العنوان الاستنساخ بين الواقع والأخلاق والدين
الكاتب هشام العوضي
تاريخ النشر الثلاثاء 18-مارس-1997
مشاهدات 62
نشر في العدد 1242
نشر في الصفحة 34
الثلاثاء 18-مارس-1997
الذي شاهد الفيلم الأمريكي الشهير «حديقة الديناصورات» أو «الجوراسيك بارك» سيقدر حجم الخيال في قصة الفيلم: عالم يقوم بتجميد وحفظ بويضات مخصبة لديناصورات انقرضت منذ آلاف السنين من أجل إنمائها في حديقته الخاصة التي تجذب اهتمام السياح، وقد حقق الفيلم أرباحًا كبيرة لأن فكرته كانت تسبح في الخيال بجرأة ملحوظة، اليوم يتكرر نفس سيناريو الفيلم ولكن هذه المرة في الواقع لا في الخيال، إنها قصة استنساخ الحيوانات والبشر التي تشهد جدالًا حادًا في الغرب بين مؤيد ورافض.. فما قصة «استنساخ البشر» هذه؟ وهل يشهد الغرب «حديقة من البشر» على غرار حديقة «الديناصورات»؟
تبدأ القصة في شمال بلجيكا إذ تمكن مجموعة من الأطباء من إخصاب بويضة إحدى الأمهات العقيمات، فكانت النتيجة الحمل بولد يبلغ من العمر الآن أربع سنوات هذه القصة حدثت منذ مدة طويلة، ولكن الذي أثارها من جديد هي التجارب التي تشهدها بعض المعامل الطبية في بريطانيا من أجل القيام بنفس العمل تقريبًا، ولكن الفرق هنا هو استنساخ أو استخراج نسخة طبق الأصل في الصورة والطول من كائن - حيوان أو إنسان - موجود أصلًا وقد أثارت التجارب التي أجراها عالم بريطاني حديثًا، ونشر نتائجها في مجلة «الطبيعة» المتخصصة ضجة كبيرة حول «أخلاقية» هذا العمل وأثارة على المدى البعيد؟ فقد تمكن بعض العلماء في مؤسسة روزلين العلمية القريبة من مدينة «أدنبرة» من استنساخ خروف طبق الأصل أسموه «دولي» لخروف اخر موجود قبل ذلك، وأفاد هؤلاء العلماء أنه بالإمكان تطبيق نفس العملية على الإنسان من أجل استنساخ صور متشابهة من البشر لنفس الإنسان «الأصل»، وقد يبدو الأمر في غاية الغرابة من الوهلة الأولى، وقد يثير استهجانات واسعة على أكثر من مستوى أخلاقي وعلمي، ولكن الأمر الذي ينبغي التأكيد عليه، والذي لم تشر إليه الكثير من وسائل الإعلام الغربية والعربية عندما تناولت الموضوع على عادتها في الإثارة على حساب الحقيقة، هو أن معظم هذه الافتراضات فيما يتعلق بالإنسان أو الحيوانات لازالت في إطار البحث والتنظير، مما يجعل من الصعب التكهن بما يمكن أن تؤدي إليه هذه التجارب وما موقف الإسلام منها، وما يزيد الأمر تعقيدًا هو صعوبة فهم ما يقوم به العلماء على وجه التحديد، وما النتائج الحقيقية المترتبة على ذلك، وما حدود هذه التجارب إن كان لها حدود أصلا؟ ويعتبر هذا التقرير أن دوره مقتصر على الإشارة إلى المعلومات المتوفرة في هذا الموضوع وترك مهمة التعليق للمختصين، خاصة والموضوع جديد وبحاجة إلى ترو في فهمه واستيعابه.
طبعًا الذي أثار الضجة على مستويات مختلفة عدة أمور:
۱- على المستوى الأدنى مدى أخلاقية استخدام الحيوانات لإجراء التجارب عليها، وهذا الموضوع قديم قدم مؤسسات الحفاظ على حقوق الحيوانات الناشطة جدًا في الغرب، لكن الموضوع تجدد مع استنساخ الخروف «دولي» حيث أثارته مجلة «نيو ساينتست» البريطانية في عددهًا الأخير مفردة إياه بملف العدد، وأثار الملف الموضوع من جوانب أخلاقية متنوعة مثل قتل أعداد كبيرة من الحيوانات للحصول على قراءات ونتائج متميزة، وهذا من شأنه التأثير على أعداد هذه الحيوانات وتأثير ذلك على الإنسان نفسه، وقد أشارت إحصائيات مختبر روزلين إلى أن المؤسسة أزهقت حوالي ۲۷۷ خروفًا قبل أن تتمكن من «إنتاج» الخروف «دولي»، وكانت الممثلة الفرنسية بريجيت باردو قد اتهمت في وقت لاحق المسلمين الذي يحثهم دينهم على ذبح الخراف في عيد الأضحى غير أن المفارقة هي أن الكثير من المعترضين على ما يقوم به المسلمون لا يجد غضاضة فيما تقوم به مؤسسة روزلين العلمية.
۲- إن الهدف من الاستنساخ ليس دائمًا نبيلًا كما يود العلماء أن يقتنع الناس: فالحيوان المستنسخ هو في الحقيقة يعامل ك قطع غيار للحيوان الأصلي، بمعنى أن الحيوان الأصلي قد يكون مريضًا بفشل كلوي ويحتاج إلى كلية جديدة مماثلة «طبق الأصل» لكليته من ناحية الجينات الوراثية وفصيلة الدم، إلخ فيعمل الأطباء على تصنيع شبيه له وأخذ الكلية منه، وربما التخلص منه بعد ذلك، فمن أجل الحفاظ على حياة كائن يتخلص من حياة الآخر، وهذا بالضبط السبب في كل هذه الضجة حول الموضوع، خاصة إذا تعلق الأمر بالإنسان نفسه، وكل فريق، سواء كان مؤيدًا أو معارضًا، يدلل على رأيه إما من خلال الخطاب العلمي الصرف، أو من خلال - وهذا هو الغالب- المزايدة على العواطف والمشاعر..
مثلًا هناك قائمة طويلة من الحالات الإنسانية التي تنتظر دورها في مختبرات إنتاج الشبه الموجودة في بعض البلاد الغربية والممنوعة في البعض الآخر، أحد هذه الحالات هي حالة أبوين لطفلة عمرها ٦ سنوات مصابة بسرطان الدم، وتزويدها فقط بعظام جديدة هو الأمل في بقائها على قيد الحياة، وما يقوم به هؤلاء الخبراء هو أخذ النواة الحاملة للجينات الوراثية من خلية هذه الطفلة، ثم حقنها في بويضة من أجل أن يحدث إخصاب صناعي يضمن نمو جنين مشابه طبق الأصل لهذه الطفلة لأنه يحمل نفس صفاتها الوراثية، وعندما يولد هذا الجنين الصورة، يأخذ العلماء منه العظام الجديدة ويزرعونها في جسد الطفلة الأصل من أجل أن تعيش.. والإشكالية هنا في هذه العملية الحساسة والخطيرة هو معاملة الكائن الصورة مجرد «احتياطي» للكائن الأصل، وإلقاء بقية الأعضاء غير المرغوبة ولو أدى ذلك إلى إزهاق روح هذه الصورة البريئة، والمزايدة العاطفية التي يقوم بها العلماء - والذين لا يعترف أكثرهم بمكان للعواطف في العلم أصلًا - في وجه سبل الاعتراضات على هذا النوع من التجارب هو قولهم كيف نتحمل أن ترى الأبوين يشهدان موت طفلتهما المريضة في الوقت الذي نستطيع فيه إنقاذها وتقديم الشفاء المناسب لها، وأمام هذا السؤال الإنساني والحالات الكثيرة على القائمة الطويلة وبعضها شديد الخطورة والحساسية يخضع الكثير من الناس لما يقوم به هؤلاء العلماء غير مدرك لأبعاد هذه التجارب على وجه الحقيقة.
مبررات غير مقبولة:
إن الحاصل الآن في بعض هذه المعامل هو مجرد التجريب من أجل التجريب، وليس دائمًا من أجل إنقاذ حياة المرضى كما يقولون.. والجدل المثير الدائر حاليًا هو مدى إمكانية استنساخ صور توأمية لعلماء عباقرة ماتوا منذ سنين من أجل أن يسهموا في حل المشاكل والمعضلات التي نواجهها في عصرنا هذا.. وهي مجرد فكرة يثيرها هؤلاء العلماء من أجل إضفاء الشرعية والإنسانية عن ما يقومون به... مثلًا يتحدث فريق من العلماء على إمكانية استنساخ شبيه صورة طبق الأصل بعالم الفيزياء الشهير «ألبرت أينشتاين» واضع نظرية النسبية، بحيث يكون بإمكان هذا الشبيه الحصول مرة أخرى على جائزة نوبل ولكن هذه المرة لاكتشافه قوانين جديدة لمشاكل أخرى حديثة! ولكن الفريق الآخر يكذب هذا الأمل على اعتبار أن القضية - لو صحت وتحققت - لا تعتمد كلية على تشابه الجينات الوراثية وإنما على البيئة والمحيط أيضًا، بما في ذلك واقع التاريخ، والأسرة والمدرسة، فهل سيكون بمقدور هؤلاء العلماء استنساخ صور شبيهة للمدرسة التي كان يذهب إليها أينشتاين، فضلًا عن استنساخ أبويه واستنساخ التاريخ كله برمته؟ من هنا يأتي القول بأن معظم هذه التكهنات هي مجرد أحلام، وفي ما بعض الأحيان ذر الرماد على العيون - لتبرير ما يقوم به هؤلاء العلماء.
تجاوز حدود العلم:
ومع هذا فالكثير من الناس يستهجن فكرة الاستنساخ هذه ويعتبرها مجاوزة سلبية لحدود العلم... فالرئيس الأمريكي بيل كلينتون على سبيل المثال شكل لجنة خاصة من الأطباء والعلماء للبحث في تفاصيل هذه التجارب، وإعداد تقرير واف وعاجل حول هذه الظاهرة خلال ٩٠ يومًا فقط وعلى الرغم من أن رئيس جامعة برينستون الأمريكية هارولد شابيرو ورئيس اللجنة الخاصة التي شكلها كلينتون يشك في أن اللجنة ستتمكن من تقديم رأي مفصل حول هذه التجارب في ٩٠ يومًا، إلا أن هناك ضغوطًا قائمة لاتخاذ قرارات حاسمة في هذه القضية، ومع أن استنساخ البشر غير ممنوع كما هو في ألمانيا مثلًا، إلا أن الكثير من الأطباء في أمريكا لا يريدون الإفصاح عن طبيعة ما يقومون به من تجارب، خاصة في أعقاب ما حدث في ۱۹۹۳م، حيث قام الطبيبان جيري هول وروبرت ستيلمان من جامعة جورج تاون الأمريكية بتصنيع توأمين من خلال عملية الاستنساخ هذه، ولكن بعد سلسلة من العمليات والتجارب التي راحت ضحيتها عدة أجنة من هنا يرى فريق من الأطباء حكمة التكتم بما يقومون به في مختبراتهم الخاصة كي لا يثار ضدهم استياء الرأي العام.
انتقاد فرنسي:
وعلى الرغم من أن بلجيكا تجيز هذه النوعية من التجارب إلا أن دولاً أخرى مثل فرنسا تندد بها بشدة، إذ انتقد وزير البحث في الحكومة الفرنسية ظاهرة الاستنساخ معتبرًا إياها غير متوقعة أو طبيعية، فيما اعتبرها المجلس الأوروبي «غير مقبولة». أما في ألمانيا فقد نفى وزير البحث الألماني أن يكون هناك قبول ما يسمى بـ الاستنساخ الإنساني، وفي بريطانيا، فعلى الرغم من عدم وجود هذا النوع من التجارب على الإنسان، إلا أنه من المستبعد أن تقرها مستقبلًا «هيئة الإخصاب والأجنة الإنسانية»، وهي السلطة العليا المشرفة على أبحاث الأجنة، ويشمل التنديد أيضًا المستوى الأكاديمي والعلمي المتخصص، حيث جرم الناقد العلمي جيرمي ريفكن القائمين على هذه الأعمال معتبرًا «أن عقليتنا في التعامل مع الآلات الصماء في المصانع لا ينبغي أن تؤثر على كيفية تعاملنا مع البشر»، ويتفق مع ريفكن البروفيسور أكيرا ارتاني من جامعة أوسكاكينكي والمتخصص في علم الأجنة إذ يحذر هو الآخر من خطورة تطبيق آليات الاستنساخ على الإنسان.
غياب الإيمان:
وبعيدًا عن ضجيج التصريحات وأدلة الفريقين من المؤيدين والمعارضين من الصعب تقديم قراءة أخلاقية مفصلة حول هذه الظاهرة خاصة وكما أشرنا لا يزال الموضوع جديدًا وفيه جوانب غامضة، ولكن على الرغم من ذلك، فإن هذه المشكلة مضافة إلى مشاكل أخرى حساسة أيضًا مثل الإجهاض وقتل المريض بحجة اليأس من شفائه وإخصاب بويضة الزوجة بماء رجل أجنبي، كل هذه ظواهر مشتركة في شيء واحد وهو انقطاع صلة هؤلاء الناس بالله، وغياب الأمل بحياة أخرى قد تتعوض فيها كل هذه الآلام من عقم وأمراض... إلخ، فالكثير من هؤلاء الناس غير قانع بالكيفية التي خلقه الله بها، ويريد أن «يفصل» خلقة على مزاجه وبحسب هواه، ومن هنا رواج عمليات التجميل في الغرب، وهي عدوى انتقلت حديثًا إلى الشرق أيضًا، الشيء الآخر هو إساءة الغرب لمفهوم الحرية الفردية، وأن الفرد حر في أن يفعل ما يريد مادام ذلك بناء على رغبته، والمفارقة أنه باسم هذه الحرية تزهق أرواح كميات من الأجنة والحيوانات البريئة باسم التجارب وباسم العلم وهذا يناقض مفهوم الحرية حق الإنسان في أن يعيش هذا الكلام قد لا يقبله الغرب لأنه كلام «أخلاقي» والأخلاق أشياء شخصية لا يمكن إثباتها بالعلم وفي أنابيب الاختبار، ولكن الأخلاق هي ما يحتاجها الغرب فعلًا، لأن الأخلاق هي التي من شأنها التخفيف من حدة هذا السيل من التجارب التي لا ترضي سوى طموح بعض العلماء الذي أدمن التجربة من أجل التجربة.
وقد تنجح الدول الغربية في منع ما يسمى باستنساخ البشر، ولكنها لن تنجح في منع المعامل الخاصة من القيام بها، خاصة تلك التي تعمل تحت الأرض، ولا تحتاج إلى دعم مادي من الدولة، وهذه هي المشكلة الحقيقية، في فيلم «حديقة الديناصورات» يقوم بعض العلماء بالعبث في البويضات المخصبة لهذه الديناصورات فتكون النتيجة أن تهجم هذه الديناصورات الضخمة على العلماء وتقضي عليهم، وقد يحدث لعلماء العبث بالإنسان نفس الشيء - هذه المرة في الواقع وليس في الخيال.