; الافتتاحية : من يغالب الله يغلب | مجلة المجتمع

العنوان الافتتاحية : من يغالب الله يغلب

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 12-سبتمبر-1995

مشاهدات 67

نشر في العدد 1166

نشر في الصفحة 9

الثلاثاء 12-سبتمبر-1995

 جاء تحويل الحكومة المصرية في الأسبوع الماضي لثلة من خيرة أبناء مصر ممن ينتمون إلى «الإخوان المسلمين» إلى المحاكم العسكرية ليؤكد إصرار الحكومة وسعيها في التصعيد والمواجهة مع «الإخوان المسلمين» كبرى الحركات الإسلامية في العصر الحديث، وأعرقها وأنصعها وأنظفها تاريخًا وأعمقها فكرة، وأوسعها انتشارًا وامتدادًا، حيث بلغ مدى المنتمين إليها، الملتزمين بفكرتها الصافية النابعة من صميم الإسلام، الآخذة بشموله وكماله أطراف الدنيا كلها.

والإخوان المسلمون ليست حزبًا سياسيًّا، أو فكرة محلية، أو دعوة جزئية حتى تؤثر في أبنائها اعتقالات أو ترهبهم سجون، وإنما هي كما قال مؤسسها الإمام الشهيد حسن البنا -رحمه الله-: «روح جديدة تسري في دماء هذه الأمة فتحييها بالقرآن» ومن ثم فإن السجون والمعتقلات والمحاكمات والإعدامات والتضييق والابتلاءات هي سنن لازمت هذه الجماعة منذ قيامها وحتى اليوم، فما زادتها إلا صلابة وقوة وامتدادًا وانتشارًا، وأصبح تاريخ الأمة الحديث ممزوجًا بدماء شهدائها الذين قتلوا دفاعًا عن فلسطين في عام ١٩٤٨م، فحينما كان الخونة يوقعون على صك التنازل عن فلسطين كان شهداء «الإخوان المسلمين» يسطرون بدمائهم صفحات من كفاح الأمة، ويذيقون الصهاينة الويلات، ويلحقون بمواكب الشهداء الأولين ثلة من الآخرين، وعاد «الإخوان المسلمون» من ساحات الجهاد في فلسطين، وبدلًا من استقبالهم استقبال الأبطال وجدوا سجون فاروق مفتحة لهم، حيث نسجت خيوط المؤامرة لتصفية مرشدهم حسن البنا -رحمه الله- الذي اغتالته الأيدي الآثمة في فبراير ١٩٤٩م، وقبل أن تصعد روحه إلى بارئها قبل الله دعوته على قاتله فاروق ملك مصر، الذي أذله الله وأخزاه، ومات مسمومًا في إيطاليا، ودفن في مصر سرًّا ودون جنازة بأمر من عبد الناصر، ومات حسن البنا لكن دعوة الإخوان لم تمت، بل امتدت في أصقاع الدنيا؛ لأنها دعوة الإسلام الشامل، دعوة لا تمجد الأشخاص، ولا ترتبط بهم، وإنما هم الذين يرتبطون بها. 

وخرج الإخوان من سجون فاروق أمضى عزمًا، وأقوى شكيمة، وأكثر ثباتًا، فخرجوا إلى ساحات الجهاد في القتال وقاتلوا المحتلين البريطانيين حتى أخرجوهم من البلاد فيما بعد.

ثم جاء دور الطاغية عبد الناصر، وظن أنه يستطيع إبادتهم أو محو فكرتهم، فألقى بعشرات الآلاف منهم في السجون في عام ١٩٥٤م، وأعدم ثلة منهم، كان على رأسهم الشهيد عبد القادر عودة، ثم كرر عبد الناصر المحاولة مرة أخرى في عام ١٩٦٥م بتحريض القوى الصليبية واليسارية وأعدم ثلة على رأسهم الشهيد سيد قطب الذي وقف شامخًا وهو في طريقه إلى المشنقة ليجدد وفاءه لدينه ودعوته، وقال كلمته المشهورة قبل إعدامه: «إن كلماتنا تظل عرائس من الشمع حتى إذا متنا في سبيلها دبت فيها الروح وكتبت لها الحياة».. ومات سيد قطب وبقيت كتاباته وكلماته حية يتداولها الناس في أقطار الدنيا من خلال كتبه ويترحمون بها عليه؛ فيما يصبون اللعنات على عبد الناصر ومن كان معه، وأخذ الله عبد الناصر أخذ عزيز مقتدر، وبقي «الإخوان المسلمون» ثابتين على دعوتهم، مخلصين لربهم، لا يضرهم من خذلهم أو حاربهم.

وحينما حاول السادات أن ينال منهم ومن غيرهم أخذه الله أخذ جبار منتقم، وبقي «الإخوان المسلمون» وازدادت قناعة الناس بهم وبدعوتهم، وضربوا أعظم الأمثلة في العمل في مجلس الشعب، وفي قيادة النقابات المهنية، ونوادي أعضاء هيئة التدريس، والمدارس الأهلية التي أصبح ضباط أمن الدولة الذين يحاربون الإخوان يلحقون أبناءهم للدراسة بها لمستواها الراقي في التعليم والتربية.

ورغم محاربة الحكومة للإخوان فقد أبى المهندسون والأطباء والصيادلة والمحامون والعلميون والمعلمون وأساتذة الجامعات وغيرهم من المهنيين جميعًا إلا أن يعطوا أصواتهم لمرشحي الإخوان في النقابات ونوادي هيئة التدريس ولدورات متتالية؛ وذلك لما رأوا منهم من حرص على بلادهم ومصالحهم، ومن تجرد في الأداء، وعفة في العمل، وشهدت الدنيا كلها للإخوان بانهم أهل جد وإخلاص وأمانة وتفان وبعد عن العنف والإرهاب، فالتف الشعب حولهم، وأقبل على دعوتهم، لذلك فقد انقلبت عليهم الحكومة وبدأت حملتها عليهم غير مراعية لدستور أو قانون أو عرف أو حقوق؛ فضيقت على النقابات، وسيطرت على بعضها بالقوة وحرمت المنتمين إليها من حقوقهم، ثم استولت على بعض المدارس، وأغلقت بعضها الآخر، ثم بدأت عمليات الملاحقة والاعتقال والسجن والتعذيب لمئات الإخوان، حتى يحال بينهم وبين الترشيح لانتخابات البرلمان، وأصاب الحكومة الذعر حينما علمت بأن المعتقلين سوف يرشحون أنفسهم من داخل السجون، وأن الإخوان سيفوزون بنسبة كبيرة من مقاعد البرلمان، لذلك فوجئ واندهش الجميع بتحويل معتقلي الإخوان للقضاء العسكري في خطوة لتدبير مذبحة جديدة لهم، ووقف وزير الداخلية المصري حسن الألفي يكيل التهم جزافًا دونما دليل ضد الإخوان بعدما كان يصفهم من قبل بأنهم جماعة دعوية تقف ضد الإرهاب، وكان الألفي الذي أعلن قبل أيام بأنه لا توجد جماعة باسم «الإخوان المسلمين» في مصر، كمن يحاول أن يطفئ نور الشمس، وقد اعترف في مؤتمر صحفي عقده في ١٣/ 4/ ١٩٩٥م بجماعة الإخوان، مؤكدًا عدم وجود صلة بين الجماعات المتطرفة وجماعة الإخوان، واصفًا إياها بأنها جماعة دعوة، مما دفع وسائل الإعلام العالمية في حينها إلى القول بأن تصريح الألفي يعتبر أول اعتراف من مسئول رسمي بجماعة «الإخوان المسلمين».

إن التصعيد الحالي ضد الإخوان ليس مواجهة لهم وحدهم، وإنما هي مواجهة لشعب مصر الذي أيد الإخوان في النقابات والجامعات ونوادي أعضاء هيئة التدريس وأعمالهم الاجتماعية والدعوية، وإن السجون والمعتقلات والإعدامات لن تنال منهم شيئًا، وإنما هي رصيد جديد يضاف لهم ولتاريخ دعوتهم التي هي دعوة الله، ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ (آل عمران: 120)، ومن يغالب الله يغلب.. ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (يوسف: 21).

الرابط المختصر :