العنوان الاستغلال الأمريكي للأقليات.. لماذا تحريم زواج المسلمة بغير المسلم؟
الكاتب د. محمد عمارة
تاريخ النشر الأربعاء 02-فبراير-2011
مشاهدات 57
نشر في العدد 1939
نشر في الصفحة 44
الأربعاء 02-فبراير-2011
اعتبر تقرير للخارجية الأمريكية إباحة الشريعة الإسلامية زواج المسلم بالمسيحية واليهودية، وتحريمها زواج المسلمة بغير المسلم - اعتبر ذلك تمييزًا سلبيًا وتعصبًا دينيًا ضد غير المسلمين، فهو جهل بالحكم والمعايير والقواعد التي تحكم تشريعات الإسلام.
ذلك أن المرجع والعلة في هذا الحكم التشريعي الإسلامي، هو أن المسلم بحكم عقيدته الدينية، يعترف بالمسيحية واليهودية ديانات سماوية، ويحترم ويعظم رموزهما ومقدساتهما، ويؤمن بكتب هذه الديانات وأنبيائها ورسلها.. وينص القرآن الكريم: ﴿ إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ﴾ (المائدة: 44)، ﴿ وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ ) (المائدة: ٤٦)، ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ﴾ (البقرة : ٢٨٥)، كما يدعو الإسلام أهل التوراة والإنجيل إلى الحكم بما فيهما: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَـئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ ﴾ (المائدة:٤٣)، ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فِيهِ﴾ (المائدة : ٤٧).
ولقد قال الصحابي حاطب بن أبي بلتعة للمقوقس: «ونحن لا ننهاك عن دين المسيح، إنما نأمرك به».
ومن ثم، فإن المسلم الذي يتزوج بمسيحية أو بيهودية مأمور – دينيًا - باحترام عقيدة زوجته، وتمكينها من أداء شعائرها.. بل هو منهي عن أن يعرض عليها الدخول في الإسلام، مخافة اقتران العرض بالتأثير!
ولقد جاء في عهد رسول الله ﷺ إلى نصارى نجران، وإلى كل من يتدين بدين النصرانية عبر الزمان والمكان:
ولا يكره أهل البنت على تزويج المسلمين، ولا يضاروا في ذلك إن منعوا خاطبًا أو أبوا تزويجًا، لأن ذلك لا يكون إلا بطيبة قلوبهم، ومسامحة أهوائهم، إن أحبوه ورضوا به.
وإذا صارت النصرانية عند المسلم «زوجة» فعليه أن يرضى بنصرانيتها، ويتبع هواها في الاقتداء برؤسائها، والأخذ بمعالم دينها، ولا يمنعها ذلك فمن خالف ذلك، وأكرهها على شيء من أمر دينها فقد خالف عهد الله وعصى ميثاق رسوله، وهو عند الله من الكاذبين»
وهذا الموقف الإسلامي من احترام عقيدة الزوجة الكتابية، وتقديس رموز دينها وتعظيم أنبيائها وتمكينها من أداء شعائرها، في دور عبادتها، وعلى أيدي رؤساء دينها، هو موقف إسلامي لا نظير له ولا شبيه عند المسيحي واليهودي إزاء المسلمة.. فغير المسلم لا يعترف بالإسلام دينًا سماويًا، ولا برسول الإسلام ﷺ نبيًا ورسولًا ولا بالقرآن الكريم وحيًا إلهيًا..
ومن ثم فإنه غير مطالب - دينيًا - باحترام عقيدة المسلمة، ومراعاة مشاعرها الدينية، وتمكينها من أداء شعائرها، وإقامة العلاقات مع مرجعيتها الدينية، الأمر الذي يشكل مخاوف حقيقية على عقيدتها وحريتها الدينية، وإيذاء لمشاعرها إذا هي اقترنت بمن لا يعترف بدينها، ولا يعظم رموز هذا الدين.
وفي الواقع المعاصر شواهد صارخة على هذه الفروق؛ فحيث تتوالى موجات ازدراء الإسلام والإساءة إلى رموزه ومقدساته، لا تجد مسلمًا واحدًا يخطر بباله الإساءة إلى رموز الديانات السماوية الأخرى.
وحيث بحت أصوات المسلمين في المحافل الدولية مطالبة بتشريع يضمن احترام كل رموز الديانات جميعًا، ويمنع ازدراءها؛ نجد الرفض من أهل الحضارة الغربية - المسيحية / اليهودية الذين يعتبرون ازدراء الإسلام والإساءة إلى رموزه ومقدساته حقًا من حقوق الإنسان في حرية التعبير!
فالقضية في الزواج والأسرة هي أقرب إلى تحقيق الكفاءة بين الأزواج، لتحقيق الوفاق والاحترام والمودة داخل الأسرة - الصغيرة والممتدة - ولا علاقة لها بالتعصب أو التمييز السلبي الذي دعته وثيقة الخارجية الأمريكية، التي جهلت الإسلام ومن ثم تجاهلت حكمة التشريع الإسلامي في هذا المقام.
الهامش
- مجموعة الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلافة الراشدة، ص١٢٦، وانظر: في كلمة حاطب بن أبي بلتعة (٣٥ق هـ - ٣٠ هـ / ٥٨٦ - ٦50م)، ابن عبد الحكم فتوح مصر وأخبارها ص ٤٩، طبعة لندن، سنة 1952م.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل