; ماذا تعد «إسرائيل» لقطاع غزة؟ | مجلة المجتمع

العنوان ماذا تعد «إسرائيل» لقطاع غزة؟

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 16-مارس-1993

مشاهدات 99

نشر في العدد 1042

نشر في الصفحة 8

الثلاثاء 16-مارس-1993

«ثقب الجحيم».. «قطاع الرعب» ... «بوابة جهنم».. هذه مصطلحات جديدة في العقلية الصهيونية، برزت إلى حيز الوجود مع ساعات الفجر الأولى لأول أيام الانتفاضة المباركة على أرض الإسراء فلسطين، وبالذات في قطاع غزة، أرض الانتفاضة ونبعها الأول.. الرحم التي خرج منها أطفال الحجارة ليلقنوا جنود الاحتلال الصهيوني دروسًا في الجهاد والمصابرة والرباط، ويزرعوا الرعب في قلوبهم مع صيحات «الله أكبر»، من مآذن «غزة هاشم» الممتدة في السماء، فأثمر ذلك رغبة أكيدة في «الانسحاب المفاجئ» من مستنقع الدم الذي لا يعرف له جنود العدو نهاية.

هل يمكن حدوث الانسحاب؟

فكرة الانسحاب من قطاع غزة، التي تناقلتها وسائل الإعلام مؤخرًا عن مسؤولين صهاينة، لم تكن جديدة على المتابعين لمجريات الأحداث، فقد طُرح هذا الموضوع في أعقاب تفجر الانتفاضة المباركة في (٨/١٢/١٩٨٧)، وطُرح مرة أخرى في ظل الإعلان الأردني لفك الارتباط بين الضفة الشرقية والغربية في (٣١/٧/١٩٨٨). وكان البديل في ذلك الوقت إشرافًا مصريًا على القطاع، غير أن هذا الطرح قوبل برفض مصري وفلسطيني أيضًا. وعاد الموضوع إلى البحث مرة أخرى أثناء التصعيد الشعبي لفعاليات الانتفاضة في الداخل بعد القرار "الإسرائيلي" بإبعاد (٤١٥) فلسطينيًا إلى «مرج الزهور». ولهذا القرار إذا اتخذته "إسرائيل" بالفعل مسوغات صهيونية منها:

  • عسكريًا: إنقاذ هيبة جيش العدو «الذي لا يُقهَر»– كما يحلو لهم وصفه– والذي تحول إلى قوات شرطة تطارد أطفال الحجارة في الأزقة والطرقات، مما زرع في نفوسهم شعورًا بالإحباط والخوف واللامبالاة، فبرزت مظاهر التمرد العسكري، ورفض الخدمة في القطاع «الموت الزؤام»، والانتحار، والحالات النفسية، والمطالبة بالانسحاب العسكري من القطاع من قبل الجنود والقادة في جيش العدو.
  • اقتصاديًا: القطاع عبارة عن شريط ساحلي لا يتعدى (٤٠٠) كم²، ومن المتوقع أن يصبح عدد سكانه قبل عام (٢٠٠٠) ما يقارب المليون نسمة، والجدوى الاقتصادية له معدومة بعد أن سلبه المستوطنون الصهاينة كل مقوماته الاقتصادية، ناهيك عن التكلفة الاقتصادية لبقاء الجيش فيه ليحكموا قبضتهم عليه.
  • أمنيًا: يعاني العدو من العمليات النوعية التي يقوم بها أبناء القطاع التي تشمل بدورها الانتفاضة المباركة وتزيد من عنفوانها، خصوصًا وأن معظم أهل القطاع من فئة الشباب تحت (١٩) عامًا، علاوة على أن القطاع يقع في الجزء الجنوبي وانسحاب العدو منه لا يؤثر عليه من الناحية العقائدية «التوراتية»، كما أنه لا يهدد أمنه القومي– بعكس هضبة الجولان.

