العنوان الافتتاحية.. السلام عليك. أيها النبي
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 10-أبريل-1973
مشاهدات 200
نشر في العدد 145
نشر في الصفحة 4
الثلاثاء 10-أبريل-1973
المجتمع
الافتتاحية
السلام عليك. أيها النبي
(٦٢) عامًا قضاها -عليه صلاة والسلام- فوق أرضنا وفي عالمنا البشري، ودع هذه الحياة، منتقلًا الرفيق الأعلى
وقريبًا من ربع قرن-۲۳سنة هي عمر الوحي وتنزل الرسالة -لبث النبي العظيم يحمل الحقيقة ويحياها، يقدمها للحياة والإنسان في صدق ورحمة وأمانة، وعزم المرسلين.
ونجح الرسول محمد -صلى الله عليه وسلم- أعظم النجاح في أداء رسالته التي اختاره الله لها، واصطفاه لتبليغها.
الرجال الكبار-في عقولهم وأرواحهم وهمتهم-.. حوله وحملوا العبء المسؤولية بإخلاص وجد ونشاط.
وهذا نجاح أي نجاح.. لأن موضوع الرسالة وبالتالي موضوع رسالات السماء كلها – هو «الإنسان»
قلبه وروحه وعقله ماضيه، وحاضره ومستقبله، سلوكه ومشكلاته وهمومه، ضعفه وقوته ونيته.
أجل، هذا هو موضوع الرسل والرسالات، وليس صدفة أن يتكرر تعبير «الإنسان» في الجمل الأولى من السورة الأولى في القرآن:
﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ (سورة العلق: آية 3-5)
فالإنسان الذي خلق من علق -وهذا تلخيص لطبيعته البشرية وارتباطاته الطبيعية والإنسان الذي ألهمه الله العلم، وأودع فيه القدرة على الفهم والملاحظة، وإجراء التجارب، وأودع فيه القدرة على الاكتشاف والإبداع- وهذا إرهاص بالمستقبل العلمي للإنسان، هذا الإنسان هو «موضوع» الرسالة.
ومن هذه النقطة بدأ الرسول، وحولها ركز جهوده المضيئة واستطاع -بإذن الله- إنفاذ النور إلى قلب الإنسان، كما استطاع تفجير قواه العقلية والروحية.
إن إسلام أبي بكر، وعمر، وعلي، وعثمان، وأبي عبيدة، وابن عوف، وبلال، وحمزة، ومصعب، وصهيب، وسعد ابن أبي وقاص- إلى آخر الثلة المتألقة بالأيمان- إسلام هؤلاء يظل أبرز وأعظم علامات نجاح الرسول في تبليغ الرسالةـ وأداء الأمانة.
إن قيام الدولة، وتوسيع رقعة الأرض، وتميز الكيان الدولي الخاص هذه اعتبارات ثانوية بالنسبة إلى الموضوع الرئيسي: وهو النجاح في منطقة الإنسان، وتحويله الى عقيدة أنقى، وقبلة أقدس، وربطه بهدف أعظم.
ونقول اعتبارات ثانوية؛ لأنها هي ذاتها نتيجة لازمة -بالمنطق السببي وبالمنطق العملي معًا- لوجود الإنسان الفالح بالأيمان، الصالح بالله، الناضح بالخير.
هذه حقيقة لا نبرح ندندن حولها، وسيظل الدعاة بعيدين عن فرص النجاح، وسيظل عملهم قليل الثمرات ما داموا متخطين لنقطة البدء، متجاوزين لموضوع النشاط ومحوره «الإنسان».
ولئن وضح معنى الاهتمام بالإنسان في الجانب الإيجابي فإن الجانب السلبي -الفشل في بناء الإنسان- يزيد القضية وضوحًا.
العالم الثالث كله يئن من وطأة التخلف، ومن الدراسات الميدانية والإحصاءات العلمية تبين أن سبب تخلف العالم الثالث هو: إقدام الدول المتخلفة على بناء المشاريع الزراعية والصناعية، وإهمالها الذي یكاد يكون تامًا في بناء الإنسان.
وكانت النتيجة فشلًا في الزراعة والصناعة، وتبديدًا للقروض، إما في مجالات استثمار غير مدروسة وغير مجدية، وإما في الاختلاس والسرقات.
والدول الصناعية المتقدمة تواجه نفس المشكلة، ولكن في مستوى آخر، فهي قد عنيت ببناء الإنسان في جانبه الفني والتقني، ونجحت في نهضتها الزراعية والصناعية.
وكانت تتوقع أن تهنأ بهذه النهضة، إلا أن مشكلات أخرى -ناتجة عن إهمال في بناء الإنسان- أربكت يا من بَدأْتَ... بمن بَدأَ الله به بَدأْتَ... بالإنسان
حياتها الاجتماعية، فالجريمة والعنف والمخدرات والأمراض العصبية، هذه جميعًا معوقات لسير الإنسان نحو الكمال، وهذه المعوقات تعتبر خللًا في بناء الإنسان.
• وكما نجح الرسول في بناء الإنسان، نجح في شرح رسالته.
إن «البلاغ المبين» يقتضي توضيح الفكرة بأكمل، وأدق، وأجمل أسلوب.
إن الرسول حبب الإيمان إلى الناس بأسلوب واضح جميل؛ حتى جعلهم يقبلون على ربهم بشوق، ويرتبطون به في محبة، وقدم إليهم «القيم» بأسلوب عذب؛ حتى تحولت إلى دم يجري في عروقهم، وإلى نبض حي في أفئدتهم وأرواحهم، وقدم إليهم العبادات بأسلوب رقيق رفيق؛ حتى نشطوا وتجاوزا الفرائض إلى التطوع؛ شوقًا إلى مناجاة ربهم الودود، وهذا هو البلاغ المبين، فهل نطمع أن يأخذ دعاة اليوم أنفسهم بهذا النهج؟
إن المستمع مسئول عن تجاوبه مع الحقيقة، نعم، ولكن المتحدث مسئول -قبلًا- عن تقديم هذه الحقيقة، وعرضها في أحسن صورة، وأجمل بیان، والشكل الظاهري -جمال الألفاظـ لا يكفي؛ فمن الضروري أن يقترن حسن العرض بمشاعر الرحمة، والرفق، والتواضع، والحنو، واللطف، والتهذيب، فإذا أعرض المستمع بسبب نقصان في البلاغ المبين، تحمل المتحدث التبعة كاملة، وتحمل مسئولية الصد عن سبيل الله.
إن المحلات التجارية لا تضع على أبوابها، ولا في داخلها باعة منفرين؛ لأن المشتري يُعرض عن المحل قبل أن يرى البضاعة، فكيف يحمل رسالة جليلة رجال من هذا النوع؟
• ولا تزال أمتنا تحصر المعاني الكبيرة، وتحاصرها في أضيق المفهومات، مثلًا: مفهوم «سُنة الرسول» -عليه الصلاة والسلام- إن سلوك الرسول هو قمة الحق والخير والضياء، فلماذا يحصره أقوام في مفهومات محدودة؟
الموقف الطبيعي أن يكون الذهن مستعدًّا دومًا للتمدد والاتساع مع المعنى الكبير العظيم، وهذا هو ما يعبر عنه «بالنضح»، ولا ينبغي أبدًا أن يخضع المعنى العظيم للذهن الضيق.
• من سُنَّة الرسول الإحساس بآلآم الناس ومشكلاتهم:
عن جرير قال: كنا في صدر النهار عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فجاءه قوم عراة، مجتابي النمار، مشقوقي الملابس، عامتهم من مضر فتمعر، تغير وحزن وجه الرسول لما رأى بهم من الفاقة، فدخل ثم خرج، فأمر بلالًا فأذن وأقام، فصلى ثم خطب، وكان مما قال: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفۡسٖ وَٰحِدَةٖ وَخَلَقَ مِنۡهَا زَوۡجَهَا وَبَثَّ مِنۡهُمَا رِجَالٗا كَثِيرٗا وَنِسَآءٗۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلۡأَرۡحَامَۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيۡكُمۡ رَقِيبٗا﴾ (سورة النساء: 1)، ثم قال: «ليتصدق رجل من ديناره، من درهمه، من ثوبه، من صاع بره، من صاع تمره» حتى قال: «ولو بشق تمرة».
فجاءه رجل من الأنصار بصرة كادت كفه تعجز عنها؛ بل لقد عجزت. ثم تتابع الناس حتى رأيت كومين من طعام وثياب، حتى رأيت وجه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يتهلل كأنه مذهبة، فقال رسول الله: «من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من أجورهم شيئًا».
• ومن سُنته نقاء السريرة وصفاء الطوية: «لا يبلغني أحد منكم عن أحد من أصحابي شيئًا، فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر».
• ومن سُنته الرفق: «إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، وما لا يعطي على سواه»، «ما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما نزع الرفق من شيءٍ إلا شانه».
نشهد أنَّ محمدًا رسول الله، والسلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته.
الرابط المختصر :
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل