية والفرنسية والأمريكية .. فغريب وعجيب أن يأتي تقرير الخارجية الأمريكية ليعيب على مصر تمثيل المسيحيين وهم 5% من السكان بـ 20% من عضوية المجلس القومي لحقوق الإنسان؟! لقد اضطررنا، بسبب الافتراء الأمريكي إلى فتح هذا الملف «تعداد غير المسلمين في مصر» الذي يجادل فيه بعضهم بغير علم ولا إحصاء مبين.. مع إيماننا العميق بالمنهج الإسلامي الذي يكرم الإنسان – مطلق الإنسان – حتى عندما يكون فردًا واحدًا ﴿وَلَقَدْ كَرَمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم على كثير ممن خلقنا تفضيلًا﴾ (الإسراء: 70)، فلكل نفس حتى ولو كانت واحدة حرمتها وحقوقها... بل إن العدوان عليها – في الرؤية الإسلامية هو كالعدوان على الإنسانية جمعاء: ﴿من أَجْلٍ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنما قَتَلَ النَّاسَ جميعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فكأنما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ (المائدة: ٣٢).
المشاركة السياسية للمسيحيين
أما حديث التقرير الأمريكي عن ضعف مشاركة المسيحيين المصريين في الانتخابات النيابية، واعتباره ذلك تمييزًا سلبيًا ضدهم, فهو كلام مجانب لحقائق الأمور. فهذه السلبية المسيحية في المشاركة في العمل السياسي هي جزء من ظاهرة مصرية عامة، تشمل المسلمين والمسيحيين على حد سواء، وهي راجعة إلى أسباب عديدة نشأت وتركت منذ ثورة يوليو سنة ١٩٥٢م.. منها غيبة الحياة الحزبية عن المجتمع المصري لأكثر من عقدين من الزمن، ومن ثم غيبة الحراك السياسي عن الأجيال التي ولدت في تلك الحقبة، وضعف مستوى الحراك الحزبي - بسبب ذلك – بعد عودة الأحزاب السياسية إلى مصر. وفي الحالة المسيحية المصرية طرأت عوامل أخرى زادت من هذه السلبية، منها نزعات طائفية سحبت قطاعات مسيحية من الحياة السياسية إلى أحضان الكنيسة, ومنها غلبة الاهتمام بالأنشطة المالية والاقتصادية والتجارية في فترة الانفتاح الاقتصادي التي اقترنت بعودة الحياة الحزبية إلى مصر.
شهادة الأنبا موسى
ويشهد على هذه الحقيقة نيافة الأنبا موسى، عضو المجمع المقدس بالكنيسة الأرثوذكسية وأسقف الشباب، فيقول: «حينما نذكر الأقباط أيام الدولة العثمانية نجد أنهم كانوا مع إخوانهم المصريين لهم دور مشترك.. وكثير من الأقباط عملوا وشاركوا بشكل واضح في الحياة السياسية في عهد محمد علي، والأقباط دورهم بعد ثورة عام ١٩٥٢م تقلص كجزء من التقلص الشامل في المشاركة السياسية بمصر، كانت هناك سلبية شاملة، وأنا أعتقد أن الأقباط جزء مهم من نسيج الحياة المصرية، فهم أطباء وصيادلة ومهندسون وغيرها من المهن ونسبتهم في رجال الأعمال مرتفعة أكثر من نسبتهم العددية في مصر».[3]
تلك هي أسباب السلبية المسيحية في العمل السياسي المصري.. إنها جزء من سلبية عامة، تشمل المصريين – مسلمين ومسيحيين – وهى تزيد في الجانب المسيحي بسبب التوجه الغالب نحو الأنشطة المالية والاقتصادية، ويشهد على ذلك الوزن الملحوظ والثقل الكبير الذي يمثله المسيحيون المصريون في عالم المال والاقتصاد والثراء..
[1] انظر : موقع الإسلام اليوم على الشبكة العالمية للمعلومات في ۲۰۰٩/٩/١٠م
[2] فيليب فارج، رفيق البستاني: «أطلس معلومات العالم العربي»، ص۳۲، طبعة دار المستقبل، القاهرة، ١٩٩٤م
[3] الملل والنحل والأعراق»، ص ٥٢٩- ٥٣٢
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل