العنوان الافتتاحية- معركتنا مع اليهود معركة عقيدة
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 02-فبراير-1988
مشاهدات 76
نشر في العدد 854
نشر في الصفحة 4
الثلاثاء 02-فبراير-1988
منذ أن أشرق نور
الإسلام في الجزيرة العربية ليخرج العالم كله من الظلمات إلى النور، ومنذ اللحظة
الأولى التي وصل فيها النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة ليقيم فيها
نواة دولة الإسلام، واليهود يكيدون للإسلام ولرسول الإسلام ويتربصون بهما الدوائر
بغيًا وحسدًا، رغم ما وجدوه مكتوبًا في التوراة عن هذا النبي الأمي ودينه الذي
أراده الله آخر الأديان السماوية.
وبالرغم من اللين والتسامح الذي عامل به النبي
صلى الله عليه وسلم اليهود عندما دخل يثرب مهاجرًا، ورغم معاهدة الدفاع المشترك
والتعايش السلمي وعدم الاعتداء المعقودة بين المسلمين واليهود، فقد ظل اليهود
يقاومون الدعوة الإسلامية وينشرون الأكاذيب والتشكيك حولها، بل ويتآمرون ضدها بغية
الإطاحة بها والقضاء على رسولها وقائدها، دون أن يُعيروا أي اعتبار للمواثيق
والعهود التي عقدوها مع المسلمين، إلى أن أمر الله رسوله بإجلائهم بالقوة من
المدينة المنورة.
ومنذ ذلك
التاريخ البعيد وحتى اليوم، عُرف اليهود بكل لؤم وخسة في الأخلاق وبارتكابهم
الجرائم الوحشية والهمجية، وأصبح اليهود عبر التاريخ البشري كالجسم الغريب الضار
الذي ينخر في جسد البشرية، وظلوا مصدرًا لكل تيارات التدمير الخلقي والانحراف
العقائدي والابتزاز الاقتصادي.
ومن يقرأ القرآن
الكريم بتمعن وتدبر يجد فيه فلسفة دقيقة لمحاربة اليهود ووصفًا عميقًا لأمراضهم
الخلقية، فهو يكشف الستار عن حقدهم الدفين تجاه المسلمين وعن مبالغتهم في الإجرام
والقتل، ويفضح فيهم صفة العدوان والغدر ونقض المواثيق والعهود.
فمن حقدهم على
المسلمين وكراهيتهم لهم يقول الله تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ
لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ
أَنفُسِهِم﴾ (البقرة:109).
إن هذه الآية
تكشف دسائس اليهود وكيدهم للإسلام والمسلمين، وتحذر الأمة الإسلامية من ألاعيبهم
وحيلهم وما تُكِنه نفوسهم من الحقد والشر تجاههم. وينبه الله المسلمين في هذه
الآية الكريمة إلى أن هدف اليهود دائمًا هو ردهم كفارًا بعد إيمانهم، حسدًا من عند
أنفسهم على اختيار الله لهذه الأمة المسلمة برحمته وفضله بتنزيل الكتاب الأخير
عليها وانتدابها لهذا الأمر العظيم، ويكشف للأمة حقيقة المعركة التي تكمن وراء
العداوة التي تسود عبر تاريخ البشرية بين اليهود والمسلمين. وهكذا يوقظ القرآن
الكريم وعي الأمة المسلمة ويركزها على مصدر الخطر ومكمن الدسيسة، ويعبئ مشاعر
المسلمين تجاه النوايا السيئة والكيد اللئيم والحسد الذميم.
ويؤكد القرآن
الكريم هذا المعنى -عداوة اليهود للمسلمين- في قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ
الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَّا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾ (البقرة:145).
إن الله تعالى
يؤكد في هذه الآية أن عداوة اليهود للمسلمين ليست عن جهل بحقيقة دين الإسلام، إنما
هي تأتي مع سبق التصميم والترصد، فهم يكرهون الإسلام لأنهم يعرفونه كما يعرفون
أبناءهم، ويخشونه على مصالحهم وسلطانهم، وهذا هو سر محاربتهم له سرًا وعلانية.
وعن نقض اليهود
للعهود والمواثيق والمبالغة في الإجرام يقول الله تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم
مِّيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾ (المائدة: 13).
لقد نقض اليهود
عهدهم مع الله الذي خلقهم وفضلهم على كثير من العالمين، فقتلوا أنبياءهم بغير حق
وبيتوا القتل والصلب لعيسى عليه السلام فأنجاه الله، وحرفوا كتابهم «التوراة»
ونسوا شرائع الله ولم ينفذوها، ووقفوا من خاتم الأنبياء موقفًا لئيمًا ماكرًا
عنيدًا، وخانوا مواثيقهم معه فباءوا بالطرد من هدى الله، وقست قلوبهم أكثر من
الحجارة، وحل عليهم غضب الله ولعنته. فهذه القسوة بادية دائمًا في تصرفاتهم
الخالية من المشاعر الإنسانية والمتسمة بالعدوانية والشر تجاه البشرية، وأصبحت
الخيانة والغدر تجري في عروقهم مجرى الدم حتى أصبحوا لا يَرعون إلا ولا ذمة.
لهذا كله نبه
الله تعالى المسلمين إلى خطورة اليهود وعداوتهم المستمرة للمسلمين، وحذر المسلمين
من عواقب الاستسلام لليهود أو موالاتهم أو التودد إليهم، وفي ذلك يقول الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ
أَوْلِيَاءَ ۘ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ
فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾
(المائدة:51).
إن الله تعالى
ينبه المسلم هنا إلى طبيعة المعركة بينه وبين أعدائه على أنها معركة العقيدة، فلا
يجوز للمسلم موالاة اليهود والتحالف معهم تحت أي ظرف من الظروف بعد فشل العهود
التي أبرمت بين المسلمين واليهود في المدينة المنورة؛ لأن المسلمين مهما أبدوا من
السماحة والمودة لليهود فإنهم لن يرضوا ببقاء المسلمين على دينهم وعقيدتهم، ولن
يكفهم ذلك عن موالاتهم مع أعداء المسلمين لمحاربتهم والكيد لهم.
وهذه الحقائق
القرآنية الساطعة كوهج الشمس يغفل عنها بعض السذج من المسلمين في هذا الزمان وفي
كل زمان، حين يفهمون أن الصلح والمعاهدة ممكن مع اليهود، ناسين تعاليم القرآن
الكريم ودروس التاريخ التي تشير بوضوح إلى أن اليهود هم الذين شردوا العرب
والمسلمين من فلسطين وارتكبوا ضدهم كل أنواع البطش، والقتل في صبرا وشاتيلا
وغيرهما.
وهل بعد هذا كله
لا يزال بعض المسلمين مخدوعين في هؤلاء اليهود ويُفضون إليهم بالمودة ويأمنونهم
على أسرار الأمة ويتخذون منهم ومن أصدقائهم بطانة؟
إن الإسلام يدعو
المسلمين دائمًا إلى أن يكونوا أقوياء على أعدائهم جميعًا، وأن يعدوا لهم العدة
حسب إمكانياتهم المادية والمعنوية، وأما النصر فمن عند الله. لذلك نرى أن أطفال
فلسطين الذين رفضوا كل الضغوط الاستسلامية لليهود بدأوا يواجهون هذا العدو الشرس
بما لديهم من قوة وإن كانت هي قوة الحجارة فقط، يحاربون بها عدو الله وعدوهم، وقد
تمكن هؤلاء الأطفال الفلسطينيون المسلمون بتوفيق من الله تعالى أن يحدثوا انقلابًا
في حسابات المنطقة، لم تُحدثه حرب الدبابات والطائرات والمدرعات التي جرت بين
العرب و«إسرائيل» عبر أربعين سنة.
إن حجارة
الانتفاضة التي تشهدها اليوم فلسطين المحتلة هي شرارة الأمل لهذه الأمة التي
تقودها على طريق التحرير واستعادة الأراضي والمقدسات المغتصبة بيد الغدر والخيانة
التي دبرها يهود وأعوانهم من أعداء الإسلام والمسلمين.
ومن هنا نطالب
الأمة أفرادًا وحكومات إلى الوقوف بصمود إلى جانب الانتفاضة والثورة في الأراضي
المحتلة، وتقديم كل أنواع الدعم لهم، والاستنارة بتعاليم القرآن الكريم المتعلقة
بمعركتنا مع اليهود عبر التاريخ، والعودة إلى التمسك بقيم الإسلام وشريعته الغراء
وتطبيقها في حياتنا العامة والخاصة لنحظى برضا الله ونصره المبين. فالمعركة بيننا
وبين أعدائنا هي معركة العقيدة، فلن نذوق طعم الانتصار فيها إلا بالتمسك بعقيدتنا
والعودة إلى دستور ربنا، نادمين على هجرنا له في عصور مظلمة تمكن فيها أعداؤنا أن
ينالوا منا ما نالوا.
إن هذا القرآن
هو معلم هذه الأمة ومرشدها وهادي طريقها، ولو ظلت الأمة تستنير بنوره وتقيم شرائعه
لما استطاع الأعداء أن ينالوا منها في يوم من الأيام. فما أحوج الأمة اليوم إلى
العودة إلى تعاليم هذا القرآن لتحرز الانتصار على أعدائها وتعود إلى مكانتها التي
أرادها الله لها، وهي قيادة العالم بالعدل والأخلاق الفاضلة.