العنوان الافتتاحية (العدد 150)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 15-مايو-1973
مشاهدات 81
نشر في العدد 150
نشر في الصفحة 4
الثلاثاء 15-مايو-1973
المجتمع -
رأي في الأحداث:
ووترجيت
أزمة رجال.. ونظام
هل تنتهي أزمة «الووترغيت» إلى أرشيفات الصحف القديمة وسجلات التقارير الرسمية ويتفرغ المجتمع العالمي إلى التسلى بفضيحة جديدة من الفضائح المتصلة؟
وهل سيكون «فندق ووترغيت» هو الرابح الوحيد من هذه العاصفة - للشهرة المجانية التي وجدها أثر ذياع الفضيحة وتردد اسمه في كل بقاع العالم؟
إن الأثر الحقيقي الذى ينبغي أن تحدثه «مسألة الووترغيت» يجب أن يتعدى الضجة الإعلامية وأن يتعدى حتى الشرخ العميق الذي أحدثه في الإدارة الأميركية إلى شرخ أبعد عمقًا في سلبيات التفكير الشعبي في أميركا وخارج أميركا على السواء.
ذلك أن فضيحة «ووترغيت» هي فضيحة النظام السياسي الأميركي وهي فضيحة «العظماء الأمريكان» وهي فضيحة الخلق والتربية الأميركية.. وإذا كانت الفضيحة قد صادفت «كرامة» الرئيس الذي حقق أضخم انتصار سياسي بفوزه الكاسح في الانتخابات الأخيرة... فإن ذلك يجسد المأساة أكثر وأكثر ويعصف بالنظام وبمقياس الإرادة الشعبية ويفجر أزمة ثقة لا مثيل لها في نفوس الجماهير..
بعد أن تصاعدت المفاجأة في القضية وأصبحت التحريات تسوق إلى الاتهام كل صباح مسؤولًا جديدًا وتمتد إلى مركز أكثر حساسية في الدولة... أصيب الأميركيون بخيبة أمل كبرى في النظام الأميركي.
والقضية في صميمها تزوير للانتخابات وتزييف للإرادة الشعبية... وبالتالي فإن الحرية السياسية والسلطة الشعبية أصبحت محل شك كبير كما أن وجود شخصيات فاسدة تمارس هذا التزوير في قمة القيادة السياسية وكون «البيت الأبيض» نفسه هو الجهة المتهمة بممارسة التزوير والتورط في الفساد - أن ذلك دليل مفجع على انهيار النظام السياسي وفشله...
لقد انطمست الصورة الجميلة التي كان يعتز بها الأميركيون ويفرحون بها... صورة أميركا الحرة.. والنظام الديموقراطي... والقيادة المخلصة المنتخبة.. وبدأ النظام في أميركا يواجه حملة انتقادات عنيفة من الجماهير التي اصبحت تتحدث بمرارة عن فشله وعن السلبيات والثغرات التي أتاحت لمثل أولئك الأشخاص بالتسلل إلى القيادة وسمحت لهم بالتورط في فضائح بهذا المستوى...
ومن الأسئلة التي ترددت في الأوساط الشعبية - بعد أن قيل أن الرئيس نيكسون يجهل «!!» تمامًا العملية التي يقوم بها أقرب معاونيه لحمايته من السقوط في الانتخابات وإبقائه في الحكم فترة أخرى - من الأسئلة التي ترددت، لماذا يحرص بعض الناس على إبقاء نيكسون في الحكم على حساب القانون والأخلاق وما هي مصلحة ذلك؟ ومن هم هؤلاء الذين لا يدرى نيكسون عنهم الكثير؟
هل يعني ذلك أن بقاء نيكسون هو من أجل هذه الفئة وليس من أجل الشعب الأميركي؟ وأن الرئيس الأميركي يأتي بإرادة من لإرادة الجماهير ويأتي من غير الأسلوب الديموقراطي.
إنها ردة فعل عنيفة على أزمة الثقة الشعبية في الديموقراطي الّتي سببتها فضيحة «ووترغيت». وقد اضُطر الرئيس الأميركي إلى إصدار بيانه الشهير دفاعًا عن النظام الَّذي يتربع على عرشه للمرة الثانية..فقال أن هذه الأزمة لا تعنى أبدًا فشل النظام أو تدلِّل على فساده بل إن انفضاح هذه العملية و كشفها يرجع إلى سلامة النظام الديموقراطي ويدلل على قيمة الحرية السياسية..
ويستمد حديث الرئيس الأمريكي السحر الَّذي تُشيعه كلمة «الحرية» الجماهير المتعطِّشة للحرية في هذا العالم المكبوت الّذي أصبحت فيه الحرية حُلمًا وأملًا عزيزًا حتى في العالم «الحر». ولكن مشكلة القاعدة الأميركية هي أنها اكتشفت أن الحرية في بلادها وهم، وأنها مجرد مناخ صالح للانتهازيين والفاسدين وأنها شعار براق ورائج في سوق السياسة.. والجماهير لا تريد النظام الَّذي تتكشَّف فيه الضمائر الخَرِبة...
