; دروس من الأزمة العراقية | مجلة المجتمع

العنوان دروس من الأزمة العراقية

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 03-مارس-1998

مشاهدات 63

نشر في العدد 1290

نشر في الصفحة 9

الثلاثاء 03-مارس-1998

تراجع النظام العراقي كما توقعنا وتعهد بأن يقدم للجنة الخاصة المكلفة بإزالة الأسلحة المحظورة وللوكالة الدولية للطاقة الذرية دخولًا فوريًا غير مشروط وغير مقيد، وفق نص الاتفاق الذي أبرمته الحكومة العراقية مع الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان الأسبوع الماضي.

تراجع النظام العراقي عن شروط السيادة الوطنية التي تذكرها فجأة حين وصل التفتيش إلى قصور صدام حسين، ولا ندري لم لم يتذكرها منذ أن أصبحت أرض العراق كلًا مستباحًا منذ عام 1991م نتيجة حماقته الجنونية وإقدامه على غزو الكويت.

تراجع صدام بعد أن تسبب في أزمة عاش معها العالم كله أيامًا صعبة وبعد أن امتلأت صفحة الخليج بحشود عسكرية ضخمة تعلن الولايات المتحدة وبريطانيا اليوم أنها ستظل في المنطقة إلى أجل غير مسمى والحجة في ذلك هي ضمان مراقبة تنفيذ الاتفاق بين العراق والأمم المتحدة لأن صدام حسين لا أمان له.

والآن وقد زال خطر المواجهة العسكرية ولو إلى حين فإن من حق شعوب المنطقة والعالم الإسلامي أجمع أن يطرح عددًا من الأسئلة الحائرة: فإلى متى يظل النظام الحاكم في بغداد يعرض أمن المنطقة للخطر ويجر على شعوبها الويلات؟ ويتكرر منه ذلك عدة مرات وفي كل مرة تدفع دول المنطقة الثمن الباهظ؟ وإلى متى يظل أمن المنطقة مرهونًا بيد حاكم مستبد لا يراعي مصلحة بلده، ولا الأمة التي ينتمي إليها، وبين قوى غريبة تضع مصالحها الخاصة فوق كل اعتبار؟ 

وكيف ومتى يمكن لنا أن نواجه المخاطر بإمكاناتنا التي حبانا الله إياها مستمدين العون والتوفيق منه وحده؟ وإلى متى نظل منشغلين في قضايا جانبية مستحدثة تلهينا عن المواجهة الحتمية القادمة؟

1- إن أول الدروس التي نخرج بها من الأزمة هو أن الشعوب المضطهدة المبتلاة بحكامها المستبدين أمثال صدام حسين في حاجة إلى ترسيخ مبادئ الشورى والعدل والمساواة والحرية وتفعيل إرادة الشعوب وأن يكون لأولي الحلم والنهى صوت مسموع فلا يستبد شخص برأي ولا يُنفذ ما يصوره له هواه أو خيالة المريض، ومطامعه الحاقدة، دون أن يجرؤ أحد على معارضته، ولا يملك حاكم أن يُقدم على ما أقدم عليه طاغية العراق، لأن مؤسسات الدولة الرشيدة ستحول دون ذلك.

٢ . وقد أظهرت الأزمة الحاجة إلى تفعيل عناصر القوة الذاتية البشرية والمادية وأن تكون قوتنا عند مستوى الخطر الذي يتهددنا وهذا يستدعي تنشئة الأجيال تنشئة إسلامية صحيحة تجعل ولاء الفرد لله أولًا وآخرًا ولا تترك الشباب والأجيال فريسة لضياع محقق بعيدًا عن الدين والقيم، إن الجيش المؤمن... الصادق الإيمان هو الذي يستطيع مواجهة الخطر، بل ويحقق النصر لأنه يستمد قوته من الله ويتحقق فيه وعد الله ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (الحج:40) ﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (محمد:7).

إن الضعف الحالي في بعض الإمكانات البشرية والمادية ينبغي أن يتم تعويضه من خلال تعاون وتكاتف وترابط أطراف الأمة الإسلامية وتفعيل دور المؤسسات والمنظمات الإقليمية والدولية وأولها مجلس التعاون الخليجي والجامعة العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي، ولكي تحقق هذه المؤسسات دورها المنشود ينبغي أن تتحلى بالتوجه الإسلامي الصادق وأن تمنح بعد ذلك الصلاحيات التي تمكنها من تأدية الدور المطلوب منها.

 ٤ - إنه لا يمكن لأمة تتطلع إلى المجد وترنو إلى السيادة على مقدراتها وتريد أن يكون لها دور مؤثر على أحداث العالم لا يمكن لأمة هذه أمالها وطموحاتها أن تنتظر حلولًا لمشاكلها من اطراف خارجية لها مصالحها المشبوهة، وقد رأينا أنه حين تتدخل بعض القوى في المنطقة لا يكون ذلك دائمًا من باب نصرة العدالة أو رفع الغين عن المظلوم، وإنما لتحقيق مصالحها التي لا يشترط أن تتطابق مع مصالحنا على الدوام، بل قد تتعارض معها، لقد ظهر جليًا خلال الأزمة الأخيرة أنه كانت لدى البعض تمنيات ورغبات ملحة للقيام بالضربة العسكرية تحقيقًا لمصالح معينة ولترسيخ أوضاع خاصة ليست بالضرورة في صالح المنطقة.

5- ولا ينبغي أن تلهينا تلك المسرحيات التي تطرح في المنطقة، فالعداوة الظاهرة قد تخفي تحالفًا وتعاونًا، وفي هذا الصدد فقد ولدت عند الكثيرين قناعة مفادها أن حاكم بغداد يحقق مصالح الأطراف التي يدعي عداوتها، وهو مبدأ قديم عرفته المنطقة منذ عهد الانقلابات العسكرية، حيث كان البعض يدعي عداوته للغرب -خداعًا لشعبه- بينما هو في الحقيقة يحقق مصالح الغرب وأطماعه.

٦- كما أظهرت الأزمة أن العالم يفتقر إلى قواعد واضحة في التعامل الدولي، فالسعي لتطبيق القانون على أحد المعتدين لا يجد الدعم والتأييد والمصداقية إذا كان هناك تحيز ظاهر لمعتد آخر وإذا كانت الدول الكبرى وخاصة الولايات المتحدة تكيل بمكيالين، فأمريكا وإن كانت تدعي زعامة العالم حاليًا فهي ليست سيدة العالم، وهناك فارق بين الزعامة والسيادة، وأن الاغترار بالقوة وتطويع الأوضاع الدولية لتحقيق مصالح البعض لا يمكن أن يحقق الأمن والاستقرار في العالم، والمطلوب أن تعامل القضايا الدولية جميعًا بمكيال واحد، وهذا ما يحقق أمن واستقرار العالم بأكمله.

7- إن الانشغال بمثل تلك الأزمات الطارئة التي يثيرها حاكم بغداد لا ينبغي أن يلفتنا عن خطر الصهيونية فهو الخطر الأكبر الذي يسعى لابتلاع البلدان وتذويب الهوية وصرف الأمة عن دينها والاستيلاء على مقدساتها وهي المواجهة الحتمية القادمة فماذا أعددنا لها؟

إن أمتنا مستهدفة من الصهيونية والقوى التي تساندها وتقف وراءها وما نراه هنا أو هناك ما هو إلا شواهد على هذا الاستهداف وخطوات لتحقيق الهدف النهائي للصهيونية، وما يقوم به صدام الآن ليس دفاعًا عن الأمة، ولكنه يدخل ضمن الخطط التي تفت من عضدها ويشتت شملها ويضعف من شوكتها.

 إن الخطر ماحق... والهجمة شرسة... فالله الله في المقدسات.. والله الله في الحرمات. ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾، (آل عمران:173)، ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ (آل عمران:139).

الرابط المختصر :