العنوان ذهب ريغان.... فهل ينتهي العنف الأمريكي؟
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 24-يناير-1989
مشاهدات 73
نشر في العدد 901
نشر في الصفحة 4
الثلاثاء 24-يناير-1989
ذهب
ريغان.... فهل ينتهي العنف الأمريكي؟
في العشرين
من هذا الشهر غربت شمس الرئيس ريغان، وغادر البيت الأبيض تاركًا إياه لخلفه جورج
بوش الرئيس الجديد للولايات المتحدة الأمريكية، وإذا كان الرئيس ريغان قد غاب عن
الساحة السياسية؛ فإن ذكرى عنفه لن تغيب عن الأذهان، فحتى أيامه الأخيرة في البيت
الأبيض كان الرئيس ريغان يرعد و يزبد، و يهدد بالويل والثبور وعظائم الأمور، لمن
وضعهم على رأس «قائمة أعدائه»، وكأنه أراد أن تكون النهاية قوية
مثل البداية، ناسيًا أنه ترك التمثيل وأفلام الكابوي من زمان بعيد، وأن العمل
السياسي غير التمثيل السينمائي.
حقًا
لم يشهد تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية إدارة أدمنت على استخدام العنف لحل
قضايا سياستها الخارجية مثل إدارة رونالد ريغان، رغم كل ما كان يتشدق به هو
ومعاونوه عن السلام والأمن العالميين، ورغم ما كانت تدعو إليه إدارته من ضرورة اللجوء إلى التفاوض لحل النزاعات
الدولية، لقد كان العالم يسمع من ريغان هذا الكلام الناعم- عن السلام، وعن
المفاوضات، وعن نبذ العنف- وفي الغد يسمع هدير البوارج والطائرات الأمريكية
المعتدية على الشعوب؛ فيفهم ويعي ما يعنيه ريغان، ويعرف أن كلام سيد البيت
الأبيض موجه «للصغار»، أما الدبلوماسية الأمريكية فلا شأن لها
به، وهي بإيعاز من ريغان نفسه جعلت للرصاص الدور الأول في اتصالاتها ومفاوضاتها وأساليب إقناعها.
فخلال
فترة رئاسة ريغان وحدها استخدمت القوة العسكرية أكثر من مرة، وعلى نحو استفزازي
أثار امتعاض الجميع وقلقهم في التدخل العسكري في لبنان، إلى غزو غرينادا، إلى
الهجوم الجوي على ليبيا سنة ١٩٨٦، إلى محاصرة نيكاراغوا وتلغيم موانئها، إلى
التحرك في الخليج، إلى اختطاف طائرة أبو العباس فوق البحر الأبيض المتوسط، إلى
إسقاط الطائرات الليبية في الأيام الأخيرة من العام ۱۹۸۸، وليست هذه كل القائمة، ولا
بد أن نذكر ضمنها المناورات العسكرية التي تختارها أمريكا مسرحًا دائمًا على مقربة
من أماكن التوتر، فعندما بدأت نيكاراغوا تتعقب فصائل الكونترا، أجرت القوات
الأمريكية مناوراتها في هندوراس على الحدود النيكاراغوية، وعندما أعلنت ليبيا أن
خليج سرت مياهًا إقليمية ليبية، لم يجد الأسطول السادس الأمريكي سوى خليج سرت
لإجراء مناوراته فيه، أضف إلى ذلك محاولات التخلص من الجنرال ترويغا في بنما، وشحن الأسلحة سرًا لإيران.
فماذا
يعني كل هذا؟ إنه يعني باختصار أن العنف الأمريكي حل محل التفاوض، وأن الرصاص
الأمريكي لعب دور الاتصالات الدبلوماسية والمفاوضات لحل الخلافات والنزاعات،
والغريب في الأمر أن مسلسل العنف الأمريكي رافقته دعوة ريغانية حارة- للآخرين فقط-
لنبذ العنف والإرهاب، وتجنب حل النزاعات بواسطة البندقية.
واليوم-
وبعد رحيل ريغان- نحن نتساءل هل ينتهي مسلسل العنف الأمريكي؟ هل يتعظ جورج بوش
بفشل سياسة البوارج وسياسة الصعلكة العسكرية التي اتبعها ريغان، ولم يجن من ورائها
سوى الفشل الذريع، والمزيد من تألب الرأي العام ضد الولايات المتحدة الأمريكية؟ هل
يفتح بوش صفحة جديدة، و يبيض
بعض ما سوده ريغان خلال فترته الرئاسية.
إن
جو الوفاق الدولي يبدو مساعدًا الآن على تغيير السياسة الخارجية الأمريكية، وإن
الهجوم السلمي الذي يقوم به الزعيم السوفييتي على خصومه التقليديين لا بد أن يترك
أثره على تلك السياسة، ولكن شعوب العالم الثالث- ومن ضمنها الشعوب العربية
والإسلامية- مطالبة اليوم بمزيد من العمل والإصرار على إفشال المخططات الأجنبية
الرامية لمحاصرتها واستنزاف خيراتها، إنه لن يغير السياسة الأمريكية الخارجية سوى
وقوف هذه الشعوب أمام الطغاة، وإصرارها على مواجهة كل أساليبهم، بما فيها أسلوب
إطلاق الرصاص، الذي أن دل على شيء فإنما يدل على ضعف الحيلة، وانكشاف المناورات
السابقة، وإذا كانهنالك أمل في تغيير سياسة العنف الريغانية؛ فهو ناتج عماوصلت
إليه تلك السياسة من فشل ذريع بفضل إرادة الشعوب ومقاومتها للغطرسة، واستبسالها في
الدفاع عن حقوقها، إن الإدارة الأمريكية الجديدة تعي معنى خروج القوات الأمريكية
وهي تلم أشلاء قتلاها من تحت أنقاض سفارتها المنهارة في لبنان، وهي تعرف أن
الإدارة الأمريكية السابقة فشلت في التخلص من نوريغا، وفشلت في محاصرة نيكاراغوا
وإسقاط الحكم فيها، وفشلت في ضرب ليبيا ومحاصرتها عسكريًا واقتصاديًا، ولم تنجح
إلا في غرينادا، ولكن ماذا يعني نجاح أكبر قوات العالم على غزو جزيرة لا تكاد تظهر
على خريطة العالم؟
إن
هذا الفشل الذي حصدته أمريكا بقيادة ريغان هو الذي يدعونا للأمل في تغيير سياسة
العصا الغليظة الأمريكية.
منذ
أن جاء الرئيس ريغان للحكم وهو يتكلم لغتين متقابلتين ومتنافرتين تمامًا: لغة
السلام والأمن وطاولة المفاوضات وترك العنف والإرهاب الموجهة للشعوب الصغيرة، ولغة
«سنضرب، سنؤدب، سنقصف، سنعاقب» عندما تخرج هذه الشعوب عن طوع رمبو الأمريكي، ولا
ترضخ لإرادته، فماذا جنت أمريكا من هذه السياسة؟ هذا هو السؤال الذي يفرض نفسه على
الإدارة الأمريكية الجديدة بقيادة جورج بوش.
إن
الشعوب الصغيرة تتطلع اليوم صوب الولايات المتحدة الأمريكية، وهي تتلهف لمعرفة ما
إذا كانت الإدارة الأمريكية الجديدة ستترك القاموس الريغاني في التعامل معها، أم
ستقتفي خطاه على رأي من يقول: إنما كان ريغان يعبر عن أزمة المجتمع الأمريكي ويفرج عن عنفه المتأصل؟
ومهما
يكن من أمر فلا بد أن يعرف المتطلعون صوب الأمريكيين اليوم، أن العنف ليس سمة
ريغان وحده، بل سمة «ثقافية» في الولايات المتحدة الأمريكية، ولم يفعل ريغان سوى أنه نماها
ورعاها، حتى أصبح الشجار في أمريكا بالغ القسوة والعنف، والقتل مجانيًا في كثير من
الأحيان، وأصبح عدد خبراء الإرهاب يفوق عدد الدبلوماسيين، وعدد أنصار العنف يزيد
على عدد الفلاحين، وحيث تعمل مراكز تجنيد القتلة والمرتزقة بحرية، وعندما نضع صورة
هذا المجتمع أمامنا يصبح السؤال: هل تستطيع الإدارة الأمريكية الجديدة تحويل مجرى
التيار في الداخل، واستئصال العنف هناك حتى تنبذه في الخارج؟