وبالإضافة إلى ذلك فإن سلطات العدو ترى أن القطاع بوضعه الحالي يمثل أكبر بقعة في العالم من حيث الكثافة السكانية، وهو مهدد بالانفجار في أي وقت (قنبلة موقوتة)، وتحب أن ينفجر بأهله جنوبًا دون أن تتحمل هي أعباء هذا الانفجار!

تبدو العقلية اليهودية واضحة تمامًا من خلال تفكيرها بالانسحاب «المفاجئ»، وذلك لتترك الحبل على غاربه للقوى الفلسطينية لتحسم المسألة بالأسلوب الذي تراه مناسبًا. وفي ظل الاقتتال «الفلسطيني – الفلسطيني» بين حركة التحرير الوطني الفلسطيني «فتح» وحركة المقاومة الإسلامية «حماس» في قطاع غزة في منتصف عام ١٩٩٢، فإن من المتوقع سلفًا أن تنشب حرب أهلية داخلية بين «حماس» و«فتح». وهذا ما يريده رجالات العدو ليحققوا من ذلك الأهداف التالية:

1.   اقتتال «فلسطيني – فلسطيني» محوره «حماس – فتح» يدخل الشعب الفلسطيني في أتون حرب أهلية قد تمتد لسنوات عديدة داخل وخارج فلسطين.

2.   إخماد الانتفاضة المباركة في أرض الإسراء بناءً على ما تقدم.

3.   تفرغ العدو لبناء قوته وتحقيق أهدافه الأمنية لغياب ما يشغله.

4.   تقويض المفاوضات الثنائية ومشروع «الحكم الذاتي» من خلال رؤية العالم لنتائج السيطرة الفلسطينية على الأرض.

رغم أن قيادة منظمة التحرير الفلسطينية «م.ت.ف» والمتمثلة في عرفات كانت تجهز نفسها منذ المشاركة في مؤتمر مدريد لاستلام مقاليد الأمور على التراب الفلسطيني، من خلال تدريب قوات للشرطة والأمن في الأردن وبعض الدول الأوروبية، وطرح العديد من المشاريع الاقتصادية ومنها محطة تكرير البترول على سواحل غزة، إلا أن عرفات وجَّه صرخة استغاثة عندما طالب مصر بإقناع «إسرائيل» بالتريث في الانسحاب من غزة– من جانب واحد– وبشكل مفاجئ لقطع الطريق أمام حركة «حماس» للسيطرة على القطاع.

لم تكن دواعي هذا الطلب من أجل الحفاظ على الدم الفلسطيني.

لا نشك في أن «حماس» تدرك عواقب الأمور، وما يترتب على سيطرتها على السلطة في القطاع، فتهديدات «عرفات» كثيرة، ولن يتقبل الأمر بارتياح بالتأكيد. فلابد من القطاف وجني ثمرة جهاد شعب فلسطين المسلم، ولا مجال لتكرار التجارب المريرة التي مرت بها الشعوب العربية والإسلامية في أكثر من قطر، ولا حاجة لشعب فلسطين بحكم علماني لا يرعى حرمات الله، ولا يطبق شرعه.

إن "إسرائيل" إذا أقدمت على خطوة الانسحاب المفاجئ من غزة التي قيل إن ايهود باراك رئيس أركان الجيش "الإسرائيلي" قد رتبها بالفعل مع إسحاق رابين، فإنما تهدف إلى أشياء كثيرة غير إنقاذ جنودها من الموت المحقق على أيدي كتائب القسام. ولعل إشعال نيران الصدام في القطاع وتفجيره هو هدف اليهود المباشر. ولكن إذا استطاع الفلسطينيون تجاوز المؤامرة "الإسرائيلية"، فما تصوراتهم لإدارة القطاع وأسلوب الحكم فيه؟ وما الدور "الإسرائيلي" المرتقب إذا تم التوافق بين الفلسطينيين؟

أسئلة كثيرة تجعلنا نطرح تساؤلنا الكبير: ما الذي ستصير إليه الأمور في قطاع غزة إذا انسحبت «إسرائيل» منه بالفعل؟

واقرأ أيضًا:

الرابط المختصر :