; العيد فرحة الصائم ورمز الوحدة | مجلة المجتمع

العنوان العيد فرحة الصائم ورمز الوحدة

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 07-نوفمبر-1972

مشاهدات 83

نشر في العدد 125

نشر في الصفحة 4

الثلاثاء 07-نوفمبر-1972

قل: لكل من تلقاه هيا نعصر صفاء الود! ونروي ذواتنا بعذوبته

الأعياد التي نحتفل بها كثيرة ومتعددة..

ومع ذلك يبقى للأعياد الدينية معنى خاص في نفوسنا ففيها وحدها نفرح حقيقة ونستبشر ونرتدي الثياب الجديدة، ويفرح الأطفال والكبار.. ونحس بوقع المناسبة في كل شيء في سلامنا وفي دعواتنا وفي أحاديثنا، وتحل البهجة في البيوت والأحياء والميادين وكل مكان.

والسر في ذلك أن الأعياد الدينية هي أعياد روحية، ومن ثم فهي دون غيرها تهز عواطف الناس ومشاعرهم، وتملأ القلوب بالتفاؤل والأمل وترفرف على الناس بالخير والمحبة والسعادة..

العيد الذي نستقبله الآن هو عيد الصائمين وهو احتفال يبتهجون فيه بأعمال روحية عظيمة حققوها على مدى ثلاثين يومًا متتالية ومليئة، ثلاثٌون يومًا أمضوها في عالم بعيد عن الأرض، بعيد عن معتقل الضرورات والشهوات، وانطلقوا وملء نفوسهم الخير والبر والتقوى يسبحون الملك القدوس حافين حول عرشه العظيم..

يتقربون إلى ملكوته الأعلى ويمتثلون حدوده وشريعته لم يعصوا ولم يرفثوا ولم يفسقوا وإن قاتلهم أحد أو سبهم فقد بسطوا جناح الذل من الرحمة والتسامح وقالوا إنا صائمون، لقد رشحوا أنفسهم للعتق من النار.. ورشحوا أنفسهم لتوبة مباركة تمسح ما تقدم قبلها من ذنب أو إثم وتغسل قلوبهم بالماء والثلج والبرد.. حتى إذا شاء الله تعالى وصدق وعده للصائمين خرجوا من هذا الشهر المبارك بشرًا جديدًا بقلب سليم وروح متجدد ووجدان طاهر يستقبلون الحياة وقد تعاهدوا على الاستقامة والعلاج.

من هنا حق للصائمين أن يحتفلوا بالعيد المبارك وأن يفرحوا بقدومه فهو إمارة فوزهم الكبير وانتصارهم العظيم، وحصادهم الوافر المدخر ليوم لا ينفع فيه مال ولا بنون.

ولا يقتصر العيد على فرحة الصائمين بإتمام صومهم واستجابتهم لداعي الله، واستراحة ضميرهم لطاعته وبقائهم في جانب الله.. فحسب، بل كان العيد ذاته مناسبة سارة يتراحمون فيها ويتزاورون.. ومثلما صلحت نفوس الأفراد في فترة الصيام، كذلك تصلح بنية المجتمع بما يتيحه العيد من مناسبة لإصلاح ذات البين ومواصلة الأرحام ومعاونة الفقير وإسعاد الأسرة ومن ترويح القلوب بالمظهر الطيب والتسلية الطاهرة وإشاعة جو السعادة بين الجميع.

ومن خصائص عيدنا أن السعادة فيه تعم الجميع الكبير والصغير، الغني والفقير، الأمة والفرد.. وهي خصيصة تفتقر إليها الأعياد المصطنعة، والتي تكون في أكثر الأحيان شماتة في البعض ونكاية في الخصوم.

إذن فهذه هي حقيقة الفرحة التي تنساب في النفوس وتملأ القلوب.. إنها فرحة الصائمين الفائزين، أما الذين أمضوا هذا الشهر المبارك في معصية الخالق وفاتهم قطار الرحمة.. فليس لهم إلا الندامة ولا عيد لهم ولا احتفال.. ويا لها من خسارة.. تجاوزت الدنيا إلى يوم الدين.

والعيد في حقيقته ليس مظهرا.. نلمسه في تغيير الأثاث أو تعليق الزينات أو التبطل عن العمل، وليس مناسبة اجتماعية تأتي وتمر من عام إلى عام.

ولكنه روح جديد.. سيماه التسامح والأمـل والابتسام حتى نواجه حياتنا بمعنويات عالية وقلوب بيضاء وخلق رفيع.

والعيد مظهر حي من مظاهر الوحدة الإسلامية، تصوروا أن ما يربو على سبعمائة مليون مسلم، يعلنون العيد.. وتنفرج أساريرها وتبتهج جوانحهم مرة واحدة من مشارق الأرض إلى مغاربها.. يا لها من فرحة کبری! روح واحد يسري بين سائر المسلمين.. ومناسبة واحدة يحييها عالم بأسره، فتتجه شعوبه في فجر واحد إلى ميادين الصلاة.. وترتفع حناجرهم بالدعاء والتهليل والحمد والتكبير! في هذا الوقت تنمحي الإقليمية وتتضاءل القومية الضيقة وتتلاحم صفوف المسلمين أمة واحدة، تستقبل قبلة واحدة وتهتف لرب واحد ودين واحد.  

ومثلما تعود الناس في مناسباتهم الوطنية أن يقدموا كشف حساب بما فعلوه، وأن يقيموا أوضاعهم وسياساتهم ويحاسبون أنفسهم.. ومثلما يتوقف الناس في كل مناسبة ليختموا مرحلة في مسار الحياة ويبدأوا مرحلة أخرى.. فإن المسلمين يتوقفون وقفة جادة عند كل عيد لينظروا في أمرهم أفرادا وجماعات..

أين هم من الله؟

من غضبه ورضاه، من شرائعه وهداه، من حلاله وحرامه؟ هل فرطوا في جنب الله.. أم أوفوا بعهده وصدقوا وصبروا؟

أين هم الآن من الأمم الأخرى؟

هل آن لهم أن ينتفضوا في صحوة جبارة، تقلب موازين الأرض وتفصح عن سنة الله الماضية، فتطول الأيام تدويلا، وتؤكد أن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين؟

ولو قيم المسلم المسلمون أوضاعهم اليوم لأوشكت فرحة العيد أن تتجمد على الوجوه وتستحيل إلى كآبة مخيمة وبؤس شديد.

ستتجمع فلولهم عند ساحة المسجد الأقصى تحت حراب اليهود وأعلامهم وأنظار السائحين من شذاذ الآفاق.

وأعينهم الكسيرة تتحول من هذه المشاهد إلى آثار الحريق على جدار المسجد وسقفه إلى خرائب الآثار الإسلامية على جوانب الحرم الشريف، حيث يطغى ضجيج الجرافات على صوت الإمام ونبرته الحزينة.

علينا في غمرة الفرحة العارمة بالعيد السعيد أن نتذكر هذا الواقع وألا ننساه ونتذكر كذلك وضع المسلمين المذعورين في الفلبين وهم يحجمون عن أداء الصلاة خوفًا من غارات المتعصبين الغادرة وأن نتذكر ملايين المسلمين الذين حرموا قهرًا وقسرًا من فرحة العيد بأمر الحزب الحاكم أو العظمة الحاكمة.

علينا أن نتذكر إخواننا المنكوبين في مخيمات اللاجئين.. أطفالهم وشبابهم وشيوخهم الذين لا يجدون ما يستقبلون به العيد من ملبس أو مأكل، علينا أن نتذكر أسرى الحرب الباكستانيين في معسكرات الأسر الوثني.. وأن نتذكر الأسر التي فقدت أفرادها في كل بيت من بيوت المسلمين وفي كل وطن من أوطانهم.

وأخيرًا.. وأنت تستقبل العيد أيها المسلم.. فهذه بطاقة معايدة منا أن تجعل من هذا العيد انطلاقة جديدة في سبيل الخير..

أن تصل فيه جميع أقاربك وترحم المساكين ولا تدع خصمًا لك إلا صالحته وسامحته وعفوت عنه.. كيف لا وأنت تنتظر الرحمة من رب العالمين وترجو العفو والغفران، أن تقبل على أسرتك العزيزة فردا فردا تدخل البهجة في نفوس الصغار وتطلب عفو والديك وتجدد الوفاء لأهلك.

وأن ترفع دعواتك معنا إلى رب العالمين.. أن يهدي قلوبنا إلى سواء السبيل ويتقبل صيامنا وقيامنا.. وأن يهيئ للمسلمين من أسباب المنعة روحيًا وماديًا ما يفجر في أعماقهم صحوة الإيمان الكبرى وثورته الراشدة المؤازرة حتى يعز الله الحق ويظهره على الباطل.

تقبل الله منا.. ومنكم.

الرابط المختصر :