وإن كان في حديث نيكسون شيءٌ من الحقيقة فإن في موقف الرأي العام الأميركي المتشكك الحقيقة... الكاملة.
ولا شكَّ أن أكثر ما أثار الضجة في فضيحة«ووترغيت» وعظَّم من هول المصيبة في نفوس المواطنين الأميركيين وزاد من أزمة الثقة بينهم وبين النظام..هي المكانة الكبيرة الَّتي يحتلُّها المتهمون والمواقع الحسَّاسة الَّتي يشغلونها في الإدارة الأميركية..
منهم هالدمان أمين عام البيت الأبيض وآرليخمان مستشار نیکسون للشئون الداخلية..ومنهم جون دين المستشار القانوني للرئيس نيكسون الَّذي قدم تقارير مزورة ليتستر على المتهمين، وخدع نيكسون كما يقال-وجعله ينفي أمام الشعب الأميركي أية صلة لموظَّفي البيت الأبيض بالقضية ومنهم «ماغراى» رئيس مكتب التحقيقات الفدرالي!! الذي أتلف بعض ملفات القضية، وماغرودر نائب وزيـر التجارة والمستر ستانس وزير التجارة السابق الَّذي مول العملية كلها، ووزير العدل ریتشارد کلیندینست.. هذا بالإضافة إلى أن المتهمين بالاشتراك الفعلي في العملية عملاء سابقون في مكتب التحقيقات الفدرالي ووكالة الاستخبارات المركزية..
كما تعرض القاضي الّذي تولّى التحقيق نفسه إلى الإغراء من قِبَل رجال البيت الأبيض على أمل التغطية على القضية وحماية المشتركين فيها.
إذن فقد شملت الاتهامات مسؤولين عن الأمن والقضاء ومسؤولين سياسيين في البيت الأبيض ومسؤولين في شؤون المال. وحينما يمتد الفساد لهذه الأجهزة فمن حقِّ الجماهير أن تفقد الثقة في النظام الأمريكي وتصفه بالفشل والانهيار.ولعل السؤال الذي يزيد من قلق الشعب الأميركي ومن أزمته هو «كم من ووترغيت!» كتب لها الستر وكم من قادة لم ينكشف أمرهم بعد»؟؟.
«والمعروف أن قضية «ووترغيت» انكشفت عن طريق الصدفة المحضة حينما علِقت قصاصة من إحدى شرائط التسجيل على حافَّة أحد الأبواب في الفندق فلاحظها الحارس..وظنها في البداية من فعل لصوص المنازل!».
ولعل أزمة الثقة في النظام الأميركي لا تقتصر على الأميركيين وحدهم فإن العالم الخارجي الّذي يتعامل مع النظام الأميركي أحق بالقلق من المواطنين الأميركان...إذ إن الذين سوغوا لأنفسهم أن يتجسسوا على مؤسَّسات أميركية محضة ويزيفوا إرادة مواطنيهم ويفسدوا الحياة السياسية في أميركا، لا يتورعون عن التغرير بالآخرين والتعامل معهم بأسلوب يتجاوز حدود الخلق السياسي... وليس أدل على ذلك من أن الأسماء الَّتي وردت في الفضيحة التاريخية هي أسماء عريقة في التعامل مع الآخرين عرفها الناس في قضايا خارجية مثل عملية «خليج الخنازير»...فإلى أي مدى يطمئن الناس إلى التعامُل مع نظام يتورط مسؤوليه في عملية بمستوى عالٍ من الخطورة مثل عملية «ووترغيت»..
كذلك فإن الذين كانت تبهرهم صورة النظام الديموقراطي الغربي ربما كانت هذه الصدمة بداية مرحلة جديدة في مراجعة تصوراتهم وأفكارهم... لقد أصبحت الحرية مَطلبًا عزيزًا في الشرق العربي بعد السنين المأساوية الَّتي تسلَّطت فيها الأنظمة القهرية.. ومارست عمليات تجسس«رسمية» على الأفراد في منازلهم...
على أن رد الفعل يجب ألا يكون التطلُّع إلى نظام الأميركي الذي فضحته فضيحة ووترغيت.. وإنما ينبغى التعلُّم من النظام الإسلامي الَّذي تحقَّق يومًا على هذه ذاتها وضرب مثلًا عظيمًا في الممارسة الأخلاقية ابتداءً من سلوك الفرد وإلى سلوك الحاكم والدولة حينما أشاع الحرية وربى الناس على مكارم الأخلاق واستقامة السلوك وحرم التجسس...وألزم الناس بشرف الوسيلة في العمل والصراع.
الرابط المختصر :
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل